القراءة والكورونا والكتابة

شرفة الحياة- فتحي البس

كغيري حاولت أن ألجأ للقراءة لقتل الوقت في زمن الكورونا، رغم أنها من عاداتي الأصيلة، فهي للمتعة والمعرفة والتعرّف على ما يجري في عالمنا المعاصر سريع التغيُّر. وجد الكثيرون أن عزلة الكورونا مكَّنتهم من القراءة والكتابة وإنجاز مشاريع كثيرة، أما أنا فإن شعوري بالاضطرار أفقدني متعة القراءة، ومسح من عقلي المعرفة المنشودة منها. أكره الجَبْرية في كل نواحي الحياة، وعزلة الكورونا جَبْرية مطلقة. لذلك لم يَعْلق في ذهني الكثير من الكتب التي قرأتها.

يقال إنّ من أعراض الكورونا فقْدَ بعض الحواس كالشم، واضطراب الرؤية والشعور بالضعف والوهن، وسيطرة مشاعر الخوف، فحتى لو لم يُصب الإنسان بها، إلا أنّ سيل الأخبار عن إصابة أحبة وأصدقاء، وعن سلسلة من الوفيات لا تنقطع، تثير الخوف الى أقصى المدى، تصل إلى سيطرة حالة الرعب.

فجأة تذكرت ريلكه ورائعته "مذكرات مالْتِه لوريدز بريغة " التي نقلها إلى العربية إبراهيم أبو هشهش، وقدَّم لها ببراعة وعمق ودقة مدهشة، صدرت وقرأتها قبل الكورونا فظلَّت طاغية في تأثيرها على عكس قراءات زمن الكورونا، فمالْته في أوائل القرن التاسع عشر يصف مشاعر الإنسان فاقد القدرة على فهم التحوّلات الكبرى في الحياة في باريس، العاصمة التي حضنت آنذاك مظاهر التشظي للإنسان الذي يتمزق ويعاني من تأثير المتغيرات المفاجئة له بفعل الثورة الصناعية، فيسيطر عليه الخوف مع محاولة الرؤية، ليس بمعنى الإبصار والمشاهدة وإنما كما يقول أبو هشهش في مقدمته "فالرؤية هنا ليست مجرد الإبصار، بل هي رديف للمعرفة والإدراك، وهي أيضا تختلف عن المشاهدة بمعنى مراقبة الأشياء فقط. إنه يرى الرعب في كل ملمح من ملامح الوجود، فيقاوم الخوف بالكتابة".

فكرة الرؤية ومقاومة الخوف بالكتابة سكنتني، لذلك ذهبت إلى جملة مؤثرة في الرواية يقول فيها مالته: "لقد فعلت شيئا ضد الخوف، جلست الليلة بطولها وكتبت". فاستعنت بها وبدأت أميل إلى الكتابة لأتحرر من كل مشاعر الخوف، كتابة لا تعمد إلى سرد متماسك ومتسلسل تماما كما فعل مالته، انطباعات ورؤى أضعها على الورق وليس بالضرورة للنشر، فقط لعلَّني أرى وأقاوم الخوف.

في ظروف حياتنا العصرية تسيطر الثيمات نفسها التي سادت بداية القرن التاسع عشر مع الفارق الهائل في ظروف الحياة والتطورات التقنية والمعرفية. إنها حالات "الخوف والجنون والمرض والوحدة والاحتضار والموت نفسها، بالإضافة أيضا إلى الحب.." أليست هي حالاتنا؟ يضاف إليها عدم اليقين والضياع وفوضى التفكير مع إضافة نوعية تتمثل في ضخِّ كم هائل من المعلومات غير الدقيقة والإشاعات والمقولات الركيكة الناجمة عنها، والكتابات "الفيسبوكية" البعيدة تماماً عن الرؤية.

وأظن أن المواطن العربي عموما، والفلسطيني خصوصا يعيش هذه الحالات ويبحث في طياتها عن الحب، فلا يجد إلا الكثير من مشاعر الكراهية والتعصب، فيزداد معاناة فوق معاناته من الاحتلال، وتزداد مشاعر الضياع عندما يجد نفسه في وسط تراشق حول ما هو بديهي في حياة الشعوب التي تقع تحت الاحتلال، الوحدة في مواجهة المحتل، وسبل المقاومة ضده التي لا ترتد إلى الصدور، صدور أبناء الشعب المقاوم.

سأستمر في مقاومة الخوف بالكتابة وبتعليم نفسي "أن أرى".. وشكرا لإبراهيم أبو هشهش، الذي حفزتني ترجمته على اختيار سبلي الخاصة للمقاومة.