الصحافة وأعداؤها .. والتوازن الوطني والمهني

سؤال عالماشي - موفق مطر

لا يبحث الصحفي الفلسطيني عن عمل مريح ومكسب وفير ، فرسالة المهنة التي اختارها تتطلب بعد التأمل والتفكر والحكمة شجاعة وجرأة وإبداعاليتمكن من الانتصار لقضية الحرية، فالصحفي حرية مسؤولة ، ورؤية إنسانية بلا حدود ، ورأي موضوعي ، وخبر من عين الواقع لا يغلبه شك ، ولا يشوبه تحريف .

لا ننظر إلى دين وجنس وعرق ولون الصحفي ، وإنماإلى أعماله وسلوكه وعطائه وإنتاجه  وحدها كافية لترجيح فوزه بلقب ( رسول الحقائق )  فالصحافة إضاءة كونية تبدد عتمة وظلمة الجهل والاستعباد والظلم والفساد والباطل أبطاله وأعوانه وإشعاع لابد منه لنمو المعرفة العاكسة للناس أدبا وعلما وثقافة وجمالا وفنونا .

الصحفيون الوطنيون الديمقراطيون التقدميون مؤمنون بحق الجمهور بمعرفة الحقائق والوقائع حتى لو كلفهم ذلك حيواتهم، فيحرص صاحب العين الثالثة على أن يكون عين الحقيقة بأعلى نسبة منها في ميادين المواجهة بين الحق الفلسطيني والباطل الصهيوني، لا تجذبهم إليها قوة تتقدم على الانتماء للوطن وفكرة الانتصار للحرية والكفاح على سكتي البناء والتحرير  .

لم ينكفئ الصحفي الوطني الفلسطيني الملتزم بأخلاقيات المهنة وقوانينها ولم ينسحب يوما من منصة الشهادة على جرائم المحتلين والمستعمرين الإرهابيين، أما ذاك المستخدم عند الفئويين العصبويين كأداة للردح والقدح والذم فإنه لا يقدر قداسة الكلمة ولا يقر بتضحيات رسل الحقائق  بالنفس والدم ..فرسل الحقيقة لم يتخذوا الصحافة مجرد وظيفة أو مهنة مدفوعة الأجر وإنما رسالة إنسانية معمدة بانتماء وطني، وتضحية لرؤية الآمال التي حدثهم عنها آباؤهم وأجدادهم أو قرأوا عنها في مدرسة تاريخ الوطن فلسطين ، آمال الحرية ، والتحرر والاستقرار والطمأنينة والسلام في ربوع البلاد ، الأجمل لديهم والأقدس في الدنيا.

الصحفيون الملتزمون بأخلاقيات وقواعد وقانون العمل الصحفي ، ولا يمسون الحقوق الأساسية للمواطن أيا كان موقعه الاجتماعي أو الرسمي  أو فكره أو عقيدته أو جنسه هم أول المتمسكين بثوابت حرية الرأي والتعيير وحرية الصحافة ، وحق الحصول على المعلومات ، وواجب احترام إرادة الجماهير ، ويستميتون لتعزيز القضايا والملفات المطروحة للجمهور بالأدلة والوثائق والبينات، فالجمهور وهو المستهدف من الرسالة الإعلامية يستحق العناء من أجل فتح بصيرته على الحقائق ، وتسهيل طريق سلطة القانون من وضع يدها على سارقي آماله وطموحاته، العابثين بذاكرته ووعيه، أما التحريف والتزوير لغرض الانتقام فليس من شيمهم  ، فهم أوفياء لمبادئ وشرائع حقوق الإنسان ، ولا يمكن أن يكونوا إلا عامل بناء على عكس العاملين على الهدم  وتعميم الخراب والإحباط واليأس  في البلاد وفي نفوس أهلها.

أعداء الصحافة الفلسطينية والعالمية يحملون صفات منها رئيس حكومة، وزير حرب، رئيس أركان، ضابط، جندي، مستوطن، مازالوا فاعلين في منظومة احتلال استعماري عنصري تسمى (إسرائيل )، منظومة كيان متمرد على الشرعية الإنسانية والقوانين الدولية، جميعهم إرهابيون ، مشحونون برغبة دموية جامحة حتى باتوا كالمخلوقات المفترسة، وضعوا الصحفي على رأس قائمتهم المبرمجة استباحوا بلا قيود المواثيق والأعراف والقوانين والقيم والمبادئ، حتى تلك السماوية التي قدست روح الإنسان، فهؤلاء قصدوا شل المركز العصبي للمجتمع الدولي، ليصير معاقا مقعدا يبصر لكن  بلا قوة على الحركة والفعل..فيصعدون بجرائمهم ضد الإنسانية ليصلوا ذروة برج، يستحكمون فيه كمجرم حرب، قناص بارع يستخدم أحدث تقنيات وأدوات الجريمة الدقيقة المعقدة والسهلة على حد سواء، يستعرض بكل فخر جرائمه على الهواء مباشرة، يصوب  بقصد القتل على بصر وبصيرة رسل الحقيقة - كلما سنحت له الفرصة -  أو يهددهم بالاغتيال إن لم يتبنوا روايته الاستعمارية العنصرية .

أفخر ككاتب لزاوية "سؤال عالماشي" منذ حوالي ربع قرن، ولكوني قد حظيت بهذه الفرصة على صفحات جريدة وطنية، تلمست أوجاع المواطن وآلامه، ووضعت المسؤولية عن مخاطرها في رقبة المسؤول المختص صاحب القرار، وبذات الوقت سلطت الأضواء على إنجازات وطنية وإبداعات فردية ومؤسساتية، وقدمت قضايا الوطن والأمة والعالم، برؤية عقلانية واقعية، متحررة من شعارات (اللغة الخشبية)، ناهضت الاحتلال والاستيطان والجهلاء والجاهليين، والانقلاب والانقسام حتى بات رأسها مطلوبا، لكن "الحياة الجديدة" سائرة على درب الحق بتوازن وطني.