عاجل

الرئيسية » عناوين الأخبار » تقارير خاصة » شؤون فلسطينية »
تاريخ النشر: 10 حزيران 2025

"جاليري حيفا".. بيت المغترب الفلسطيني في مصر

القاهرة- الحياة الجديدة- لميس الأسطل- وسط زحام العاصمة المصرية "القاهرة"، ينبثق "جاليري حيفا"؛ ليكون بيتا دافئا مؤقتا لكل فلسطيني مغترب، وساحة يتعرف فيها أبناء مصر الشقيقة على قضية خالدة بمعالمها ومعاناة شعبها، لتنبعث رائحة وطن مقهر من بين جدرانه وموسيقاه وفنه الذي يحمل بين طياته رموزا لحقوق مغتصبة لشعب لا يعرف للاستسلام طريقا.

تخرج الشاب الغزي محمود العطار (32 عاما) من تخصص إدارة الأعمال من جامعة القاهرة، وعمل كباحث موسيقي، وكتب عددا من المقالات في الجرائد الورقية والمواقع الإلكترونية عن التراث الموسيقي وصدر له  كتاب بعنوان: "حلاج الأوتار" عن الموسيقى في القرن العشرين، عازفا على آلة العود، ومؤسسا فرقة موسيقية باسم "جذور" برفقة الفنان أحمد الرفاعي، هادفا إلى إعادة إحياء الأغاني التراثية الفلسطينية في الوطن العربي، ليحكي حكاياتها عبر القيام بعزفها وغنائها.

لحق العطار في العام 2016 شغفه بالفن والموسيقى والتراث، مستغلا وأخاه الأصغر سامح استغلال مهاراتهم في المشغولات اليدوية والنحت على الخشب بالقيام بصنع مجسمات صغيرة لرموز فلسطينية مثل: حنظلة ومفتاح العودة وخريطة فلسطين واقتباسات من أشعار محمود درويش وأغاني أبو عرب، معلنين عن تلك القطع الفنية وبيعها عبر الإنترنت والمعارض الصغيرة؛ فلاقت إعجابا كبيرا، فقاما بعمل المزيد وتطوير الخامات باستخدام الجلود والمعادن والأخشاب ودمجها معا حتى أصبح هناك أكثر من مئة تصميم، ثم كانت نقطة التحول في العام التالي بتأسيس "جاليري حيفا" فرع وسط البلد، موظفين ثقافة وطنهم فيه.

يقول العطار: "أطلق زبائننا على فرعنا الأول اسم (البيت)؛ فجميع أصدقائي اشتركوا في تجهيز وصناعة هذا المكان بكل حب وشغف؛ فرسمنا فيروز وريم بنا ومحمود درويش ومارسيل خليفة والشيخ إمام، وانطلقنا على الحوائط بالفرش والأغاني، كل شخص منا يضع جزءا من شخصيته على زاوية من زوايا المكان".

ويضيف العطار: "في البداية لم يكن لدينا خبرة كبيرة في كيفية إدارة مثل تلك الأماكن؛ فقد كنا نفعل ما نرغب به بشغف كبير، ولم نقم بأي دعاية أو إعلان عن مكاننا الذي كان يقبع في الطابق الرابع من بناية في شارع طلعت حرب، لكن على مدار أربع سنوات لم يخل من زبائنه، شاعرين بوجود روح مميزة فيه، فقضينا أياما متواصلة نغني ونقول شعرا ونبتكر مشغولات جديدة كل يوم، ولا تزال التعليقات والرسائل حوله بعد إغلاقه تأتينا حتى اللحظة، مشكلا جزءا كبيرا من ذاكرتنا وذاكرة رواده".

وتابع: "جاليري حيفا- فرع الزمالك يعتبر البداية الاحترافية لعملنا؛ فكنا قد اكتبسنا خبرة في كافة الأمور والنواحي خلال السنوات الأربع الماضية، فقمنا بتصميم المكان هندسيا برفقة صديقنا المهندس حسام درويش الذي كان يشاركنا نفس أحلامنا وأفكارنا في صنع مكان يعبر عن هويتنا الفلسطينية، فكانت الأحجار القدسية وشجر الزيتون والسلك الشائك والكوفية النمط الذي استندنا عليه في التأسيس، ثم  مرحلة الديكورات؛ فقمنا بتغذية المكان بالخزف الخليلي والمكرميات اليدوية مع بعض الأنتيكات وأجهزة الصوت القديمة مثل: الجرامافون وراديو اللمبات، عائدين لكل ما يذكرنا بالزمن العتيق"، لافتا إلى إعجاب الكثيرين به منذ انطلاقته وحتى مع وجود ثلاثة فروع أخرى لاحقة له، لكنه بقي بالتحديد الفرع المفضل للزبائن دون أن يعرفوا سر الانجذاب.

ويقول العطار: "ننظم معارض باستمرار، فنحن نحرص على القيام بعدد منها كالسوق السنوي للتراث الفلسطيني، وهو يوم يضم المشغولات اليدوية والملابس والإكسسوارات والديكورات والخزف وكل ما يتعلق بالرائحة الفلسطينية ويرمز لها"، مشيرا إلى وجود أمسيات موسيقية وشعرية باستمرار ومعارض للصور، وتقديم المشروبات والحلويات، وفي بعض الأحيان يتم عمل معارض يومية وتقدم فيها "المناقيش" والشاي بالمريمية للحضور.

ويؤكد عشقه الكبير لأعمال الفنان الفلسطيني إسماعيل شموط، عارضا عددا كبيرا منها على جدران "جاليري حيفا"، إضافة لأعمال سليمان منصور وغيرهم من الفنانيين الفلسطينيين، مشيرا إلى وجود جدارية تضم عددا من أعمال الفنان ناجي العلي، بالإضافة لكلمات أشعار محمود درويش وسميح القاسم وصور لغسان كنفاني وتوفيق زياد وغيرهم الكثير.

ويوضح العطار سبب إطلاق اسم "جاليري حيفا" على المكان، قائلا: لم نأخذ وقتا كبيرا في انتقاء الاسم، فكلمة (جاليري) انتقيناها لأنها متخصصة في صنع التحف الفنية، فالاسم يطلق على كافة المعارض التي تقوم بعرض التحف بشتى أنوعها.

أما عن "حيفا"؛ فرمز لتلك المدينة البعيدة قسرا القريبة جغرافيا، التي نحلم أن نراها يوما، فمنذ طفولتي أنا وأخي كنا نقف في ميناء بحر غزة وننظر باتجاه الشمال وأخبره بوجود مدينة جميلة اسمها حيفا لكننا لا نستطيع زيارتها وحتى رؤيتها، مع إيماننا الكبير بالذهاب إليها والمشي في شوارعها والسباحة في بحرها في إحدى الأيام.

ويشير إلى أن "جاليري حيفا" يلعب دورا كبيرا بالتوعية بالقضية الفلسطينية، قائلا: "الفن نوع من أنواع المقاومة؛ فكما كان يرسم ناجي العلي وتغني فرقة العاشقين ويكتب محمود درويش، نقوم بعرض ثقافتنا ولوحاتنا وأشعارنا وأغانينا"، متمنيا أن يكون الفن وما يقومون به وسيلة للحياة والاستمرار، ببقاء التراث الفلسطيني صامدا حيا في القلوب والنفوس، خصوصا للأجيال الجديدة المغتربة في الشتات التي لا تعرف عن فلسطين إلا شمس الأغاني.

ويصف العطار عشق الشارع المصري للمكان قائلا: "أشقاؤنا المصريون يحبون الروح المسيطرة على المكان بفعالياته، ويتجاوبون معها بشدة، ويحرصون على حضور الحفلات والمعارض".

ويعبر الشاب المصري، مصطفى شفيق (27 عاما) عن إعجابه الكبير بجاليري حيفا، قائلا: "إن تفاصيل المكان المعبرة عن الهوية الفلسطينية خاصة والعربية عامة أكثر ما جذبني له؛ فكل زاوية منه تأخذك إلى عالم مختلف، فيحمل في قلبه دفء بألوانه وديكوراته البسيطة القوية، الأمر الذي يجعلني متمسكا أكثر للجلوس فيه ومتابعة عروضاته والاستمتاع بسحره.

ويستكمل شفيق: هذا المكان يشرح لوحده عن الهوية الفلسطينية دون أي كلمات تقال؛ فنتعرف أكثر فأكثر عن الثرات الفلسطيني ونتعلق به، شاكرا العطار وأصدقاءه على مجهودهم في نشر التراث وتعليم الأجيال القادمة عن فلسطين.

ويوجه شفيق رسالته للشعب الفلسطيني قائلا: "مهما حاول الاحتلال الإسرائيلي طمس هويتكم وسرقتها فلن يستطيع؛ فهي متجذرة بداخلكم وداخلنا، وقد تربينا منذ صغرنا على حب فلسطين وحقكم بوطنكم وأرضكم"، لافتا إلى أنه سيأتي يوم ويرفع فيه صوت الحق بانتصار الفلسطينيين أصحاب الحق.

ويذكر الشاب الفلسطيني المغترب، عبد العزيز بشير (23 عاما) أن "جاليري حيفا" بيته الثاني في مصر؛ فالمكان يشعرك بوجودك بين أهلك وأقربائك في موطنك الأم، ممتلئا بالتفاصيل الفلسطينية الجميلة، بداية من الشاي بالميريمية وصولا للكتب المليئة بالمعلومات والصور عن المدن كالقدس الشريف، إضافة للأغاني الوطنية الفلسطينية والتراثية.