عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 03 تشرين الثاني 2025

متحف مصر الكبير.. الإمساك بالماضي والحاضر

باسم برهوم

 

تجاوزت مصر ببراعة مقولة الكاتب البريطاني جورج اورويل، "من لا يسيطر على حاضره لا يسيطر على تاريخه، ومن لا يسيطر على تاريخه لا يسيطر على حاضره ولا مستقبله "، بهذه المقولة المدهشة لخص أورويل أهمية حفظ وكتابة تاريخ الشعوب. مصر، مع افتتاح المتحف الكبير، حفظت تاريخها، وحضارتها القديمة، وهي بذلك ترسخ حضورها الآن  كدولة متماسكة، تمد جذورها عميقًا في التاريخ،  وتؤكد مصر بهذا العمل الكبير قدرتها على مواصلة مسيرتها الحضارية بين الشعوب.

وفي ملخص بسيط عن المتحف الكبير، فقد جمعت مصر آثار حضارتها القديمة في مكان واحد، جمعت تاريخا لحضارة امتدت لسبعة آلاف عام، ويضم المتحف 100 الف قطعة اثرية تلخص كل ذلك التاريخ العظيم بمراحله الفرعونية واليونانية والرومانية، والكنز التاريخي الضخم الذي تركه الملك توت عنخ آمون. وتبلغ مساحة المعرض 167 الف متر مربع، مقسمة على قاعات عرض، ومراكز للبحوث، والتعليم، ومرافق خدمات. وفي واقع الامر، وكما يقول الخبراء ان المرء يحتاج لعدة أيام ليراه كاملا، فهو سيصبح بالتأكيد قبلة علمية وتاريخية وسياحية، ويمكن ان يعيد المتحف هيكلة وتنظيم قطاعات مهمة، في الاقتصاد المصري والحياة الثقافية فيها.  مثل السياحة، والخدمات، والتعليم، والثقافة والفنون. وخبرة ترميم الآثار، والبنى التحتية، وأهمية المتحف بالروابط التي سيقدمها للمتابعين، فهي من ناحية تروي تاريخ مصر، ومن ناحية أخرى تربطهم مع متاحف عالمية أخرى تحوي قطعًا أو مقاطع موثقة من الحضارة المصرية. ويلخص شعار الافتتاح المغزى الاوسع للمتحف. "سلام، حوار ، معرفة، عدالة"، بأنه سيتحول إلى مركز لحوار الحضارات. والثقافات. بالرغم انه متحف يختص بحضارة واحدة. لكن يجب ألا يغيب عن بالنا أنها أول حضارة امتزجت بسلام بحضارات وثقافات عاصرتها، اليونان، الرمان والعرب، وكرست تقاليد للعلاقات الدبلوماسية، والتعاون التجاري، كما تشير الوثائق المعروضة في المتحف.

وما يميز الحضارة المصرية القديمة هذا الايمان القاطع بالحياة الأخرى. حياة ما بعد الموت. أي الايمان بالخلود. ولعل المغزى من كل ما تركه المصريون، قدامى المصريين من عمران ضخم، من أهرامات، ومعابد، وتوابيت رخامية، ومن تحنيط، وتماثيل عملاقة ومن مختلف الاحجام والأشكال للملوك، والآلهة، يعود كله لفكرة الخلود، لحياة ما بعد الموت؛ فقد ارتبط كل شيء تم تشييده بقصة، بأسطورة دينية. صحيح أن هناك سمات متشابهة بين الحضارة المصرية والحضارات التي عاصرتها، فقد عكست هذه الحضارات الحياة الاخرى بكل ما شيد. ولكن ليس بالشكل المصري، ربما تركت تراثا مكتوبا. كما في "جلجامش" في حضارة بلاد ما بين النهرين، الحضارة العراقية. التي تتحدث عن قصة الخلق، والجنة والحياة الأخرى، ودور المرأة في نقل البشرية من حالة التوحش لحالة التحضر.

لقد ألهم المصريون القدماء كل من اتصل بهم من شعوب العالم القديم، سواء بالعقائد او الهندسة والقانون، وبناء الدولة، وفي تطوير اللغة. وبدون شك أن بصمة الحضارة المصرية موجودة في الحضارات التي عايشتها، وتلك اللاحقة وحتى يومنا هذا، لا تزال هذه الحضارة  مدار بحث وتفسير، وهي مركز اهتمام علماء الآثار في العالم، ولا يزال الكثير من أسرارها، وكيفية استخدامها للعلم والهندسة مجالا للتحليل والدراسة.

لم تنقذ مصر الحديثة تاريخها وحضارتها، وهي تشيد هذا المتحف، وإنما تنقذ حاضرها، وتحاول السيطرة على مسارات مستقبلها. فهي تأكد على وجود مصر الدولة القادرة على مواجهة التحديات، فلم تكن صدفة ان كل مشاريع تفكيك مصر أو وضعها على هامش الاحداث والتاريخ المعاصر قد فشلت. ومن جديد تضع مصر نفسها على الخريطة العالمية مع هذا التاريخ العريق، متعدد الثقافات. كما الهرم الاكبر، هرم خوفو.  تقف مصر شامخة في وسط أمتها العربية وفي العالم.