عاجل

الرئيسية » تقارير خاصة »
تاريخ النشر: 24 أيار 2022

حرب الرواية.. إسرائيل تحارب المحتوى الرقمي الفلسطيني بقيود منصات التواصل الاجتماعي

ازدواجية المعايير.. خطاب تحريضي إسرائيلي كل 70 ثانية.. ووسائل التواصل: لا أسمع لا أرى

عبير البرغوثي
 
تسعى الدول والمجتمعات لتحقيق سيادتها على أرض الواقع وفي مختلف المجالات، لا سيما على نطاقها الجغرافي، ومواردها الطبيعية، باعتبار ذلك من مكونات وشروط استقلالها السياسي والاقتصادي، هكذا كان الحال في قديم السنوات قبل ثورة التقنيات الحديثة في كل مجال، وفي مقدمتها الفضاء الإلكتروني الذي بات نطاقا استراتيجيا للتواصل والتفاعل ومساحة تتطلب إثبات الذات وتحقيق السيادة لأنه بقدر ما شكل هذا التطور التقني لثورة التواصل والإعلام الحديث، بقدر ما خلق تهديدات متنوعة أمام الحكومات والأفراد سواء في الدول المتقدمة أو النامية أو تلك التي في طور التكوين، لأنها تنطوي على حقوق للأفراد والمؤسسات والدولة بصفة عامة، فالبيانات الفردية، وسرية البيانات وأمن البيانات وقوانين ملكية البيانات ونشرها وإتاحتها والتحكم ببثها، كلها قضايا ذات دلالة استراتيجية على مختلف المستويات، في هذا التقرير واستنادا لدراسة أجرتها الباحثة مريم شومان حول الاحتلال الرقمي والقيود التي تفرضها مواقع التواصل الاجتماعي على حرية التعبير للمواطن، من خلال هذه الدراسة كان لنا الكثير من الأسئلة التي نريد الوصول إلى إجابات عنها لتفسير هذا الواقع الذي تفرضه مواقع التواصل الاجتماعي وفي مقدمتها "الفيسبوك" باعتباره المنصة الأبرز التي يعبر من خلالها الفلسطينيون عن آرائهم تجاه قضاياهم الرئيسة خاصة القضايا الساخنة، وكيف يمكن لهذه المنصة أن تؤيد الرواية الإسرائيلية على حساب الرواية الفلسطينية من خلال الكثير من القيود والمعايير التي تفرضها على الرأي الفلسطيني، الكثير من الأسئلة في هذا الإطار حاولنا الإجابة عليها من خلال لقاءات متخصصة مع خبراء ومختصين في هذا المجال، للوصول إلى إجابات مهنية ومحاولة إيجاد حلول في هذا الجانب. 
 
تصدير رواية الاحتلال على الرواية الفلسطينية،، هدف مشترك بين الاحتلال ومواقع التواصل
لأن الإقرار بالحقوق هو بوابة تحقيق الاستقلال والسيادة الفردية والمجتمعية، فإن الحقوق الرقمية امتداد لحقوق الإنسان، وهي حقوق معترف بها ومحمية بموجب القوانين والمعاهدات الدولية، فقد أقرت الأمم المتحدة ومجلس حقوق الإنسان عددا من القرارات التي تنص على أن "نفس الحقوق التي يتمتع بها الناس في العالم الواقعي، يتوجب حمايتها أيضًا على الإنترنت"، ويشمل هذا المصطلح الحق في حرية التعبير والحق في الخصوصية والحق في التحرر من الرقابة على الإنترنت والحق في الوصول للإنترنت، والحق في حماية البيانات، والحق في التجمّع السلميّ وتكوين الجمعيات والمشاركة، والحق في الحرية والأمان على الشخص، والحق في عدم التمييز، وكذلك الحق في الإجراء العادل، والحق في الحرية من الرقابة والحق في استخدام التشفير، وغيرها من الحقوق التي تتكامل مع حقوق الإنسان الأساسية.
في سؤال وجهناه للباحثة مريم شومان حول مفهوم "الاحتلال الرقمي"، تقول: "هو مجموعة من القيود التي تتم السيطرة من خلالها على الحيز الرقمي بما في ذلك البنى التحتية لقطاع التكنولوجيا والمعلومات، وأماكن تواجد موجهات الإنترنت والمقاسم الخاصة بالهواتف وعددها وقوتها، ونطاق الإشارات الخليوية، إضافة إلى تقييد القرارات التي تحدد التقنيات الجديدة المسموح بها وغير المسموح بها. بمعنى أنه مجموعة من الإجراءات والقيود التي تفرضها دولة الاحتلال بالتعاون مع شركات مواقع التواصل الاجتماعي على المساحات الرقمية الفلسطينية من أجل التحكم بالهامش المسموح فيه لممارسة الفلسطينيين أنشطتهم الرقمية من أجل تصدير رواية الاحتلال على الرواية الفلسطينية".
وتضيف: "لا يمكن الفصل بين الاحتلال على الأرض واحتلال الفضاء الرقمي الفلسطيني خاصة إذا ما عرفنا أن دولة الاحتلال تسيطر على الفضاء الرقمي وتتحكم به وتتحكم بالبنى التحتية المتعلقة بالاتصالات، وللعلم دولة الاحتلال إلى الآن تمنع خدمة الجيل الرابع في الضفة والجيل الثالث في قطاع غزة مع العلم أن العالم بدأ يستخدم الجيل الخامس للإنترنت، أيضا دولة الاحتلال ومن خلال اتفاقها المعلن والسري مع شركات التواصل الاجتماعي وبخاصة فيسبوك تخضع الفلسطينيين نشطاء وصحفيين ومواطنين للرقابة الدائمة تقوم بانتهاك خصوصيتهم، كما تعمل على اعتقال ناشطين ومستخدمين بسبب منشوراتهم على فيسبوك بدعوى أنها تحرض على العنف أو تنذر بتنفيذ عمليات بحسب زعم الاحتلال، بدورها تقوم فيسبوك بحذف وحجب منشورات وتعليقات وتغلق صفحات وحسابات إذا ما تضمنت صورًا وفيديوهات لتوثيق جرائم الاحتلال وانتهاكاته أو اشتملت على مصطلحات مثل "شهيد" ومقاومة" و"استشهاد" وأحداث الأقصى وغيرها من الكلمات التي تتعرف إليها خوارزميات فيسبوك فتقوم بالتالي بحجب أي منشور أو تعليق يشتمل على هذه الكلمات، وغيرها العديد من الإجراءات التي تتكامل فيما بينها بالاتفاق بين فيسبوك وسلطات الاحتلال تهدف في نهاية المطاف لحجب الحقيقة ومنع الأخبار والمعلومات التي تتعلق بالقضية الفلسطينية العادلة من الوصول للرأي العام العالمي لمعرفة دولة الاحتلال بأهمية دور مواقع التواصل الاجتماعي في نقل الأخبار والمعلومات وتوثيق جرائمها وانتهاكاتها بحق الشعب الفلسطيني، هذا الاتفاق والتعاون وانحياز فيسبوك لدولة الاحتلال إضافة لإجراءات دولة الاحتلال بناء على معطيات فيسبوك وسماح الأخيرة لدولة الاحتلال بانتهاك حق الخصوصية والسماح لخضوع تطبيقاتها إنستغرام وواتساب لرقابة سلطات الاحتلال وتجسسها على الفلسطيني يكرس ويجسد الاحتلال الرقمي تماما كالاحتلال الذي تمارسه على أرض الواقع مثل الحواجز  والتفتيش والاعتقالات المستمرة والقتل وهدم المنازل، وغيرها الكثير من انتهاكات وجرائم الاحتلال بحق الشعب الفلسطيني".
 
تمييز عنصري.. قيود على المحتوى الفلسطيني.. ولا قيود على الإسرائيلي
رغم التحديات والصعوبات إلا أن الشعب الفلسطيني يسعى لمواصلة استثمار التطورات التقنية بقدر ما تتاح له من إمكانات، ولعل ما تشير له بيانات الإحصاءات الرسمية وفق نتائج أصدرها جهاز الإحصاء الفلسطيني ووزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات  خلال الربع الأول من عام 2022 للدليل على أهمية الإنترنت في حياة الناس، حيث يتضح أن 91% من الأسر في فلسطين لديها أو لدى أحد أفرادها إمكانية النفاذ إلى خدمة الإنترنت في المنزل، بواقع 91% في الضفة الغربية، و90% في قطاع غزة، كما أظهرت النتائج عدم وجود فجوة كبيرة حول توفر خدمة الإنترنت لدى الأسر الفلسطينية في المنزل بين الحضر والريف حيث بلغت النسبة 80% في الحضر و81% في الريف، بينما بلغت 75% في المخيمات (الإحصاء الفلسطيني، 2020).
 
وحول تقييم لتأثير سياسات مواقع التواصل الاجتماعي وفي مقدمتها فيسبوك على المحتوى الرقمي الفلسطيني وعلى تقييد الحق بالتعبير عن الرأي خاصة في الأحداث الساخنة على الساحة الفلسطينية، يقول تحسين عليان/ مدير البرامج في مؤسسة "الحق": "تؤثر سياسات فيسبوك على حق الفلسطينيين في التعبير المكفول وفقًا للقانون الدولي لحقوق الإنسان بشكل مباشر، حيث إن القيود المفروضة على المحتوى الفلسطيني تكون في أغلبية الأحيان غير مبررة، وغير قانونية، ويتجلى هذا التأثير بشكل واضح من خلال وجود خوارزميات قادرة على رصد بعض الكلمات والعبارات التي تعتبرها إدارات وسائل التواصل الاجتماعي تحريضًا، وتزيلها في كثير من الأحيان وبشكل تعسفي، ما يؤثر على وصول الرواية الفلسطينية والصوت. في الوقت ذاته فإن هذه السياسات لا تفرض ذات القيود على المحتوى الإسرائيلي بشكل تمييزي فاضح. فما يعتبر تحريضًا عند صدوره عن فلسطيني لا يعتبر كذلك عند صدوره عن إسرائيلي، حتى وإن كان يصنف تحريضًا على القتل، أو ضمن خطاب الكراهية المحرم وفقا للقانون الدولي لحقوق الإنسان، إضافة لمعايير وشروط الاستخدام التي تضعها فيسبوك نفسها، ويمكن أن نثبت ذلك بوقائع كثيرة، حرض فيها إسرائيليون على فلسطينيين ولم تعتبر إدارة فيسبوك ذلك تحريضًا أو حتى مخالفًا لمعايير وشروط الاستخدام، في الوقت الذي يتم فيه حذف أي إشارة لحق الفلسطيني في مقاومة الاحتلال بشكل قانوني".   
وحول دوافع فيسبوك في تطبيق معايير محددة تجاه المحتوى الرقمي الفلسطيني، يقول عليان: "يتمثل الهدف أو الدافع الأساسي للقيود المفروضة على المحتوى الفلسطيني في طمس الرواية الفلسطينية، وتعزيز الرواية الإسرائيلية التي تتماهى من حيث مضمونها وأهدافها مع التوجهات الاستعمارية للغرب الذي يسيطر على وسائل الإعلام الإلكترونية. لا تريد إدارات وسائل التواصل الاجتماعي للصوت الفلسطيني أن يصل لشرائح واسعة في العالم تستخدم هذه الوسائل، ذلك أن وصول الصوت الفلسطيني والرواية الفلسطينية للجيل الشاب في العالم يفضح السياسات الاستعمارية الإسرائيلية والغربية بشكل عام، ويخفف من تأثير سياسة "الأخ الكبير" (big brother)،  التي تسعى الكثير من الدول لتعزيزها، بهدف السيطرة على التفكير، وخلق حالة من الخوف الدائم تمنع جهود البحث عن المعرفة وتعزز من ممارسة الرقابة الذاتية".   
 
السياسات الإسرائيلية تقيد بعض المحتوى الفلسطيني، لكنها لا تستطيع إخفاءه أو طمسه
وما يزيد من أهمية موضوع الإنترنت والحقوق الرقمية للحياة في الواقع الفلسطيني سواء على المستوى الرسمي أو المواطن بشكل خاص، أن المعلومات الرسمية وحسب المصدر السابق تشير إلى أن حوالي 73% من الأفراد (10 سنوات فأكثر) في فلسطين من الذين استخدموا الحاسوب يمتلكون المهارات الأساسية مثل نسخ الملفات أو المجلدات أو استخدام أدوات النسخ واللصق وإرسال رسائل البريد الإلكتروني، و46% من الأفراد (10 سنوات فأكثر) من الذين استخدموا الحاسوب لديهم المهارات القياسية مثل تثبيت البرمجيات أو تشكيلها أو استخدام الصيغ الحسابية على جداول البيانات.
ومن هنا وجهنا سؤالا للدكتور معين الكوع/ أستاذ الإعلام الرقمي والاتصال الاستراتيجي في عدة جامعات فلسطينية، حول أثر الهيمنة المعلوماتية الإسرائيلية على هندسة الفضاء الرقمي الفلسطيني كفضاء خاضع للمحددات الإسرائيلية، وهنا يجيب: "الهيمنة المعلوماتية الإسرائيلية تتمثل في أحد أشكالها بمنع الفلسطينيين من حقهم في الحصول على ترددات الأجيال الحديثة مثل 4G، و5G، وبالتالي تحديد سرعة الإنترنت وجودته، وبالتالي اللجوء إلى الاعتماد على الشرائح الإسرائيلية للحصول على مثل هذه الخدمة التي قد يحتاجها الصحفيون على سبيل المثال للبث بجودة عالية في مناطق المواجهات، وهذا له أثر كبير على سبيل المثال على استحواذ الشركات الإسرائيلية على سوق تكنولوجيا المعلومات والاتصالات الفلسطيني. وكذلك تعمل الهيمنة الإسرائيلية على تحديد الأجهزة التكنولوجية المتخصصة، وعملية دخولها إلى الأراضي الفلسطينية، ومن هذه الأجهزة والمعدات ما هو ضروري لتطوير قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات الفلسطيني، وهذا كان له أثر كبير على موقع فلسطين عالمياً في مجال تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، حيث تحتل المرتبة 123، وكذلك كان له أثر في محدودية مساهمة هذا القطاع في الناتج المحلي الفلسطيني، وبالتالي التأثير على تراجع مؤشر التنمية في فلسطين. وبالتالي يمكن القول إن فرض القيود على استيراد تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، يزيد من الهيمنة المعلوماتية الإسرائيلية على هندسة الفضاء الرقمي الفلسطيني، وهذا بدوره يعمق علاقة الاعتماد والتبعية التكنولوجية لدولة الاحتلال، والخضوع لشروط الاتفاقات غير العادلة، وتحويل التبعية القسرية إلى تبعية بالتعاقد، ما يؤدي إلى تقييد قدرة فلسطين على التطوير والابتكار الرقمي. ومن آثار الهيمنة المعلوماتية الإسرائيلية على هندسة الفضاء الرقمي الفلسطيني هو إتاحة ترددات ذات نطاق صغير وضيق؛ وهذا يحدّ من قدرة الشركات الفلسطينية على استيعاب عدد أكبر من المشتركين، وهو ما يعرف بتقييد استخدام الطيف الكهرومغناطيسي".
 
وفي تساؤل آخر وجهناه للدكتور الكوع حول إمكانية تهديد العالم الافتراضي الفلسطيني بالاختفاء نتيجة السياسات الإسرائيلية والمتمثلة في مراقبة المحتوى الفلسطيني الرقمي والترهيب للفلسطينيين بسبب رسائلهم عبر الفضاء الافتراضي، يوضح "لا أعتقد ذلك. قد تعمل السياسات الإسرائيلية على تقييد بعض المحتوى الفلسطيني، لكنها لا تستطيع إخفاءه أو طمسه، لأن هناك العديد من الطرق للتحايل على الخوارزميات التي تستخدم بالمراقبة، مثل كتابة الكلمات بأحرف متفرقة، أو دون نقاط، أو كتابة بعض الحروف بالكلمة بالإنجليزية مثل كلمة شhيد، أو بإضافة فواصل بينها، مثل المقا_ومة، أو كتابة النص على شكل صورة لا تستطيع الخوارزميات التقاطها". 
ويتابع: "أما بخصوص عملية ترهيب الفلسطينيين، فقد بينت دراسة أجريتها مؤخراً بعنوان: "الحقوق الرقمية الفلسطينية بين سندان شركات التواصل الاجتماعي ومطرقة الاحتلال: مدى تأثير سياسات شركات التواصل الاجتماعي وانتهاكات الاحتلال الإسرائيلي على الحقوق الرقمية الفلسطينية" أن ما نسبته 100% من المبحوثين أبدوا قلقهم وريبتهم إزاء اتصالاتهم عبر الإنترنت، ما يؤثر بشكل أو بآخر على حريتهم في التعبير والحق في الخصوصية، وأن استخدام دولة الاحتلال وسائل المراقبة التكنولوجية لرصد الأشخاص وما يقومون به على شبكة الإنترنت وخارجها أدى إلى خوف النشطاء الفلسطينيين من أن يتم التعرف عليهم واضطهادهم، وهو ما يهدد صراحة حرية التعبير والتجمع. وعلى الرغم من ذلك أرى شخصياً أن هذه الممارسات لا يمكنها أن تنهي المحتوى الفلسطيني. نعم يمكن أن تهدده لكن بعض شبكات التواصل الاجتماعي التي لا تخضع للرقابة الإسرائيلية أو الأميركية مثل Tik Tok قد تشكل بديلاً لنشر المحتوى الفلسطيني".
هل الاعتراف "بدولة فلسطين الرقمية" أو "السيادة الرقمية الفلسطينية"، وذلك عن طريق اعتراف شركات وسائل التواصل بقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة لعام 2012 الذي يعترف بدولة فلسطين المستقلة، يمكن أن يحد من الهيمنة والتهديد الإسرائيلي للفضاء الرقمي الفلسطيني، ويؤكد الكوع  "لا أعتقد ذلك لأن هيمنة دولة الاحتلال وتهديده للفضاء الرقمي الفلسطيني يتمثلان في تفوق دولة الاحتلال في المجال التكنولوجي واستحداثها الدائم لأدوات وبرامج المراقبة الجماعية. فدولة الاحتلال تمتلك قاعدة Urim وهي واحدة من أكبر قواعد استخبارات الإشارات في العالم، والمحطة الوحيدة ذات الحجم المماثل هي منشأة أميركية في مينويث هيل في يوركشاير، المملكة المتحدة. تأسست قاعدة Urim منذ عقود لمراقبة أقمار Intelsat التي تنقل المكالمات الهاتفية بين البلدان، وتوسعت لتشمل الاتصالات البحرية (Inmarsat)، ثم سرعان ما استهدفت عددًا أكبر من الأقمار الصناعية الإقليمية. تشبه هذه المحطة المحطات الأرضية التي تستخدم لاعتراض الأقمار الصناعية Echelon، وهي شبكة من محطات الاعتراض حول العالم، تم إنشاؤها في عام 1996 من قبل الولايات المتحدة وبريطانيا وكندا وأستراليا ونيوزيلندا. وتعتبر محطة أوريم أهم منشأة لجمع المعلومات الاستخبارية في دولة الاحتلال وتتواجد في صحراء النقب على بعد حوالي 30 كم من سجن بئر السبع، حيث تحتوي على صفوف من أطباق الأقمار الصناعية التي تعترض سرًا المكالمات الهاتفية ورسائل البريد الإلكتروني وغيرها من الاتصالات من الشرق الأوسط وأوروبا وأفريقيا وآسيا، حيث تراقب هوائياتها السفن أيضًا، وكانت تتجسس على سفن الإغاثة التي توجهت إلى قطاع غزة في الأيام التي سبقت الاستيلاء عليها. تقوم هذه المنشأة ببرمجة أجهزة الكمبيوتر لكشف الكلمات وأرقام الهواتف ذات الأهمية، من المكالمات الهاتفية المعترضة ورسائل البريد الإلكتروني وغيرها، ثم نقلها إلى الوحدة 8200 - مقر استخبارات الإشارات الإسرائيلية - في مدينة هرتسيليا شمال تل أبيب، حيث تتم ترجمتها ونقلها إلى وكالات أخرى، بما في ذلك الجيش والموساد. تستهدف قاعدة أوريم العديد من الدول، الصديقة وغير الصديقة، ويقوم طاقمها بترجمة المكالمات ورسائل البريد الإلكتروني التي يتم اعتراضها من الإنجليزية والفرنسية إلى العبرية. كما تعد قاعدة أوريم مركز تجسس تقوم بالتنصت على الكابلات البحرية (لا سيما كابلات البحر الأبيض المتوسط التي تربط دولة الاحتلال بأوروبا عبر صقلية) ولديها مراكز استماع سرية في مباني السفارة الإسرائيلية في الخارج. تمتلك الوحدة 8200، التي هي رسميًا جزءٌ من الجيش الإسرائيلي، وحدات مراقبة سرية داخل الأراضي الفلسطينية وتستخدم طائرات غلف ستريم النفاثة المجهزة كطائرات استخباراتية للإشارات".
 
 
الاحتلال يقوض أسس السيادة الرقمية الفلسطينية
هذه المؤشرات تصطدم بواقع صعب، ففي الوقت الذي شهدت فيه مختلف دول العالم ثورة تقنية متسارعة، وانتقلت قدراتها من جيل إلى جيل أكثر حداثة من حيث نطاقات وخدمات الاتصال والتواصل، إلا أن المستخدم لهذه التقنيات في الواقع الفلسطيني ما زال يتعرض لحواجز تعيقه من الوصول للإنترنت مقارنة بما وصلت إليه الدول المجاورة، لأن البنية التحتية للإنترنت في الضفة الغربية وقطاع غزة ترتبط بشكل مباشر بالبنية التحتية الإسرائيلية، ما يمكن إسرائيل من السيطرة على طيف الترددات وتتحكم بالمنافذ الدولية للاتصالات، كما فرضت على الشركات الفلسطينية الاتصال بالخارج عبر الشبكات الإسرائيلية، كما فرضت قيودًا على بناء الشبكات الفلسطينية في منطقة "ج"، وفرضت على الشركات التواصل فيما بينها من خلال استئجار سعات من المشغلين الإسرائيليين، بالإضافة إلى منح الشركات الإسرائيلية الحق في بناء وتشغيل شبكات الاتصال في مدينة القدس الشرقية ومنع وصول الشبكات الفلسطينية إليها .
وبالتالي هل هناك تمييز بين سياسات فيسبوك فيما يخص المحتوى الرقمي الفلسطيني ونظيره الإسرائيلي؟ وما هو الأثر الذي تركه على وصول الرواية الفلسطينية للعالم، يقول عبد اللطيف نجم/ خبير في الإعلام الرقمي: "بالتأكيد يوجد، وبداية لا بد أن نشير إلى بدايات الحرب الرقمية وتحديداً من شركة "ميتا" التي كانت تحمل اسم فيسبوك فيما مضى، وهي بالمناسبة ليست وليدة الساعة، أو حديثة، نحن نتحدث عن حرب بدأ تتضح خلال عام 2016، وظلت تتصاعد حتى اليوم".
 
ويضيف: "منذ ذلك الحين وهناك اتفاقيات معلنة بين الاحتلال والشركة، على إثرها نفذت حملات كبيرة بحق المحتوى الفلسطيني، وباستمرار تشتد ضراوة هذه الإجراءات مع كل حدث جديد على الساحة، مثل اقتحامات المسجد الأقصى، أو الحرب على غزة، أو أحداث الشيخ جراح،..إلخ وغيرها، كما تشير الدراسات إلى خطاب كراهية صريح، ودعوة للعنف أو القتل بحق الفلسطينيين من الجانب الإسرائيلي كل 70 ثانية، ومع ذلك لا نسمع بأن المحتوى الرقمي الإسرائيلي يتعرض لعُشر ما يتعرض له المحتوى الفلسطيني؛ بل بالكاد نسمع حتى عن حسابات إسرائيلية تم إغلاقها أو حتى معاقبها على خلفية التحريض على الفلسطينيين".
"قبل سنوات نشرت الوزيرة في حكومة الاحتلال "آييليت شاكيد" منشوراً دعت من خلاله لحرق الأمهات الفلسطينيات،.. لم يغلق حسابها، لم يتم تجميده أو منعها من النشر، أو توجيه أي عقوبة رقمية لها، وحتى لم يحذف المنشور أو يحظر، وهنا نستطيع القول إن الدبلوماسية الرقمية الإسرائيلية وبالرغم من بطلان وزيف رواية الاحتلال تعمل بشكل أفضل من الدبلوماسية الرقمية الفلسطينية، والتفاصيل حول هذا كثيرة" يقول نجم . 
ويضيف "المحتوى الرقمي الفلسطيني يتعرض اليوم لحالة من القمع الممنهج، وحالة من الحصار غير المسبوق، ما معنى أن يتم إغلاق صفحات إخبارية كبيرة لمجرد أنها تتداول أسماء الشهداء؟ أو تقوم بتغطية الأحداث في القدس المحتلة وغيرها؛ بينما هي تقوم بعملها لا أكثر؟ أما إن توجهنا للحسابات الشخصية الفلسطينية فنحن أمام حالات تعقيد مركبة، وحالات قمع رقمي لا يمكن تبريرها أو حتى تفسيرها في كثير من الأحيان".
 
الاحتلال الرقمي هو الوجه الإلكتروني لاحتلال الأرض
لا تقل خطورة الاحتلال الرقمي وتبديد المحتوى الأصيل وطمس الحقيقة عن أية إجراءات قمعية أو تعسفية مهما كانت دوافعها أو أطرافها، لأن الاحتلال الرقمي يعني سيطرة الاحتلال على الحيز الرقمي الفلسطيني؛ عبر السيطرة على البنى التحتية لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات، ومنع إنشاء أو تجديد بنى تحتية في مناطق الضفة الغربية والمناطق المصنفة (ج)، ومنع تطوير شبكة مستقلة أو ترددات وتكنولوجيات حديثة، وإعاقة استيراد معدات التقنيات الأساسية، بحسب تقرير حقوقي كشف حيثيات هذه السيطرة، إضافة إلى أن سوق تكنولوجيا المعلومات والاتصالات الفلسطينية جميع تحركاتها مرهونة بموافقة الاحتلال الذي يسعى إلى خلق فجوة رقمية بين المتاح عالميا والمسموح به في فلسطين، كما تشمل سيطرة الاحتلال أيضا مراقبة مضامين الإنترنت، هذه الرقابة الأمنية تؤثر على الحقوق الرقمية بما يتناقض مع المواثيق والقوانين الدولية في الحق في الاتصال، والحق في الإنترنت الآمن، والحق في التعبير عن الرأي، والحق في الحصول على المعلومات والحق في عدم التمييز، وغيرها من الحقوق الرقمية (حسب دراسة الباحثة مريم شومان).
 
وهنا طرحنا سؤالا على مستشار الاستراتيجيات الرقمية في الهيئة الأميركية للإعلام الدولي عبد الرحيم عبدالله، حول مدى تأثير سياسات فيسبوك التي تفرضها على المحتوى الرقمي الفلسطيني في تقييد حصول الجمهور الخارجي على المعلومات المتعلقة بالقضية الفلسطينية؟ أجاب: "نعم، التأثير موجود وحقيقي، فالجمهور في أغلبه الآن لا يسعى وراء المعلومة، بل هي تأتيه بناء على ترشيحات خوارزميات شبكات التواصل. فخوارزميات فيسبوك (لا أعرف إذا كان من الدقيق وصفها بسياسات)، هذه الخوارزميات هي قناة إجبارية تمرر وتحجب تدفق المعلومة هذا يفرض على الفلسطيني أن يصمم رسائله الإعلامية ويصوغها بطريقة واعية بنمط استهلاك المعلومات هذا ومحدداته".
ويضيف: "في بدايات الإعلام الرقمي، حين كان الإنترنت فضاء مفتوحا ويشتغل بتقنيات ويب ١ والعلاقة بين المرسل والمستقبل خطية وواضحة، كان المتلقي يقوم بفعل قصدي لكي يتلقى المعلومة، أي يذهب لموقع إلكتروني يختاره هو ويختار ماذا يتصفح فيه،  أما الآن فالإنترنت في أغلبه هو عبارة عن جزر أو فقاعات أو مجتمعات مغلقة، والتدفق المعلوماتي الضخم من الأعضاء (المستهلكين للمعلومة تقليديا) والناشرين، هذا التدفق كان لا بد من طريقة لتنظيمه وضبطه، بحيث استخدامك لفيسبوك لساعة يوميا مثلا يعني أن بمقدورك استهلاك عدد محدد من المعلومات، لكن أصدقاءك والصفحات والمجموعات تبث أضعاف قدرتك على الاستهلاك، وهنا دور الخوارزميات في اتخاذ قرار لك ماذا تشاهد أو تقرأ".
 
هل يمكن أن نقول: إن العالم الافتراضي الفلسطيني بات مهددا بالاختفاء نتيجة السياسات الإسرائيلية والمتمثلة في مراقبة المحتوى الفلسطيني الرقمي والترهيب للفلسطينيين بسبب رسائلهم عبر الفضاء الافتراضي؟
يقول عبد الرحيم: "أعتقد أن هذا خطر غير موجود لا في العالم الرقمي ولا الحقيقي. الفلسطينيون متمرسون في التأقلم وفي قولبة نضالهم حسب معطيات الواقع سواء الرقمي أو الحقيقي لكي تظل قضيتهم حية ومظلوميتهم غير منسية. عربيا وحتى دوليا الفلسطينيون خبراء في النضال الرقمي رغم كل هذه التحديات وحققوا نجاحات، لكن هناك مشاكل ومشاكل كثيرة. من المفيد أن نعرف أننا الطرف الأضعف بحسابات القوة في الفضاءين الواقعي والرقمي وألا نخجل من هذه المروية وهذه الحقيقة. من المهم أن نعرف ضعفنا هذا وكيف نستخدمه. شركات التكنولوجيا الرقمية تخضع لقوانين منحازة ضد الفلسطينيين، وهذه الشركات لن تخاطر بمشاكل قانونية من أجل خاطر الفلسطيني". 
"كيف نواجه ذلك، في رأيي هذه أولوية وطنية أيضا، في تربيتنا الوطنية ومدارسنا وجامعاتنا من المهم أن يتم تدريس الانضباط الرقمي، فالكثير من مشاكلنا سببها نحن. كثير مما نبثه وننشره هو فشة خلق وحديث غاضب ومستفز ويفترض أننا مركز العالم. هذا غيض من فيض. التركيز على تكنولوجيا الإعلام ليس بأهمية ضبط وتطوير ومأسسة الخطاب الفلسطيني الرقمي. يجب أن تكون لنا رواية فعالة"، يقول عبد الرحيم .
 
 حول سبب انحياز شركات التواصل الاجتماعي خاصة الفيسبوك للجانب الإسرائيلي في عملية إسكات الأصوات الفلسطينية في العالم الافتراضي، وهل هناك تساوق لسياسات الفيسبوك مع أجندة الاحتلال؟، يوضح عبد الرحيم:"بصراحة الطرح الشائع فلسطينيا في هذا الخصوص تبسيطي وضار وعائق أمام الفهم وأمام تجاوز هذه المشاكل. لا أحب استخدام مصطلحات تساوق ولا حتى إسكات، أحب أن نتصرف كشعب له هدف ويعرف كيف يقوم بجهد منظم ومنضبط لتحقيق هذا الهدف. المظلومية الرقمية حقيقة، لكنها ليست نتيجة لمؤامرة واضحة وأوامر من أحد لأحد. الفلسطينيون ضحايا لمئة عام من الجهد الاستعماري المنظم والوحشي هذا صحيح. لكن حظ الفلسطيني أن عدوه هو أقلية تعرضت لأبشع المجازر النازية في القرن العشرين. أصعب شيء أن تكون ضحية الضحية. وهذه الضحية الأوروبية، التي هي عدوك، وأنت ضحيتها، وجد العالم أنه لا بد من حمايتها بوضع قوانين وضوابط في الثقافة الشعبية والرسمية لكي لا تتكرر الأحداث العنصرية ضدها، قدر الفلسطيني أنه ضحية الضحية وأن الضحية الأولى تستخدم ذخيرة قانونية وثقافية لحماية نفسها من ضحيتها هي!!".
 
ويتابع "الخصوصية اليهودية خلقت الخصوصية الفلسطينية في تعامل شركات التكنولوجيا مع الخطاب الفلسطيني. وهذا وضع غير مسبوق في العالم كله، فشركات التكنولوجيا تجد نفسها أمام بيئة قانونية وثقافية تجبرها على اتخاذ سياسات ضارة بالفلسطيني. كفلسطينيين، يجب أن نجتهد في محاولة تغيير هذا، لكنها ستكون معركة صعبة ويجب أن يكون لنا فيها حلفاء لكن يجب ألا نقع ضحية تصورات ضارة مثل نظريات المؤامرة أو بافتراض أن الرقمي منعزل عن الواقعي. في النهاية، المعضلة التي واجهت الفلسطينيين منذ مئة عام، وهي خصوصية وضعهم النابعة من خصوصية عدوهم، هذه المعضلة تلاحقهم في العالم الرقمي أيضًا". 
الحل في رأيي هنا ليس رقميا أبدا بل قانوني وسياسي وعلى مستوى الخطاب.. مرة أخرى نحن الطرف الضعيف بحسابات القوة. والضعيف معرض لأن يشعر بالإحباط لأن الحسابات قاسية، ومعرض أيضا لئلا يرى تعقيدات الصورة وحقيقتها، لكن لا بديل من رؤية الأشياء بطريقة واضحة وبناء استراتيجية وطنية رقمية بناء على هذا الفهم الدقيق للواقع وعناصر القوة والضعف فيه، والمواصلة رغم صعوبة المعركة.
 
عدم استقلال البنية التقنية للإنترنت الفلسطيني يمنعها من تحقيق شمولية السيادة الرقمية
تحقيق الفصل التقني لبنية الإنترنت والاتصالات بشكل عام خطوة مهمة لتحقيق السيادة الرقمية بشكل عام، وعلى أرض الواقع  ترتبط البنية التحتية للإنترنت في الضفة الغربية وقطاع غزة بشكل مباشر بالبنية التحتية الإسرائيلية وبالتالي تتحكم بالمنافذ الدولية للاتصالات، كما فرضت على الشركات الفلسطينية الاتصال بالعالم الخارجي عبر الشركات الإسرائيلية، وفرضت قيودا على بناء الشبكات الفلسطينية في المناطق المصنفة (ج)، وفرضت أيضا على الشركات التواصل فيما بينها من خلال استئجار سعات من المشغلين الإسرائيليين، بالإضافة إلى منح الشركات الإسرائيلية الحق في بناء وتشغيل شبكات الاتصال في القدس الشرقية ومنع الشبكات الفلسطينية من الوصول إليها .
والى جانب ذلك هناك قيود أخرى يفرضها وجود الاحتلال الإسرائيلي تمنع المشغل الفلسطيني من بناء وصيانة البنية التحتية والمعدات في المناطق المصنفة (ج) حيث تشكل هذه المناطق أكثر من 60% من مساحة الضفة الغربية، ولا تستطيع الشركات الفلسطينية بناء أبراج موجات ذات تردد منخفض في مناطق (ج)، ونتيجة لذلك لا يغطي بث أجهزة الإرسال الفلسطينية كافة المدن الفلسطينية بسبب القيود المفروضة على تطوير البنى التحتية ما يضطر المستخدم الفلسطيني للتجوال على الشبكات الإسرائيلية ما يعني عدم قدرة المشغل الفلسطيني على تزويد نحو 100 ألف مواطن مقيم في المناطق المصنفة (ج)، أما في القدس الشرقية فإن شبكات الاتصال الفلسطينية محظورة بشكل تام من الحصول على تغطية أو وجود نقاط بيع للخدمة (وفق دراسة الباحثة مريم شومان).
 
انحياز وسائل التواصل الاجتماعي يعكس انتهاكها للسيادة الرقمية الفلسطينية
ومع اتساع ثورة البيانات والمعلومات وانتشار وسائل التواصل الاعلامية والاجتماعية عالميا، واكب المجتمع الفلسطيني هذه المتغيرات رغم قساوة الظروف وصعوبة التحديات والمعيقات، ورغم ذلك شهدت السنوات الأخيرة، تزايد عدد النشطاء الفلسطينيين الذين يشكون من منصات التواصل الاجتماعي المهيمنة وعلى رأسها فيسبوك بسبب قمعها حريتهم في التعبير، وتم توثيق أكثر من 1200 انتهاك ضد المحتوى الرقمي الفلسطيني خلال عام 2020 بزيادة وصلت إلى 20% عن عام 2019، جاءت في مقدمتها شركة فيسبوك بأكثر من 800 انتهاك كحظر النشر والبث المباشر، وإغلاق وحذف حسابات وصفحات، مع التضييق في الوصول والمتابعة وقيود على النشر، وتؤكد هذه المعطيات تصاعـد دور الخوارزميات فـي ملاحقة المحتوى الفلسطيني وحجبه ومنع الوصول إليه على الشبكة. كما بلغ مجمل الانتهاكات التي وثقها مركز "حملة" خلال عام 2021 نحو 1033 انتهاكا؛ وبلغ عدد الانتهاكات التي مارسها فيسبوك ضد المحتوى الفلسطيني 585 انتهاكا ما نسبته 57% من انتهاكات مواقع التواصل الاجتماعي الأخرى.
 
ويؤكد د. معين الكوع: "أعتقد أن السبب الرئيسي في سبب انحياز شركات التواصل الاجتماعي للجانب الإسرائيلي في عملية إسكات الأصوات الفلسطينية في العالم الافتراضي هو حملات الضغط التي تقوم بها دولة الاحتلال على هذه الشركات، والتنسيق المستمر معها واللقاءات المستمرة مع إداراتها؛ من هذه اللقاءات المتعددة ما كان بين مسؤولين في شبكات التواصل الاجتماعي، وممثلين عن وحدة السايبر في دولة الاحتلال، ووزراء، وأعضاء كنيست مثل عضو الكنيست المعارض Revital Swid من الاتحاد الصهيوني، الذي قدم تشريعات من شأنها إجبار الشبكات الاجتماعية على المراقبة الذاتية أو مواجهة غرامة". 
 
 
منصات التواصل الاجتماعي تتحول لشريك في التضييق على الفضاء الإلكتروني الفلسطيني
شهدت الأحداث الأخيرة وخاصة بعد اندلاع المواجهات لمنع ترحيل أهالي الشيخ جراح حالة واسعة من التضامن وفي الوقت نفسه محاولات لإطلاق حملات لإخفاء المحتوى الرقمي الفلسطيني كظاهرة جديدة على هذا المستوى من العلانية، فما إن بدأت أحداث الشيخ جراح عام 2021، حيث حجبت منصات مواقع التواصل الاجتماعي وعلى رأسها فيسبوك وإنستغرام وتويتر صفحات العشرات من النشطاء والصحفيين والمستخدمين على خلفية نقل الأحداث لحظة وقوعها، وتوثيق اعتداءات جنود الاحتلال على المدنيين الفلسطينيين في مدينة القدس المحتلة وغيرها من إجراءات قمعية وخاصة الاعتداء على الفتيات والشبان والأطفال من الفلسطينيين أو المتضامنين معهم أمام عدسات الصحفيين والقنوات الفضائية في كافة أحياء مدينة القدس المحتلة.
 
وتوضح الباحثة مريم شومان: "ساهمت سياسات فيسبوك في تحديد أجندة الجمهور المتلقي وعملت على ترتيب أولوياته من خلال مجموعة إجراءات أهمها تقليل الوصول للصفحات والحسابات الفلسطينية، وتقديم المحتوى الترفيهي على المحتوى الإخباري الهادف لتوثيق انتهاكات دولة الاحتلال في مدينة القدس المحتلة ولاحقا في قطاع غزة".
وتؤكد "أن موقع فيسبوك تساوق مع أجندة دولة الاحتلال عبر قيامه بإزالة وحذف الحسابات والمنشورات والتعليقات وغيرها من أشكال التقييد بحق المحتوى الرقمي الفلسطيني، وبالمقابل عدم قيام فيسبوك بأي إجراء مماثل بحق المحتوى الرقمي الإسرائيلي، فقد حاولت سياسات فيسبوك التضييق على المحتوى الفلسطيني سعيا لتسويق الرواية الإسرائيلية وطمس الرواية الفلسطينية، لكن مقدار التضامن والتعاطف الدوليين ولجوء الفلسطينيين لابتكار طرق للتحايل على خوارزميات فيسبوك ولجوئهم لاستخدام مواقع تواصل اجتماعية أخرى منافسة كان له أثر إيجابي لوصول الرواية الفلسطينية للعالم الخارجي".
 
بعض منصات التواصل شريك للاحتلال في انتهاك الحقوق الرقمية الفلسطينية
كشفت الأحداث وخاصة في مدينة القدس وما تبعها، الشراكة الكاملة لبعض وسائل التواصل مع أجهزة الاحتلال التي تعمل ليل نهار على طمس الرواية الفلسطينية لأي حدث، وكشفت تعاونها لإيصال رواية مشوهة للمتلقين في دول العالم، فقد حظرت المنصات بعض "الهاشتاغات" التي تحمل اسم الأقصى وحي الشيخ جرّاح، وأزالتها من مقاطع الفيديو التي تُظهر انتهاكات الاحتلال ومستوطنيه خلال المواجهات مع المقدسيين، بحجة التحريض على الكراهية، وبموازاة ذلك، قامت فيسبوك بحذف منشورات وتعليقات وحظر حسابات لناشطين وصحفيين ومستخدمين انتقدت العدوان الأخير على قطاع غزة، وصفتها بأنها تحرض على "خطاب الكراهية"، ولكشف زيف هذه الادعاءات يمكننا مقارنة هذه المواقف والادعاءات والسياسات التي قامت بها هذه الشركات، مع مواقفه الآن مما يدور بين روسيا وأوكرانيا،  والتي تعكس اللامهنية في التعامل مع الأحداث والكيل بأكثر من مكيال وفقاً للمصلحة والضغوط والدور السياسي الذي تلعبه هذه الوسائل. 
 
مصالح شركات التواصل تمنعها من احترام المحتوى الفلسطيني
ويشير الخبراء والمتابعون إلى أن لدى شركات التواصل ومنها فيسبوك أسبابًا سياسية واقتصادية وقانونية تدفعها لمحاصرة المحتوى الفلسطيني وتقييده أبرزها العلاقات السياسية والمصالح الاقتصادية التي تربط بين فيسبوك كشركة أميركية ربحية ودولة الاحتلال، إضافة لتبنيها القوانين الأميركية التي تجرم ما تعتبره من وجهة نظرها إرهابًا وتحريضًا على العنف وهو ما حاولت تطبيقه على المحتوى الفلسطيني.
 
ومع تواصل الضغوط وضعف مهنية مواقع التواصل في أمثلة كثيرة، فإن المحتوى الرقمي الفلسطيني مهدد بالتغييب ما لم تتحرك الجهات ذات الاختصاص الرسمية والأهلية محليا وإقليميا المهتمة والمسؤولة عن قضايا حقوق الدول والأفراد في الجانب الرقمي، لأن التراخي في هذا الملف يهدد التواجد الرقمي وتغييب الرواية الفلسطينية لصالح رواية الاحتلال المضللة التي يسعى ليل نهار لتسويقها للعالم عبر مساندة من مواقع التواصل الحليفة ومنها موقع فيسبوك ومواقع التواصل الاجتماعي الأخرى إضافة لاهتمام دولة الاحتلال بالفضاء الرقمي كساحة مهمة وجديدة لنقل الصراع مع الفلسطينيين إليه.
 
فيسبوك الأكثر استخدامًا في فلسطين
رغم كافة الانتقادات لسياسات وإجراءات موقع ‬فيسبوك إلا أنها تبقى ‬المنصة ‬الأكثر ‬حضوراً ‬بين ‬الفلسطينيين في ‬وسائل ‬التواصل ‬الاجتماعي، ‬حيث ‬وصلت ‬نسبة ‬المشتركين ‬في ‬الموقع ‬إلى ‬95.16% من ‬مشتركي ‬الإنترنت ‬في ‬الضفة ‬الغربية ‬وقطاع ‬غزة ‬والداخل ‬الفلسطيني ‬المحتل خلال عام 2021 وفق دراسة الباحثة شومان، الأمر الذي يجعل من سياسات وقرارات فيسبوك ذات أهمية للسيادة الرقمية الفلسطينية وعلى الجمهور مباشرة، لأنها ترتبط بقدرة الفلسطينيين على ممارسة حقوقهم على الإنترنت خاصة حرية التعبير عن الرأي والوصول إلى المعلومات ونشرها والحق في التواصل وغيرها من الحقوق الرقمية ما أثّر سلباً على المواطن والمجتمع الفلسطيني ككل، بحيث أن فيسبوك هو المنصة التي يعتمد عليها الفلسطينيون كوسيلة للمطالبة بحماية حقوق الإنسان الخاصة بهم. ‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬‬
 
ومن هنا كان سؤالنا ما هي الحلول التي يمكن أن تلعب دورًا في عملية حماية المحتوى الرقمي الفلسطيني، وحماية الرواية الفلسطينية من محاولات دولة الاحتلال طمسها وإحلال روايتها الزائفة عبر مواقع التواصل وأهمها الفيسبوك؟ يقول عبد اللطيف نجم: "للأسف، الحلول محدودة، نحن في مواجهة منصات منحازة بصورة كبيرة للاحتلال، وبعضها منحاز بشكل مطلق وبصورة سافرة، وبالمناسبة لا تتفرد "ميتا" (لأن كل منصاتها تحارب المحتوى الرقمي الفلسطيني) بهذه الحرب الرقمية على المحتوى الرقمي الفلسطيني، فالمنصات الأخرى مثل تيك توك، وتويتر، ويوتيوب وغيرها لها ممارسات لا تقل سوءاً وإن كانت ميتا الأكثر فجاجة بينها".
ويتابع: "كخبراء ومتابعين نرى ضرورة أن يكون هناك تحرك رسمي باتجاه هذه المنصات، والمبادرة لعقد اجتماعات متتالية معها، وفتح قنوات تواصل، كما نرى أن ينخرط الجانب الرسمي مع النشطاء والمؤسسات الأهلية في دعم جهود الحملات الرقمي في حال تنفيذها، حتى تشعر هذه المنصات أنها في مواجهة المجتمع بأسره وليس النشطاء فقط. من الضروري أن يتحرك كل في موقعه، وأن يقوم كل بدوره".
 
في الإطار نفسه يقول د. محمد أبو الرب أستاذ الإعلام الرقمي في جامعة بيرزيت: "إن حماية الحقوق الرقمية الفلسطينية بحاجة لتوثيق هذه الانتهاكات والتشبيك مع المنظمات الحقوقية الدولية للضغط على هذه المنصات ورفع القضايا الدولية". 
أما الباحثة مريم شومان فترى أن من أبرز الحلول في هذا الشأن هو "فتح باب الحوار مع موقع فيسبوك من أجل تعديل الخوارزميات للحيلولة دون تصنيف المحتوى الفلسطيني على أنه يحرض على العنف والإرهاب وبأنه يندرج تحت خطاب الكراهية على اعتبار أن الخطاب الفلسطيني عبر فيسبوك يأتي ضمن الموروث الوطني والنضالي المشروع، وضرورة تشكيل وحدة رسمية على غرار وحدة السايبر الإسرائيلية للتواصل المستمر مع موقع فيسبوك وبقية مواقع التواصل الاجتماعي وتزويدها بقوائم بأسماء قادة دولة الاحتلال والمستوطنين الذين يقومون بالتحريض على قتل الشعب الفلسطيني لاتخاذ إجراءات رادعة بحقهم على اعتبار أن موقع فيسبوك يقول إنه يتعامل على قدم المساواة بين المحتويين الفلسطيني والإسرائيلي".
 
وتضيف: "هناك ضرورة للعمل على تنظيم حملات على المستويين الشعبي والرسمي بالتعاون مع الدول والشعوب الصديقة على البرلمانات والحكومات في هذه الدول للضغط على موقع فيسبوك في إطار قانوني دولي لتغيير سياساته تجاه المحتوى الفلسطيني، إلى جانب صناعة وتقديم محتوى فلسطيني بأكثر من لغة ويخاطب الجمهور العربي والدولي وعدم اكتفاء المستخدمين الفلسطينيين بمخاطبة أنفسهم للحفاظ على التواجد الرقمي الفلسطيني، وحماية المحتوى الفلسطيني".