محمود يتجاوز حدود غزة بأفلامه القصيرة من تونس لإيطاليا وبريطانيا

غزة- الحياة الجديدة- هديل نبيل أحمد- قدم محمود أحمد أولى سطور حكايته متوجة بفيلمه القصير "كبريت" في مهرجان قرطاج, الذي أخرجه بعمر22 سنة كمشروع تخرجه في الجامعة, والمُر في الحكاية الفلسطينية أن الطموح أشبه  بالأساطير, يحتل الخيال جُلَّها ويكمن النجاح بنبذ الأسطورة  تلك خارج البلاد.

أخذت ملامح الشغف والتعلق بالسينما والإخراج ترتسم في مخيلته عدة سنوات منذ أن كان ابن 15 ربيعاً, وأقدم على تجسيد حلمه واقعاً عقب اجتيازه مرحلة الثانوية العامة, فكانت تونس هي السلم الذي وطئت قدمه أولى خطواته لدراسة التخصص الذي طالما تمسك به, لترى أحلامه النور.

وفيما يتعلق بالسفر فرحلة الطريق من مسقط رأسه "قطاع غزة" وصولاً إلى بلد الأحلام ملغومة بالعراقيل, فكيف لجيل لم يمعن النظر بحدود الدول المجاورة إلا في حصص الجغرافيا أن ينطلق نحو الحياة؟ وحين تراودهم تجربة التحليق عالياً كانوا يصنعون طائراتهم الورقية ممسكين بيدهم خيط المصيص مطلقين لها العنان.

وأسهب المخرج الفلسطيني في حديثه عن التحديات التي واجهها منذ البداية, فمجرد التفكير بعدم قدرتك على رؤية عائلتك لخمس سنوات فأكثر تصدع الرأس وتشق الصدر, وملامح الحياة  المستجدة عليه من اللهجة التونسية واللغة الفرنسية المعتمدة في الجامعات من جهة واختلاف الثقافات الملحوظ بين المجتمع التونسي والفلسطيني من جهة أخرى.

ولفت  إلى أنه تلقى اللغة الفرنسية في معهد بورقيبة للغات الحية ليتمكن من الالتحاق بالمعهد العالي لفنون الملتميديا في جامعة منوبة, وتعاون بعض الأساتذة مع الطلبة المغتربين لإدراكهم صعوبة اتقان اللغة بمدة موجزة, فسمح لهم باجتياز الاختبارات باللغة العربية أو الإنجليزية.

وسلك طريق إخراج الأفلام القصيرة خلال دراسته الجامعية التي بلغ عددها 3 أفلام, واصفاً محمود أول تجربة إبحار في عالم الإخراج التي كانت خارج إطار الجامعة بفيلم "unknown" الذي يتحدث عن العنصرية: "إنها تجربة جميلة".

وفي نفس العام, تم قبول فكرة فيلم وثائقي قد قدمه لمشروع لإنتاج الأفلام القصيرة يسمى "خطوات", مسلطاً الضوء على معيشة أربعة طلبة فلسطينيين في تونس هو أحدهم وآخر من غزة, واثنان من الضفة الغربية.

 يعكس الفيلم تفاصيل حياتهم اليومية باختلاف المحافظات التي جاءوا منها, وضآلة فرصة عودة الطلبة القادمين من غزة إلى أهلهم في فترات إجازاتهم مقارنة بغيرهم وكان لصراعاتهم الداخلية النصيب الأكبر من معاناتهم, فأطلقوا عليه اسم "الحرب بداخلنا" الذي سيتم عرضه بمهرجان شيفيلد للأفلام القصيرة في بريطانيا.

اختار محمود في عامه الأخير من الجامعة أن يكون موضوع تخرجه فيلماً, مستوحياً قصته من الأحداث التي عاشها في غزة وتجربة أمه وأسرتها في الشتات, فتزامن موعد التصوير وقرارات الحجر الصحي لمواجهة كورونا, فتم ترحيل التصوير لعدة أشهر منحته فترة عزلة مع السيناريو وفرصة لرسم ملامح حلقة ضائعة للفكرة التي يريد. 

 جلس لأيام يعصف ذهنه, مستنجداً بذاكرته لاستجلاب الأحداث مسورة بإطار زماني ومكاني, ليصبح الفيلم كامل الأركان حاملاً اسم " كبريت" الذي حظي بعرضه في مهرجان قرطاج.

وتدور أحداثه حول فتاة تجد نفسها في صندوق أسود تبصر فيه الضوء خلسة عندما يقدم رجل قاطب الحاجبين ويفتح باب الزنزانة ثم يضع يديه خلف ظهره متهكماً, حينها تيقنت أنها بغرفة تحقيق, ويطول الاستجواب ساعات بينما الحرب تندلع خارج الغرفة لتظل وحدها محاصرة بين أربعة جدران, وإذ بكبريت يكون طوق نجاتها والخيط الفاصل بين الموت والحياة.

 وأوضح  أن الحكاية عكست المشاكل النفسية التي تبطنها الفتاة واضعة تلك الظروف وأمها في خطوط الاشتباك والتماس الأولى, فنقمتها على والدتها تزداد كل يوم, عندما تجد الواقع حائلا بينها وبين ما تريد؛ لأنها تراها السبب الوحيد لتواجدها في هذا الفضاء المكاني الخانق, ونوه إلى أن التصوير تم في تلك الغرفة البائسة مستغرقاً أسبوعاً كاملاً.

 وجاء قبول عرض الفيلم بمهرجان قرطاج بشكل مفاجئ لمعرفتي أنه لن يتم قبول أي فلم هذا العام لوجود حظر على قاعات السينما، معرباً عن سعادته: "حين كنت أشاهد الفيلم وسط قاعة السينما بين أصدقائي وفريق عملي وغرباء أيضاً أصبح الجو مشحوناً بالتوتر حتى رأيت ردود أفعالهم مع المشاهد بين لحظات صمت ودهشة".

وتابع المخرج الفلسطيني: "ثم زين تتر نهاية الفيلم تصفيق حار من الجمهور لتغمرني الفرحة والرضا مدركاً قيمة هذا العمل", مشيراً إلى أن الفيلم قد ترشح لعرضه في مهرجان سيفالو السينمائي في إيطاليا.