عاجل

الرئيسية » عناوين الأخبار » التعليم و الجامعات » تقارير خاصة » شؤون فلسطينية »
تاريخ النشر: 01 آذار 2025

التعليم الأساسي في مواجهة الأزمات.. كيف نعوض الفاقد التعليمي؟

الدكتورة ماجدة جالودي استعرضت في لقاء مع "الحياة الجديدة" أبرز الحلول والتحديات التي تواجه الميدان التربوي

رام الله - الحياة الجديدة- إسلام أبو عرة- تشهد العملية التعليمية في فلسطين تحديات جسيمة، خاصة في المرحلة الأساسية، نتيجة تراكم الأزمات التي أثرت على النظام التعليمي. فمنذ جائحة كورونا، مرورا بإضرابات المعلمين الناتجة عن أزمة الرواتب، ووصولا إلى تبعات الحرب على غزة، عانى الطلبة، لا سيما في المدارس الحكومية، من انقطاع متكرر عن التعليم الوجاهي، مما اضطرهم إلى الاعتماد على التعليم عن بعد رغم افتقار العديد من الطلبة وأولياء الأمور إلى المهارات التقنية اللازمة، خاصة في الصفوف الأولى، ما أثر سلبا على تأسيسهم العلمي.

في هذا السياق، كان لـ "الحياة الجديدة" مقابلة مع الدكتورة ماجدة جالودي، مديرة المرحلة الأساسية في أكاديمية روابي الإنجليزية، حيث تناولت تأثير هذه الأزمات على العملية التعليمية، وسلطت الضوء على الفاقد التعليمي وسبل تعويضه، مستعرضة أبرز الحلول والتحديات التي تواجه الميدان التربوي.

 

تأثير الأزمات على التعليم الأساسي

أوضحت الدكتورة ماجدة أن العملية التعليمية في المرحلة الأساسية تعرضت لضغوط جمة في السنوات الأخيرة ابتداء من جائحة كورونا مرورا بإضرابات المعلمين وصولا إلى الحرب الجائرة على غزة وانعكاس آثارها على كل فلسطين عامة وعلى العملية التعليمية والمدارس والطلبة بشكل خاص، وقد ظهرت آثار ومعاناة الفاقد التعليمي عند طلبة المرحلة الأساسية بصورة واضحة جلية وخاصة في المدارس الحكومية بسبب انقطاع الطلبة عن التعليم الوجاهي بشكل كبير ومتكرر؛ والاعتماد بشكل جزئي أو كلي على التعليم عن بعد، والذي لم يفِ بالغرض؛ كون بعض الأهل والطلبة ليس لديهم مهارات الكافية للتعامل مع الحاسوب وبرامجه، أو أن معظم الأهل لديهم أعمالهم ووظائفهم؛ ما يضطرهم لترك طلبة الصفوف الأولى لوحدهم أمام الأجهزة الالكترونية فيواجهون مشكلة عدم وجود إشراف ودعم للوصول والتعامل مع الحاسوب وإدارة الحصص الالكترونية واتباع التوجيهات أو التنقل بين المهام المطلوبة، ويزداد الأمر صعوبة أمام بعض الطلبة كذوي الاحتياجات الخاصة وطلبة المناطق البعيدة النائية الذين قد لا تتوفر لديهم الامكانيات التكنولوجية.

وأشارت الدكتورة ماجدة أن تجربة المدارس الخاصة قد تكون أقل ضررا، حيث إن التعليم الالكتروني كان بالأغلب في فترة جائحة الكورونا، وفي هذه الفترة كان الأهل أيضا في البيتوت مع أبنائهم مما ساهم في دعمهم ومساعدتهم، ولم يترك أثرا واضحا على غالبية طلبة هذه المدارس.

 

الآثار السلبية على التأسيس العلمي والمهارات الأساسية

وأكدت الدكتورة ماجدة أن الفاقد التعليمي أبرز بشكل جلي عدة آثار سلبية؛ فقد أدى إلى نقص المعارف والمهارات الأساسية في اللغات عامة والإنجليزية خاصة، وضعف الأداء في مهارات الرياضيات والعلوم. وأشارت إلى أن الطلبة أصبحوا يجدون صعوبة في إنجاز المهام باستقلالية، وتراجعت لديهم الدافعية للتعلم مما زاد من نسب الرسوب والتأخر الدراسي، بل ووصل الأمر إلى التسرب لدى بعض الطلبة.

 

البعد النفسي والاجتماعي للتأثيرات

وأوضحت الدكتورة ماجدة أن الآثار لم تقتصر على الجانب الأكاديمي فحسب؛ فقد تأثر الجانب النفسي والاجتماعي للطلبة بشكل ملحوظ. كما بينت بعض الدراسات ان مظاهر الفاقد التعليمي من ناحية التطور الاجتماعي والعاطفي والنفسي تمثلت في عدم الاستقرار النفسي للطلبة، بسبب الغياب المتكرر الجزئي أو الكلي عن المدرسة؛ وعدم ثبات أوقات الدوام الوجاهي، فأصبح معظمهم يفضل عدم الذهاب إلى المدرسة.

كما أثر ذلك على ثقة للطلبة بأنفسهم وبقدراتهم وامكانياتهم، وزاد من مشاعر القلق تجاه تعلمهم وحياتهم الاجتماعية المدرسية، والخوف من صعوبة مجاراة ومتابعة مهامهم التعليمية، والتوتر من التقييم والمساءلة...، وكان يظهر على بعضهم تشتت كبير، واتساع فجوة الفوارق الفردية وذلك الانقطاع أفقدهم الفرص للانخراط في الأنشطة المختلفة المجتمعية، والرياضية وضعف تشكيل العلاقات بينهم البعض، وبين الطلبة ومعلميهم.

كما أثر الفاقد التعليمي على التحصيل الأكاديمي وظهر جليا بتدني تحصيل الطلبة في الاختبارات والتقييمات المدرسية، ولم يكن أداء الطلبة في المهارات الرئيسة للمباحث المختلفة في الصفوف الأولى كافيا لاكتساب المعارف والعلوم، وتركز تحصيل الطلبة على مهارة الحفظ دون الفهم والتطبيق، والتركيز على المعرفة السطحية غير المعمقة والمرتبطة بالتجربة والأدلة والبراهين، كما ويلاحظ تراجع الدافعية للتعلم، واتساع فجوة الفوارق الفردية بين الطلبة، والتعثر في التعليم، والتأخير الدراسي، وارتفاع نسبة الذين لا يجيدون القراءة والكتابة.

 

إمكانية تعويض الفاقد التعليمي والخطوات العلاجية

وأكدت الدكتورة ماجدة أن تعويض الفاقد التعليمي ممكن، ولكن لن يكون قضية بسيطة وسهلة وسيحتاج إلى جهود عظيمة متكاملة وتوظيف كافة القدرات لمعالجة آثاره السلبية وتعويضه من كافة الأطراف، الأهل والمدرسة والمجتمع المحلي والحكومة والمؤسسات الاجتماعية النفسية، وحتى منظمات التعليم والطفولة العالمية، ووضع خطط علاجية شاملة للجانب التعليمي والجانب النفسي الاجتماعي على حد سواء.

وأشارت إلى أن أولى الخطوات اللازمة لتحقيق ذلك تتجلى بالاستعداد التام من إدارات المدارس وتهيئتهم بما يتناسب والخطط العلاجية لسد فجوة الفاقد التعليمي، ودعم المعلمين والمساهمة في إعدادهم وتدريبهم وتمكينهم لتنفيذ التعليم العلاجي ولتعليم الطلبة ما فاتهم في فترات الأزمات بالإضافة إلى تعيلم منهج العام االدراسي الجديد.

وتابعت د. ماجدة: يجب العمل على أن يأخذ المرشدون التربويون دورهم في الجانب الاجتماعي العاطفي وتطوير المهارات الاجتماعية والعاطفية لدى الطلبة توفير دعم شامل لإعادة تعليمهم ورعاية صحتهم النفسية وعلاقاتهم الاجتماعية وتحقيق رفاهيتهم بشكل العام، والوقوف عند الحالات الخاصة التي تعاني بشكل كبير من الآثار السلبية للفاقد التعليمي وتداعياته، كذوي الاحاجات الخاصة أو طلبة المناطق النائية.

وأردفت: يبدأ تنفيذ الخطط العلاجية بعد ضمان عودة كافة الطلبة إلى الالتزام بالدوام الوجاهي الكلي أو الجزئي المنتظم، والعودة إلى مدارس آمنة مهيئة وداعمة، وبخطوات تتلخص بإجراء اختبارات أولية تشخيصية للمرحلة التعليمية السابقة للطلبة باستخدام أدوات القياس التي تسمح بتحديد مقدار الفاقد التعليمي ونوعيته تُحدد مستوى كل طالب ومهاراته الشخصية بالمهارات الأساسية لكل من اللغة العربية، واللغة الإنجليزية، ومهارات الحساب والرياضيات، والعلوم كافة، ومعرفة مدى تمكنه من نتاجات تلك المرحلة، بحيث تراعي التنوع في مستويات كل فئة من الطلبة، لتحديد كم الفاقد الذي يعانون منه ونوعه.

وأكدت أنه يجب توفير كافة الإمكانات والوسائل الداعمة والإجراءات المناسبة لتعلمه اللاحق، واستخدام طرق تعلم بديلة تتناسب مع الوضع للطلبة، والاستخدام الفعال للتكنولوجيا، سواء كان التعليم وجاهيا أم التعلم عن بعد كخيار مناسب للتغلب على صعوبات تلك المرحلة، وتنتهي الخطط باختبارات بعدية تقيس جميع مؤشرات الأداء المطلوبة واللازمة لتعويض الفاقد التعليمي، بما يحقق القدر الكافي من تعويض ونجاح معالجة الفاقد التعليمي.

 

دور المعلمين والمدارس في معالجة الفاقد التعليمي

وأكدت الدكتورة ماجدة أن المعلمين والمدارس لهم الدور المحوري في معالجة الفاقد التعليمي، حيث يجب عليهم العمل على إعادة بناء البيئة التعليمية بما يتناسب مع التحديات الراهنة وذلك من خلال:

- توفير البنية التحتية اللازمة: تحديث الفصول الدراسية، وتوفير المختبرات والمرافق التكنولوجية التي تساعد في عملية التعلم.

- تنظيم أوقات إضافية للتعلم: مثل تمديد الحصص الدراسية أو تنظيم دروس تقوية إضافية خلال أيام العطل.

- تقديم الدعم المستمر للمعلمين: من خلال الدورات التدريبية وورش العمل التي تزودهم بأساليب واستراتيجيات تعليمية مبتكرة.

- دعم الجانب النفسي والاجتماعي للطلبة: عبر إشراك المرشدين التربويين لتقديم المساندة اللازمة وتخفيف آثار التوتر والقلق.

وأوضحت أن الدور التعليمي لا يقتصر على نقل المعرفة فحسب، بل يشمل أيضا بناء علاقات إنسانية تساهم في دعم الطلبة على الصعيدين النفسي والاجتماعي، مما ينعكس إيجابا على التحصيل الدراسي.

 

دور المؤسسات التعليمية والمجتمع المدني

وأكدت الدكتورة ماجدة أن المؤسسات التعليمية يجب أن تُجري الأبحاث والدراسات اللازمة لتقييم حجم المشكلة وتقديم توصيات عملية لعلاجها، بينما يجب على المجتمع المدني أن يلعب دور الحاضنة الاجتماعية من خلال دعم البنية التحتية للمدارس والتبرعات وتوفير التجهيزات اللازمة، بالإضافة إلى دعم المعلمين ماديا ومعنويا.

 

الاستعداد لمواجهة الأزمات المستقبلية والدروس المستفادة

واختتمت الدكتورة ماجدة حديثها بالتأكيد على ضرورة وضع خطط طوارئ واستراتيجيات تعليمية مرنة تكون قادرة على مواجهة الأزمات المستقبلية، عبر تأمين الميزانيات الكافية، وتطوير البنية التحتية، وتدريب الكوادر التعليمية على استخدام التكنولوجيا واعتماد أساليب تعليمية بديلة. وأضافت أن التنسيق المستمر بين وزارة التربية والتعليم، والمؤسسات التعليمية، والأهل، والمجتمع المدني يعد حجر الزاوية في تحسين الاستجابة للتحديات المستقبلية.