المثقفون حاذقون والرئيس مؤدب

سؤال عالماشي -موفق مطر

لا يمكننا النظر إلى ما سمي البيان الموقع من أكاديميين ومثقفين فلسطينيين إلا من زاوية المقدمات المتسارعة لنيل مكافأة الاغتيال السياسي لرئيس الشعب الفلسطيني وقائد حركة تحرره الوطنية أبو مازن ومنظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، فهذه الأدوار المصممة حسب مقاسات فرق الاغتيال السياسي للمشروع الوطني معروفة لنا ومسبوقة حتى وإن جاءت بأشكال وصيغ اخرى كالإرهاصات التي سبقت الاغتيال السياسي ومن ثم المادي للقائد الرمز الرئيس الشهيد ياسر عرفات الذي ارتقت روحه اثر عملية اغتيال بطيئة وفرت لها اسرائيل مقومات تنفيذها بدقة عبر ادوات داخلية فلسطينية باستخدام الدحلان ومرتزقته الذين تجرأوا على تسيير مظاهرات مسلحة في غزة ضد ابو عمار، المتوجة بتصريحات له ملخصها "انتهاء صلاحية عرفات" كما تم تهيئة الظروف لقبولها كحدث أقل من الهام وارفع من العادي بدرجة واحدة في المحيطين الرسمي العربي والإقليمي، فانقضت منظومة الاحتلال وحاصرته في مقر قيادته (الرئاسة) وقتلته بالسم عبر عميل ما زال البحث جاريا لمعرفته. 
ساحتنا الفلسطينية حافلة بالآراء والمواقف المتعددة والمتنوعة منها المتقاطعة ومنها المتصادمة والمعارضة، ولا يجوز لأحد الادعاء بتقديم صورة مغايرة وإلا فإنه إما لا يعيش الحالة الفلسطينية بدقائقها، أو يفعل ذلك لغرض في نفسه، أو خدمة لأجندة خارجية، وبإمكان الراغب في الـتأكد الاطلاع على مقالات الرأي في الصحف الفلسطينية، والفضاء اللا محدود الذي تسبح فيه رسائل وسائل الاتصال والإعلام الفلسطينية الخاصة والحزبية الى جانب الرسمية بغض النظر عن صواب أو خطأ مضامينها أو اعتدالها فالتقييم متروك للمتلقي (الجمهور الفلسطيني) الذي طالما راهن عليه الرئيس ابو مازن الرئيس المؤدب. 
في المعنى اللغوي للثقافة سنجد (الحذق) اي سرعة التعلم، وبتأمل المعنى نجد الفهم السريع، وإدراك الأمر، وتقويمه وفي معناها العام صفة المتعلمة من ذوق، والنقد الحسن، وصواب التفكير والحكم الصحيح ويمكننا تشبيهها بضفيرة مكونة من القدرات العقلية والسلوكية والعلمية المعرفية.. ضفيرة لا تكتمل بأجمل شكل ومضمون بدون أفكار خلاقة يبلغها عقل الانسان بعد تفكير وتدقيق في المعلومات والوقائع، والعادات والتقاليد الاجتماعية والأعراف وضوابطها وقوانينها اللامسنونة، ولغة تواصل لترسيخ ذاكرة مستمدة من الماضي متصلة بالحاضرة مستشرفة للمستقبل.. ما يعني انها ليست مفهوما مجردا يستطيع اي فرد الصاقه بنفسه أو لبسه كزي أو اخذه كقناع لنشر اوهام على الناس! خاصة اذا علمنا كلمة “"ثقافة" في أصلها العربي ارتبطت بمصطلح التأديب والأدب وليست مصطلحا فكريا بدلالة محددة، فالمثقف "مؤدِب" وكل هذا لا اثر له في بيان سرقت الثقافة وزجت فيه !. 
تطور معنى الثقافة من نتاج الأرض (الزرع) حسب المصطلح اللاتيني (cultura) إلى نتاج العقل في زماننا وبات اسلوب وطريقة حياة. 
وضع البيان في وعاء التحليل، وقرأنا تفسيرات للفقاعات التي تظهر في جنباتها الوان قوس قزح ثم تنفقع وتتلاشى، وبعد التمحص فيه من اصحاب التخصص وجدوه خاليا من الموضوعية، ومن العقلية الأكاديمية والثقافية بمعيار ما قدمناه اعلاه من معان للثقافة، وحتى لا يعطى البيان أهمية أكثر من مسعى مصدريه لتضخيمه بأسماء ورقم الموقعين عليه الى درجة يبعث هذه الأسئلة: ما دام لدينا هؤلاء الآلاف من الأكاديميين والمثقفين –كما يدعون- فلماذا فشلوا بإقحام مصالحهم الشخصية بصورة مفاهيم ومطالب عامة الى العقل الجمعي للجماهير الفلسطينية، ولماذا قطعوا ما بين نتاج العقل وأسلوب الحياة، ما مبررات تخلفهم عن تبوء مقدمة الجماهير في الميادين، فكتب ومؤلفات ودواوين الشعر والمقالات لا تعني هذا الجيل الثائر حتى لو بلغت اعلى من ارتفاع حجارة مقاليعهم، وألسنة لهب ودخان عجلات السيارات التي يحرقونها ليطير سخامها نحو جنود الاحتلال والمستعمرين، وليمنعوا تمدد سرطان الاستيطان، فثقافة الحرية والتحرر عند الشعب الفلسطيني اسلوب حياة، يعرف جيدا من يمضي في دروبه بإخلاص وصدق وشجاعة وحكمة وصبر، كما يعرف الذين نخشى تبنيهم لمصطلح ثقافة الفرنسي القديم المشتق من اللغة اللاتينية Cultura وتعني رعاية الحقول أو قطعان الماشية.. فهل سمعتم أو قرأتم عما يسمى (عقلية القطيع)؟! بالـتأكيد.. لكن يستحيل تطبيقها على الشعب الفلسطيني وإلا لكانت المنظومة الصهيونية قد اطبقت دفتي مشروعها علينا منذ نكبة العام 1948.