الراهب ماريو الحدشيتي.. أيقونة تسامح من أرض الأرز إلى مدينة القمر

رام الله- الحياة الجديدة- عبير البرغوثي- العطاء والتسامح لا يعرفان الحدود ولا يختصان بدين أو بلد او قبيلة، التسامح روح الاديان جميعاً وقلب الانسانية، وفي فلسطين حاضنة الديانات، لا يضيق صدرها بمن يزورها بإحسان، ولا تغلق أبوابها لقاصديها بكل خير، فأرض فلسطين أصل الحياة ومهبط الرسالات. وشهر رمضان فرصة لتعزيز التسامح والمحبة في أرض الديانات السماوية، حيث تكثر في شهر الصوم المبادرات المؤكدة على الأخوة التي تجمع بين أتباع تلك الديانات.

رحلة الراهب ماريو الحدشيتي في فلسطين ليست مجرد قصة راهب او متعبد يسكن هذا الدير او تلك الكنيسة، انها رحلة لبناء جسور من التسامح والتواصل في أقدم مدن الارض، مدينة القمر، مدينة أريحا احدى قلاع فلسطين على مر العصور، انها حياة كاهن فرنسيسكاني  تابع لحراسة الارض المقدسة، من لبنان العزة والكرامة والصمود، ولد هناك ونشأ هناك، ومنذ عقد من الزمان ساقه القدر ليكون رئيسًا وراعيًا لكنيسة الراعي الصالح لللاتين في مدينة أريحا وليكون مديرًا لمدرسة تراسنطا الثانوية.

الماء والتمر للصائمين مبادرة بسيطة وغاية سامية

على أرض فلسطين تجتمع كل الحكايات، وتتجمع ثقافات ونتائج حياة طويلة بين الانسان والارض والزمان، حضارات ومبادرات وقصص من نجاح وأفكار الاولين، فكيف وجد الراهب ماريو حدشيتي طريقه تقديم مبادرة للتسامح والاحسان في رمضان على أرض فلسطين؟

 يجيب الراهب حدشيتي بقوله: "اطلقنا مبادرة رمضانية بسيطة تتمثل بتوزيع الماء والتمر المذكورين في الكتب السماوية والمفيدين لجسم الانسان، انطلاقًا من منطقة الدوار الرئيسي في مدينة أريحا ما بين الجامع والكنيسة لمن سبقهم الوقت عن مائدة عائلاتهم وهي مبادرة أخوية متواضعة تعبر عن محبة كبيرة،  لان المحبة هي الكنز الوحيد وجسر للإحسان بين الناس جميعًا، وهي تتوسع وتنمو وبقدر ما نوزعها تزيد  ولا تنقص".

نحن جميعاً أخوة والارض تجمعنا كبيت للجميع

مبادرة من راهب في شهر رمضان المبارك، تطرح تساؤلاً عن الغاية والهدف منها وتوقيتها، يجيب حدشيتي راعي الكنيسة وصاحب المبادرة: "نحن نتواجد جميعًا هنا ومن اقدم مدن العالم اريحا نتعلم ونعلم أننا قادرون على خلق المحبة والاخوية وعيشها رغم الصعوبات التي قد تواجهنا، فهدف هذه المبادرة يتمثل في تجسيد مفهوم الاخوة  والانسانية والمحبة والتسامح والعيش المشترك، حيث إن قداسة الحبر الاعظم - البابا فرنسيس- كتب وثيقة بعنوان "كلنا إخوة – تجمعنا الارض كبيت للجميع"، فعلى رغم الاختلاف الذي قد يكون بالثقافة او باللغة او بالدين او باللون، لكن اختلافنا لا يجب ان يلغي انسانيتنا، لهذا قمت بتحويل قسم من الدير الى غرفة عمليات يصنع فيها مفهوم التآخي والمحبة واعمال الرحمة التي منذ وصولي لاريحا  قبل 9 سنوات وانا اقوم بأعمال المحبة وبناء جسور التواصل لنؤكد ان هذه الارض عامرة بالخير  والعطاء والمحبة والسلام". 

الايمان دون العمل الصالح يكون ميتًا

المبادرات والافكار لا تحكمها ديانة او تحصرها مؤسسة، فالعطاء والتفكير في قضايا الناس  هي مسؤولية للجميع، لكن تفاجئنا احيانًا مؤسسات بخروجها بأفكار من خارج الصندوق، لتضفي على دورها مزيدًا من التقدير والاحترام، وحول سبب اطلاق الراهب ماريو لهذه المبادرة يجيب بقوله: "فاقد الشيء لا يعطيه و الايمان دون الاعمال فهو ميت، لذا يعلمنا السيد المسيح  الا تكون محبتنا بالكلام او باللسان بل بالعمل والحق. والمحبة لا تحتاج الى علم  لأنها تنبع من القلب، فكانت هذه المبادرة ايضا  لتوعية الاجيال وكل من يمر في اريحا وللعالم انه يجب علينا ان نزرع  وننشر ونوزع  المحبة والابتسامة والبساطة والتسامح في وجه العنف والقتل والكره والانقسام، فنحن اصحاب رسالة محبة في أرض الايمان والسلام".

أهل فلسطين يتسابقون للخير والتسامح

فلسطين تستقبل كل من يزورها، وسر إبداعها في فسيفساء تنوعها، رغم قسوة الظروف، كيف كان تقبل سكان المدينة لهذه المبادرة؟ يجيب الراهب حدشيتي: "بكل صدق، كانت ردة فعل المواطنين في المدينة ايجابية والكل قدّر نزول رجل دين مسيحي للشارع  لتوزيع التمر والماء بين السيارات والمارة والاكثر من ذلك، انتشرت هذه المبادرة مع عدة عناصر وشباب من كافة المناطق  بنزولهم للشارع الفلسطيني  لتوزيع التمر والماء وليس فقط في فلسطين بل بلبنان ودول اخرى، فالخير يمتد لكل مكان، ومن المهم ان أشير الى أن مسؤولين في استراحة اريحا – مكان دخول وخروج مئات السواح والمواطنين والاجانب –بادروا لتزيين شجرة الميلاد كشعور متبادل  وكرمز واحترام لأعيادنا  المسيحية، وكذلك بادر الشيخ والخطيب في الجامع  الشاعر ماجد الديجاني (ابو ثائر) بكتابة اشعار عن السيد المسيح ومحبة السيد المسيح ليرسلها للاب ماريو  كتهنئة بالاعياد الميلادية المجيدة وكلها رسائل محبة وتسامح بين الجميع".

ويضيف الاب حدشيتي "كل اناء ينضح بما يحتوي، ورسالتي هنا هي تجسيد بل تكريس لاهمية المحبة التي لا تنضب بين الناس،  وتتعزز من خلال  المحبة  او الاحساس بالآخر، فمن مدينة القمر اوجه كلماتي النابعة من القلب الى القلب لجميع الناس اينما وجدو "على هذه الارض ما يستحق الحياة" وأن نعزز اخوتنا الانسانية بين الشيخ والكاهن وبين المسجد والكنيسة لاننا اصحاب وابناء هذه الارض ولسنا أغرابًا، مسلمين كنا أم مسيحيين نستطيع ان نعيش سويًّا بالسراء والضراء  فلا تخافوا من عيش المحبة ونشر المحبة وتعليم المحبة لان المحبة تتخطى كل شيء ومن لا يحب لم يعرف الله لان الله محبة".

كم نحتاج لأن نفرش المحبة لنخفف من التعصب والتطرف والانقسامات والفتنة المنتشرة في الكوكب، فالمحبة لا تسقط أبدًا لأنها اللغة الوحيدة التي تجمع البشرية.