صورة عين داود الأخيرة
بيت لحم- الحياة الجديدة- أسامة العيسة- لم تكن لدى سائق الجرافة الاحتلالية، أية مشاعر، وهو مقدم على تدمير عين داود، خلال أعمال التجريف الواسعة، ضمن المشروع الاستيطاني الاحتلالي الاستراتيجي، جنوب القدس المحتلة. وترك أسنان جرافته، تدمر، وتجرف، وتسحق، وكأن له ثأرا معها.
في منتصف تسعينيات القرن الماضي، شقت جرافات الاحتلال شارع الستين الاستيطاني، لربط المستوطنات المقامة على أراضي بيت لحم والخليل، بطريق سريعة مع مدينة القدس المحتلة، ودمرت أجزاء واسعة من شارع القدس التاريخي، وجرفت مئات الدونمات. وروجت للوحدات السكنية في المنطقة، لاستقطاب مزيد من المستوطنين، بأنها لا تبعد سوى ربع ساعة عن "العاصمة" حسب تعبيرها.
شق شارع القدس-الخليل التاريخي، ليناسب عيون الماء والاستراحات، والتجمعات الحضرية الفلسطينية، التي بنيت طوال قرون، وهو جزء من شارع ظهر الجبل، الذي يمتد على طول الهضبة الفلسطينية الوسطـى من الخليل إلى نابلس، وبشكل غير متوقع، أدى شق الشارع إلى ظهور عين ماء، رأى فيها فلاحو المنطقة، رمزا لصمودهم في الأرض.
أحد شهود تلك المرحلة، المرحوم داود حسين موسى، الذي رأى كيف تجرف آليات الاحتلال الأراضي الزراعية، تقتطع الصخور، وتجرف التربة، وأحس أنها بذلك، إنما تقطع تاريخه الشخصي، والأرض التي ناضل للدفاع عنها، خلال المعارك التي اندلعت عشية النكبة.
كان عمر الحاج داود آنذاك 80 عاما، وهو ابن بلدة الخضر، التي تمتد أراضيها على جانبي شارع القدس-الخليل التاريخي، ولاحظ أن شق الشارع، كشف عن عين ماء بجانبه، ولم يثر الأمر استغرابا كثيرا لدى الحاج، لأن المنطقة مشهورة بعيون الماء، ومنها عين ماسور، وعين الطاقة، وعين العصافير، وعين فاغور، وأدى شق شارع الستين في تلك المنطقة إلى قطع الوادي الشامي، بردم جزء كبير منه، وهو مرج زراعي مهم لأهالي الخضر، وعزل العينين.
حسب إبراهيم موسى، ابن الحاج داود، فإن والده، عندما رأى الماء ينز من الأرض، أحضر آلية حفر (باغر) عملت لمدة يوم للكشف عن العين، التي سرعان ما نمت حولها أشجار البوص.
يضيف إبراهيم: "الأرض التي تقع فيها العين، ليست من أملاكنا، ولكن والدي كشف عنها، كنوع من أعمال الخير، وسميناها باسمه: عين داود".
يقول الناشط مهند صلاح: إن العين أضحت مقصدا للفلاحين، وللمسافرين، والرعاة، وللأهالي الذين يعتنون بأرضهم في المنطقة المهددة بالاستيطان.
توفي داود حسين موسى يوم 2-10-2016، في بلدة الخضر، ودفن فيها، ونعته بلدية البلدة والفصائل والأحزاب فيها، باعتباره مجاهدا شارك في عدة معارك ضد العصابات الصهيونية عام 1948، مثل معركة الدهيشة، وعتصيون، وغيرها. ان موسى يعلم، بأن الاحتلال لن يكتفي بما خربه وجرفه، ولكنه لم يعش ليرى ما يحدث منذ شهور، بتوسيع شارع الستين، ومصادرة آلاف الدونمات من أراضي القدس، وبيت صفافا، والمالحة، وبيت جالا، والخضر، وشوشحلة، وتجمعات فلسطينية أخرى.
وأدت أعمال التوسعة الضخمة الجديدة، التي ستكرس أكثر فأكثر مشروع ما يسمى "القدس الكبرى" الاحتلالي، إلى تدمير مواقع أثرية، وأخرى لها علاقة بالمشهد الثقافي والتراثي الفلسطيني، ومنها عين داود.
خلال أعمال تدمير العين، التقط مراسل الحياة الجديدة"، ما يمكن وصفها بالصورة الأخيرة للعين، التي درستها جرافات الاحتلال، ولم يعد لها وجود.
مواضيع ذات صلة
هدم ثانٍ خلال أسبوع: الاحتلال يهدم منازل ومبانٍ ومنشآت تجارية في برطعة الشرقية
"الشؤون المدنية" تستكمل بالتعاون مع "التربية" الترتيبات اللازمة لانعقاد امتحان الثانوية العامة السبت المقبل
الاحتلال يعتقل 7 مواطنين من بلدة عناتا شرق القدس
استشهاد شاب وإصابة آخر بجروح خطيرة برصاص الاحتلال شرق مدينة خان يونس
"مقيد بالأغلال.. محرر بالحب" يحصد البرونزية في العراق ويهزم المسافة بين الزنازين وقلوب الناس
قوات الاحتلال تقتحم عدة قرى وبلدات في محافظة نابلس
مستعمرون يحرقون أراضي ومركبات ويعتدون على منازل في جيت شرق قلقيلية