عاجل

الرئيسية » عناوين الأخبار » تقارير خاصة » شؤون فلسطينية »
تاريخ النشر: 10 حزيران 2025

"أنا جعان".. الكلمة الأكثر انتشارا في غزة

غزة - الحياة الجديدة- عبد الهادي عوكل - تتصدر عبارة "أنا جعان" الكلمات على ألسنة المواطنين في قطاع غزة من جميع الفئات، أطفالا ونساء وشيوخا وشبانا، جراء المجاعة التي يعانون منها منذ أن أغلقت حكومة الاحتلال الإسرائيلي المعابر أمام دخول المساعدات الإنسانية والتجارية منذ ثلاثة أشهر.

ويزداد الوضع الإنساني سوءا يوما تلو الآخر في ظل نفاد المخزون الغذائي لدى غالبية المواطنين من جهة، والمؤسسات الإغاثية المحلية والدولية من جهة أخرى، الأمر الذي انعكس سلبا على حياة المواطنين، ليدخلوا في مرحلة حرجة، حيث يعاني أكثر من 95% من مجمل مواطني القطاع من سوء تغذية حسب المتحدث باسم وكالة الأونروا في قطاع غزة عدنان أبو حسنة في تصريحات صحفية.

ولا يخلو حديث المواطنين خلال تجمعاتهم قبالة الخيام أو أمام منازلهم بمدينة غزة من الحديث عن المجاعة وأسعار السلع خاصة الأساسية منها كالدقيق والسكر وزيت الطعام والملح والأرز وغيرها.

ويقول المواطن شاهر عبد الرحمن الذي يسكن في أحد شوارع حي الشيخ رضوان بمدينة غزة، ويعيل أربعة أطفل لـ "الحياة الجديدة: " قسما بالله أخرج من الخيمة من ساعات الصباح أبحث عن لقمة أسد فيها جوع أطفالي، وأحيانا أعود لأطفالي بدون شيء". مضيفا أنه لا يستطيع شراء ما هو متوفر في الأسواق بسبب الارتفاع الكبير في الأسعار، وعدم امتلاكه للمال، لافتا إلى انه يدبر شؤونه بأقل القليل من أهل الخير وبعض التكيات.

وتابع عبد الرحمن وعلامات الحزن والبؤس على وجهه وهو يتلعثم في الحديث: أكثر ما يصعب عليّ عندما أسمع أبنائي يقولون لي: "احنا جعانين يا بابا"، وأحيانا ينامون بلا طعام كاف، مشبها أنين أطفاله بالسكاكين التي تقطع أحشاءه.

وأشار إلى أنه كان يعيش في منطقة مخيم جباليا ونزح قسرا منذ شهر تقريبا بسبب أوامر جيش الاحتلال الإسرائيلي، وأنه لم يتمكن من اصطحاب طعامه من خيمته بسبب إطلاق النار والقصف الإسرائيلي، وجميع المواطنين نزحوا في ظروف مأساوية ولم يتمكنوا أيضا من اصطحاب معطم أغراضهم من فرشات وأغطية وطعام.

وقال إنه أيضا حاول السكن في مدارس لكنه لم يجد متسعا له، فاضطر للسكن بجوار مجموعة من الخيام في حي الشيخ رضوان بمدينة غزة.

من جانبها، تقول المواطنة أم روحي حسين، التي تعيش مع زوجها وأولادها الخمسة في خيمة بشارع الجلاء شمال مدينة غزة، إنها تتمنى الموت يوميا ألف مرة، للتخلص من هموم الحياة والذل الذي تعيشه وأطفالها في البحث عن الطعام.

وأضافت أن زوجها عاطل عن العمل كما كل عمال غزة منذ بداية الحرب، وكان يعتمد على المساعدات في تدبير شؤون حياتهم، مستدركة أنه منذ توقف توزيع المساعدات ونفاد المخزون من الطعام خاصة الدقيق، أصبح الموت أرحم من هذه الحياة.

وتابعت: أتكلم معك وأنا وأولادي جعانين، واوزاننا نقصت، وحتى أبسط أنواع الطعام الخبز والشاي غير متوفر، ولا نستطيع شراء كيلو سكر لارتفاع ثمنه الذي وصل 260 شيقلا، وكيلو الدقيق ارتفع من 60 إلى 80 شيقلا. وقالت بحرقة: والله ثم والله الموت أرحم من هذا الذل الذي نعيشه.

 

أسعار فلكية

وفي ظل هذا الواقع الإنساني الكارثي الذي يعيشه قطاع غزة جراء سياسة الاحتلال الممنهجة في تجويع المواطنين، يستكمل تجار الواقع المأساوي ويشنون حربا أخرى عبر رفع أسعار السلع بشكل يفوق الخيال.

وفي جولة لمراسل "الحياة الجديدة" في سوق الشيخ رضوان بمدينة غزة، كانت الأسعار على النحو الآتي: كيلو السكر يتراوح بين 220 و 260 شيقلا، سعر كيلو الطحين يتراوح بين 50 إلى 80 شيقلا، وسعر لتر زيت الطعام يتراوح بين 90 إلى 120 شيقلا، علبة الفول 15 شيقلا، علبة الحمص 15 شيقلا، كيلو البندورة 40 شيقلا، كيلو الخيار 40 شيقلا، كيلو الفلفل 40 شيقلا، كيلو البصل، إن وجد،  يفوق الـ 400 شيقل.

ويقول احد المواطنين في السوق وهو يسأل عن الأسعار: المفروض ان تدخل غزة موسوعة غينيس في أسعار السلع بكافة أنواعها، مضيفا أن هؤلاء التجار كافة يستغلون الوضع من أجل ملئ جيوبهم من حاجة الفقراء وابناء شعبهم المقهور، وأجزم أن هؤلاء التجار الذين يكملون دور الاحتلال في ابادة غزة لو وجدوا من يردعهم منذ بداية الحرب لما تجرأوا على ذلك، بل أنهم يتفننون كل يوم في رفع الأسعار.

ويقول بحسرة: حتى المساعدات التي تدخل والمفترض أن توزع على المواطنين مجانا، ينهال عليها اللصوص ويبيعونها بأسعار فلكية، ويحرم منها الفقراء والأرامل والأطفال والمرضى.

 

السيولة النقدية تباع بنسبة 40%

وإلى جانب هذه المأساة هناك استغلال كبير من قبل التجار الذين يمتلكون السيولة النقدية لحاجة المواطنين للمال، بسبب قيامهم ببيع السيولة النقدية مقابل 40%، الأمر الذي يزيد من المأساة والكارثة التي يعيشها القطاع، وغالبية التجار أوقفوا البيع مقابل الدفع الالكتروني.

 

مساعدات مغمسة بالدم

من جهة أخرى ومنذ بدء الاحتلال بإدخال المساعدات إلى قطاع غزة في 27 مايو/ أيار الماضي، وتسليمها من خلال شركات أميركية في رفح ومحور "نتساريم" وسط القطاع، لا تصل هذه المساعدات الى المواطنين لأن الغالبية يرفضون الذهاب لنقاط التوزيع خشية على حياتهم، علما أن من استفاد من هذه المساعدات لا يتجاوزون الـ 10% من اجمالي سكان القطاع، وخاطروا بحياتهم من اجلها.

ويقول المواطن (ع.ر) 44 عاما الذي تمكن من الذهاب الى نقطة في رفح لجلب كرتونة تحتوي على مساعدات اغاثية: من شدة الحاجة للطعام ورغم معرفتي بالخطر القائم لمن يذهب لمراكز التوزيع الأميركية في رفح، الا انني ذهبت لأن الجوع نهش أجساد اطفالي.

وأضاف انه اضطر للخروج من شمال غزة الى خان يونس للمبيت عند احد اقاربه كي يصل في وقت مبكر لمركز التسليم، واصفا الرحلة بالمرعبة، من هول الدمار في رفح والخوف من أن يطلق الاحتلال النار على المواطنين من جهة اخرى كما حدث سابقا واستشهد العشرات وأصيب المئات.

وشدد على أن جوع أطفاله هو ما دفعه للذهاب، لافتا إلى أن أكثر كلمة يكره سماعها هي "أنا جعان". وأوضح أن جميع أبنائه يعانون من سوء تغذية.