"رجعت حليمة لعادتها القديمة"

من الغريب والعجيب إصرار رئيس حركة حماس في غزة، يحيى السنوار، على إظهار ترسانته العسكرية، كترسانة قوة عظمى (....!!) وأنها لم تستخدم سوى خمسين بالمائة من مخرونها في المعركة الأخيرة مع الاحتلال الإسرائيلي "وما خفي أعظم" كما قال بالنص..!! الأكثر غرابة وعجبا، أن السنوار يقدم هذه المعلومة مجانا للاحتلال، وأن الخمسين بالمائة هذه التي استخدمها في المعركة الأخيرة، إنما كانت فقط ليري أسرائيل صورة مصغرة لما قد تكون عليه الحرب (...!!) ولا ندري إن كان هو يرى هذه الصورة في الخراب المهول الذي أحدثته صواريخ طائرات الاحتلال الحربية، في عدوانها الأخير على قطاع غزة، ما استجلب مرة أخرى، وبصورة ملحة، قضية إعادة إعمار القطاع المكلوم..!! ولا ندري هنا مع هذا الكلام، هل المقاومة غايتها أن يدرك الاحتلال صورة مصغرة عن الحرب، أم أن هدفها الاستراتيجي هو مواصلة الكفاح حتى هزيمته الشاملة واندحاره من فوق الارض التي يحتلها..؟؟
وبرغم هذا الغرابة، وهذا التعجب، قد نفهم الحاجات التعبوية في خطاب من هذا النوع، وصلابة المقاومة تكمن في الاساس بالروح المعنوية أن تظل بأعلى مستوياتها، لكن ما لا يمكن فهمه ولا تفهمه ما يعنيه السنوار إن ما كان يطرح قبل 21 ايار لم يعد صالحا بعد هذا التاريخ...!!! وهو لاشك يقصد هنا نقض كل التفاهمات التي جرت قبل هبة القدس والتي ما تزال متواصلة  على هذا النحو او ذاك، وهي التفاهمات التي رحبت بها فصائل العمل الوطني جميعها بحكم انها من أجل التقدم في دروب المصالحة الوطنية، وإنهاء الانقسام.
 وما بعد 21 ايار ما زال وضع القدس على حاله، وموازين القوى المادية بيننا، ودولة احتلال، ما زالت على حالها، وحتى اللحظة، وبما يعني ما ثمة تحول استراتيجي قد حدث في الصراع مع الاحتلال، بعد هذا التاريخ، ما يفرض برنامج عمل وطني جديد تقوده حركة حماس طبقا لإيحاءات السنوار...!!     
لن نشكك بالانتصار المعنوي الذي حققه شعبنا، والمقاومة في المواجهة الأخيرة، بل نحيي انتصار الوحدة الوطنية الميدانية في هذه المواجهة، ولعل استثمار هذا الانتصار استثمارا وطنيا يقودنا الى المعركة الفاصلة مع الاحتلال، إنما يكمن في إنهاء الانقسام فورا، وبلا أية مزيادات شعبوية، ودون رسم معالم واقع لا وجود له إلا في مخيلة أصحابه، طبقا لغاياتهم الاستقطابية..!! والأهم دون التطاول على التاريخ النضالي لشعبنا تحت راية منظمة التحرير الفلسطينية، ودون المس بقيمة المنظمة، وحقيقتها، وواقعها، بوصفها الممثل الشرعي والوحيد لشعبنا الفلسطيني، وجبهة وطنية جامعة، لمواصلة النضال الوطني في سبيل الحرية والاستقلال، وليست صالونا سياسيا كما في تهجم السنوار وتطاوله عليها،...!! منظمة التحرير الفلسطينية التي انتزعت بالقرار الوطني المستتقل، الاعتراف العربي، والدولي بصفتها التمثيلية، وانتزعت قبل ذلك شرعيتها الوطنية والقانونية والاخلاقية، بدم الشهداء من فدائيي فصائلها، وبالتضحيات الجسيمة من ابناء شعبها، المنظمة التي أوجدت منبرا وحضورا لفلسطين منذ سبعينيات القرن الماضي في الأمم المتحدة، ثم مقعدا لدولتها في هذه المنظمة الاممية، ولها من السفارات ما يقارب المائة سفارة، وبقوة حضورها السياسي، والدبلوماسي، والاخلاقي وقعت دولة فلسطين أكثر من ثمانين اتفاقية، ومعاهدة دولية، في مقدمتها محكمة الجنايات الدولية، ولأن السنوار الحمساوي لا يرى نفسه، ولا حركته في انجازات منظمة التحرير التي يصعب حقا حصرها هنا، يراها وبتطاول قبيح صالونا سياسيا وكذلك فعل غازي حمد وهو يصفها بانها صالون ثقافي لكن هذا الصالون السياسي والثقافي يريده خالد مشعل في تغريدة له لأن حماس هي من يمثل الشعب الفلسطيني بعد هذا التاريخ، والقطاع مازال محاصرا، وأعادة ألاعمار لم تبدأ بعد، والقدس ما زلت في هبتها..!!   
لا يريد إنهاء الانقسام حقا من يتحدث بهذه اللغة ولا يريد قبل ذلك استثمارا ممكنا وواقعيا، لانتصار الوحدة الوطنية في ميدان المواجهة، بل لا يريد للوحدة الوطنية أن تكون وقبل هذا الخطاب كان السنوار في خطاب آخر على خشبة مسرح احتفالي قد وضع خريطة قطاع غزة من خلفه وقد صبغها باللون الأخضر جميعها ما يعني أنه لا لون آخر في القطاع سوى لون راية حركته والأخطر كان اعتماد خريطة القطاع، وكأنها خريطة دولة فلسطين..!!  انها لغة ألانقسام لغة قادة حماس من السنوار الى خالد مشعل الى غازي حمد لأن الوهم واحد أن الشعبويات الانفعالية بشعارتها الصارخة يمكن أن تغير الواقع وتحرر حتى جزر الواق واق .
لا تريد حماس حكومة وحدة وطنية، ولا حكومة وفاق وطني، بل أنها وفقا لثلاثي الخطاب الشعبوي، لا تريد حتى اجتماعات القاهرة التي دعت لها الشقيقة الكبرى مصر من أجل المصالحة، والوحدة، واعادة ألاعمار، وهذا اعتراض على الدور المصري الذي أوقف العدوان الاسرائيلي، ويستعد لتشغيل عجلة اعادة ألاعمار في القطاع المكلوم، وعلى ما يبدو أن هذا الاعتراض هو  أحدث تعليمات جماعة الاخوان المسلمين لفرعها الحمساوي ...!!