بين الحق والبلطجة

شرفة الحياة- فتحي البس

يخوض الفلسطينيون معركة بقاء في الشيخ جراح وسلوان وبقية أنحاء القدس. يتمسكون ببيوتهم التي يملكون لها وثائق ملكية و/أو سندات تفويض بالسكن من الحكومة الأردنية ووكالة الغوث مبرهن عليها من السجل العثماني. الأرض والبيوت عربية قبل ولادة دولة الاحتلال.

بالمواجهة والمقارنة، استولت دولة الاحتلال ومستوطنوها على مئات القرى وعشرات المدن بدون حق أو سندات ملكية أو حتى أساطير توراتية، استولت على بيوت عامرة وحقول مثمرة وأرصدة بنكية ومجوهرات ومسارح وأبنية ما زال أصحابها وورثتهم يطالبون بها وسيظلون، وسلمتها لغرباء وافدين من كل أنحاء الدنيا بلا صلة لهم بها. لم يستندوا إلى قانون ولا أوراق بل إلى القوة الغاشمة والقتل والتطهير العرقي ودعم دولة الانتداب والدول المنتصرة في الحرب العالمية الثانية.

بوقاحة المحتل وغطرسته، حُرِم فلسطينيون ظلوا في بلادهم من العودة إلى بيوتهم وأراضيهم، فقط لأنهم انتقلوا إلى أماكن أكثر أمنا قد تبعد في بعض الأحيان عدة كيلومترات، ولم تنصفهم لا قوانين دولة الاحتلال ولا المواثيق والمعاهدات الدولية حتى عندما حصل هؤلاء على أحكام بعودتهم من محاكم الاحتلال نفسها كما حصل مثلا مع أهل قريتي إقرت وبرعم.

وبالعودة إلى القدس، في مرة نادرة زرت المدينة بصحبة صديق من أهلها أخذني إلى شارع يافا، طويل وحافل بالمباني الجميلة، ولجهلي، ظننت أنه من حقبة الاحتلال الإسرائيلي، فأبديت لصديقي حزني على أن قدسنا الشرقية ظلت بدون تطوير حتى وقوعها تحت الاحتلال. جال بي صديقي في شارع يافا وأحياء مختلفة في القدس الغربية شارحا لي ما كنت أعرفه من الكتب، ما رأيته من فخامة كان موجودا في معظمه قبل الاحتلال، استولت العصابات الصهيونية على بيوت جاهزة ومؤثثة وعلى بعض طاولات السفرة عليها طعام ساخن أحيانا، إضافة إلى مبان ومحال تجارية عامرة بكل ما يلزم الحياة العصرية، لم يكن لهم فيها ملك ولا إسهام، ولم يدَّعِ أي منهم وجودا سابقا فيها، بل تفاخروا بأنهم استولوا عليها بالنار والقتل والطرد.

أورد هذه الوقائع للسخرية من ادعاءات المستوطنين بملكيتهم لأراضٍ ومبانٍ في القدس الشرقية قبل عام 1948، يطالبون بها الآن، ليس هذا فقط، بل بإلزام سكانها بدفع إيجاراتها وبأثر رجعي وطردهم، سرقوا مدننا وقرانا وأحياءنا واستثمروها ويجيئون الآن بأوراق مزورة تدحضها الوثائق الأردنية والعثمانية ليشردوا مواطنين استقروا حيث هم منذ عشرات السنين. إنها محاولة تغيير قسري لوجه المدينة، إنها سياسة التفريغ بقوة لا تعرف أي حدود للأخلاق والقوانين ومعايير حقوق الإنسان والتزامات المحتل تجاه السكان الأصليين بموجب أنظمة ومواثيق الأمم المتحدة.

يهب أبناء القدس للدفاع عنها، لا يملكون سوى قوة الحق والإيمان وإرادة التحدي، يعتصمون في شوارع وأزقة وبيوت الشيخ جراح. يواجهون قتلة وجنودا مدججين بالسلاح، ويطلقون صرخة واقدساه، لكن لا حياة تدب في عروق بعض العرب والمسلمين، إنهم وحدهم المقدسيون، ومواطنوهم الفلسطينيون ينبرون للمواجهة بكل الأساليب المتاحة، دون يأسٍ من الإسناد لبعض العرب والأجانب.

الانتخابات للمجلس التشريعي، عقدها أو تأجيلها ليس المعركة الأساسية، مقاومة الاحتلال والحفاظ على قدسنا هي المعركة الأساسية، والمواجهة مفتوحة وسيتوحد الفلسطينيون حول الهدف الأسمى، عروبة فلسطين ودرتها القدس مهما كانت قوة الأعداء. بين الحق والبلطجة صراع أبدي ينتهي دائما بانتصار الحق.