عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 29 حزيران 2025

ثقافتنا الفلسطينية.. والواجبات!

تغريدة الصباح-حسن حميد

بلى،

ها أنذا، أفتك نفسي في ندوة من حوار طويل عريض، كبير بالنيات الطيبة، والحرص على الثقافة الفلسطينية وفنونها وآدابها، وقد قرّت أفكارمهمة جداً، في البال، طرحها الحاضرون، وأهمها ما الذي فعلته نكبة عام1948 بالثقافة الفلسطينية، وهل أحطنا بالثقافة الفلسطينية متابعةً وعناية، ولم نغفل عن شيء مهم فيها سواء أكان ذلك في الوطن العزيز أم في المنفى، وما هي الآثار الموجعة والثقيلة التي خلفتها النكبة، وما هي السبل والتوجهات من اجل محوها أو التخفيف من حمولتها التي أدت إلى انشطار هذه الثقافة إلى شطرين (الداخل، والخارج)، و(الوطن، والمنفى)، وظهور حواجز ظاهرة وأخرى مخفية تحول دون التواصل بين الأدباء والمثقفين وأهل الفنون عامة، وذلك لأنّ ما يصدره الأدباء الفلسطينيون داخل الوطن، ولاسيما بعد عام 1993، يكاد لا يصل، كما نتمنى إلى أدباء المنفى، وهذا يوجد قطعية نفسية، وأخرى معرفية لها علاقة بالتوثيق والمتابعة والإحصاء، وبذلك تترك شؤون الكتابة والتوثيق للمصادفات، وغالباً لا تكون هذه المصادفات دقيقة، والأخطر هو أنّ أدباء الداخل الفلسطيني لا يعرفون إلا القليل عن أدباء المنفى الفلسطيني، والعكس صحيح، لأنّ سبل التواصل متروكة للمصادفات أيضاً، واللقاءات النادرة، أو بعض ما يصل عبر  معارض الكتب، وبذلك تخسر الثقافة الفلسطينية معرفة جيل أو أكثر من الأدباء والفنانين بسبب إغلاق منافذ المعرفة والتواصل.

  كانت ندوة الحوار جادة ومهمة لأنها طرحت أسئلة عميقة جوهرية حول حال الثقافة الفلسطينية، وضرورة تفعيل التواصل مابين الداخل والخارج، لتصير كلاً واحداً، وبذلك نتجاوز خراب الدورة الدموية التي أصابتها بعد أحداث نكبة 1948، ونعيد مجد الثقافة الفلسطينية السابق على حدث النكبة المفجع، والتي كانت تنادد الثقافة المصرية من جهة، وثقافة بلاد الشام والرافدين من جهة أخرى، وفي كل المجالات والشؤون الثقافية والإبداعية، فالمراكز الثقافية وصالات عرض المسرحيات والأفلام واللوحات التشكيلية، وحفلات الموسيقى والغناء، ومراكز تعلم اللغات، ودور النشر الناشطة جداً في القدس والناصرة، وحيفا ويافا، وغزة، ومعارض الكتب وتصديرها إلى البلدان العربية والأجنبية، وحضور المدارس، والكليات والجامعات، ومعاهد التدريس، والتطوير التربوي.. كلها كانت مزدهرة، وفي عرامة ثقافية بدت منارة ومثالاً لكل من يعرف قيمة الثقافة الفلسطينية واجتهاداتها في جميع الشؤون، من التاريخ والتراث، إلى الحياة الاجتماعية والتربوية، إلى الحياة الاقتصادية والثقافية والسياسية، لأن الصحافة كانت الشاهد الدال، واليومي، على تطور الحياة وغناها، فالصحف الفلسطينية كانت تباع يومياً في العواصم العربية مثل القاهرة وبيروت، ودمشق وبغداد وعمان، وكان خبر الثقافة الفلسطينية حاضراً وطالعا في أكثر من ساحة عربية.

   بعد النكبة، مارس الاحتلال الإسرائيلي أشد أنواع القمع والمنع والحصار على الثقافة الفلسطينية، لأنه أراد إخماد صوت هذه الثقافة لأنها تتحدث عن جرح النكبة الفلسطينية، وما أدت إليه من آثار وخيمة، كان من مفاعيلها إغلاق دور النشر والمطابع، وإغلاق مراكز تعليم اللغات، وصالات  الثقافة (المراكز الثقافية)، وتعطيل عمل الصحافة، ومصادرة الصحف، وإخضاعها في البداية لأوامر الرقيب الإسرائيلي، ثم منعها من الصدور، ثم سن قوانين تمنع على المثقف الفلسطيني من ان يتحدث عن النكبة أو يذكرها بالاسم والصفة، لأن النكبة مقرونة بالاحتلال والتهجير والتشرد، مثلما هي مقرونة بالمخيمات واللجوء وحق العودة.

   تلك الآثار، وما لحق بها من عدم تأريخ لاندفاعات الثقافة الفلسطينية وموجاتها، أدت إلى تجاهل الكثير من الجهود الثقافية المهمة، وإلى غمط حق الكثير من التجارب الأدبية والإبداعية وإهمالها، مما أدى إلى حجبها مرة وغيابها مرات، والأمر لا يتعلق بالأدباء الفلسطينيين داخل أراضي عام 1948، حيفا، يافا، عكا، الناصرة، أم الفحم، وإنما يتعلق بكل الأراضي الفلسطينية، لأن الغياب طال الجميع، ونحن نتذكر صرخة غسان كنفاني في الستينيات منادياً كتّاب الداخل الفلسطيني من أجل إرسال نصوصهم وكتبهم إليه، إن كانت مطبوعة، للتعريف بها في المنافي الفلسطينية، وكانت صرخة اميل توما أيضاً مدوية حين قال: نحن لا نعرف الكثير عن أدبائنا الفلسطينيين في المنافي، والصرختان مهمتان لأننا نحن كبشر مبدعين، والثقافة الفلسطينية كمنتوج حضاري للشعب الفلسطيني، كنا، ولم نزل،  ضحية الاحتلال الإسرائيلي، وضحية الجرح الكبير الذي خلفته النكبة؛ أسماء أدبية وثقافية كثيرة في وطننا العزيز لم تحظ بالتقدير الواجب، أو حتى التعريف بها في المنافي الفلسطينية مثلها مثل أسماء كثيرة في المنافي الفلسطينية لم تحظ أيضاً بالتقدير الواجب في الوطن العزيز، وللتمثيل أقول، من يعرف تجربة جمال قعوار، الشاعر الذي طبع عشرات الدواوين، ودرس أجيالاً من طلابنا في الجامعات، ومن ذكره من النقاد والدارسين في المنافي الفلسطينية، ومن يعرف فاروق مواسي، وتجربته في الشعر والنثر، والتربية، وله خمسون كتاباً تقريبا،  وفي المنفى أسماء مماثلة لا احد يعرفها في الوطن العزيز، وإن ذكرت تذكر بعيداً عن الأضواء، مع أن ما كتبوا يدرّس في الجامعات العربية.

   بلى، في هذا خسارة وطنية لثقافة واحدة، وإبداع واحد، وأحلام واحدة، إن استمرت الحال على هذا النحو من الغمط والتجاهل؛ ولهذا أقول إنّ تجديد الروح الثقافي الفلسطيني وتظهيره يعتمد على النظرة الكلية لثقافتنا، ورعايتها الرعاية الواجبة داخل الوطن وفي المنافي أيضاً، لأنّ أدباء فلسطين اشتط بهم المنفى، فصاروا يعرفون لغات أخرى، وبيئات أخرى، وثقافات أخرى.. لكنهم مازالوا، ورغم ترادف الأجيال، ينادون في كتاباتهم، ويهتفون: موطني، موطني!