تفرّقنا... وجراح الوطن تنزف
رنا الاغا

لم نكن دائمًا بهذا التشظّي المرير، ولم تكن أوطاننا خرائط تتنازعها الولاءات الضيقة والرايات المتناحرة. كنا، ذات زمن، نحمل حلمًا واحدًا، وننتمي لنبض واحد، ونهتف بقلبٍ واحد لوطنٍ واحد. لكننا تفرّقنا... لا لأننا وُلدنا على الضد من بعضنا، بل لأننا أخفقنا في إدارة اختلافاتنا، وتركنا الأحلام تتآكل بين الشعارات، وأوكلنا زمام مصيرنا إلى نزاعات لا تُنجب غير الخراب.
حين غابت الدولة الجامعة، وانفرط عقد العدالة والمواطنة، استحال من حسبناه شريكاً الى خصم حول الاختلاف إلى عداوة. في هذا الفراغ، تسللت قوى الخارج، لتنسج في وعي أجيالنا خيوط التفكك، وتعيد تشكيل أوطاننا لا بالجغرافيا فقط، بل بالمعاني والانتماءات.
وغزة... آه يا غزة. مدينة الصبر التي أُنهكت من الداخل كما الخارج. لم يكن الاحتلال وحده من حاصرها وقصفها، بل كان الانقسام أيضًا سكينًا في خاصرتها. تحولت من منارة للتطلع إلى الى مسرح دائم لوجع لا ينتهي.
ثم جاءت الحرب المسعورة... من عدو لا يعرف الرحمة، استغلّ شتاتنا، فعاجل غزة بسيل من نار وحديد. جُوّع الأطفال، ورُمّلت النساء، ومات المرضى بصمت في مشاهد تعجز عنها اللغة. تُركت غزة وحدها، تُنكل بها آلة الحرب، ونحن نُراوح في مستنقع الانقسام.
صارت أسمى أماني الغزاوي اليوم كيس طحين، أو جرعة حليب لرضيعه، أو دواء لأمه المريضة. بدل أن يحلم ببناء بيته وأرضه، بات يحلم بالبقاء فقط، أن ينجو من موتٍ بات له رفيقًا.
لم تكن الحرب الأخيرة مجرد مواجهة عسكرية، بل كانت مرآةً صادمة، كشفت هشاشتنا، وعجزنا عن أن نكون جسدًا واحدًا. كلما تأخرنا في إدراك الحقيقة، ازداد نزيفنا، واتسعت مقبرة الأحلام.
لقد ضاعت فلسطين حين تفرّقنا. تحولت من قضية جامعة إلى صراعات فصائلية، وبيانات متضادة، وقرارات مرتهنة. تقطّعت أوصالها بين الضفة وغزة والشتات، وأصبح القرار في غزة بيد من لا يعرف وجع الأرض.
وإذا استمرّ هذا التشرذم، فلن نكسب سوى المزيد من الدم والخذلان. لن تُثمر المقاومة في ظل الانقسام، ولا تنجح الدبلوماسية حين تكون بلا إجماع. وحدتنا ليست خيارًا سياسيًا، بل شرط بقاء.
أوقفوا نزيف الدم...
أوقفوا السكين الظالمة...
أوقفوا شلال الدم...
أوقفوا الظلم الجائر...
أوقفوا الرقص على جراحنا!
تفرّقنا، فتفرّق كل شيء: القلوب، الأحلام، والمصير. أمة كانت تُضيء العالم بالحلم، باتت تسكن الخيام وتنتظر المعونات.
ورغم كل هذا النزف، لا تزال هناك شعلة ضوء لا تنطفئ. الأمل في قلوب لم تستسلم، وفي إرادة تعرف طريقها إن صدقت النوايا. لنبدأ من جديد، من حوار وطني صادق، من تعليم يزرع الانتماء، من قضاء عادل، من وحدة لا تُقصي أحدًا.
التاريخ لا يرحم من يراهن على الفرقة. والأوطان لا تُبنى بأيدٍ تتنازع، بل بأذرع تتكاتف. وكلما بادرنا مبكرًا، كان الشفاء أقرب. وإن تأخرنا، فقد لا نجد ما نعود إليه.
فليكن هذا المقال صيحةَ ضمير، لا مجرد كلمات. لأن غزة تنزف... وفلسطين تنادينا جميعًا، أن نكون، أو لا نكون.
مواضيع ذات صلة
مكيالان في الفضاء الرقمي: ضجيج الضفة وصمت غزة
حربان في زمن واحد: المعركة على الأرض والمعركة على الوعي ...
متى نرى الجميع سعداء؟!
التعليم لأجل التعافي… حين يصبح التعلم فعلَ صمودٍ في زمن الحرب
معا نحمي الحياة… الوعي مسؤولية وطن في زمن الظروف الاستثنائية
حين تبتلع الصورة المعنى: أزمة الذائقة في الإعلام الجديد
الوطن أم القلاع المبنية من حجارة هشة ؟!