استقلال أم استعمار؟

باسم برهوم

 

تحتفل اسرائيل بعيد "الاستقلال" ..!!  والسؤال هي استقلت عن من..؟ هل المقصود عن الانتداب البريطاني..؟  فهذا غير معقول، لأن بريطانيا احتلت فلسطين لهدف واحد ووحيد هو تنفيذ وعد بلفور بإقامة الوطن اليهودي،  وأوفت بوعدها على أكمل وحه. أم المقصود الاستقلال عن حكم الشعب الفلسطيني الذي طال أمده "لأرض الميعاد "، وهذا غير ممكن فقد احتلت بريطانيا  بلدا وإقليما جغرافيا  اسمه فلسطين، وهذا بحد ذاته اعتراف بأن هذا الإقليم له اسم تاريخي وله شعب وجد في هذا الإقليم منذ  آلاف السنين.، حتى أن وعد بلفور ذاته لم يستطع تجاوز هذه الحقيقة، ونص على أن الوطن القومي اليهودي سيقام في فلسطين.

والسؤال، هل الحركة الصهيونية حركة تحرر وطني كباقي حركات التحرير؟ دعونا نفحص معا الإجابة، حركات التحرر كافة نشأت كردة فعل  طبيعية على استعمار جاء من خلف البحار، واحتل بلادها واحتل شعوبها، وكان من الطبيعي أن تقاوم هذا الاحتلال الاستعماري، وعندما تنجح حركة التحرير بدحر الاحتلال عن أرضها، هذا التطور  يسمى استقلال وطني. والحركة  الصهيونية جاءت  إلى فلسطين مع الاستعمار البريطاني، وهو من قدم لها الدعم الكامل لتقوم بالحلول محل الشعب الفلسطيني وتقيم على أنقاض وطنه التاريخي كيانا سياسيا، وأن سكان هذا الكيان هم مستوطنون جاءوا مع الاستعمار.

السؤال الثالث لماذا ترفض إسرائيل رفضا باتا الاعتراف بنكبة الشعب الفلسطيني التي تزامن حدوثها مع "استقلال" اسرائيل؟

لأنها لو اعترفت فهذا سوف يترتب عليه اعتراف بالحقوق، خاصة حق العودة، بالإضافة إلى دفع تعويضات عن الأذى الذي لحق بالشعب الفلسطيني. والأهم أن إسرائيل لو اعترفت بالنكبة فإن ذلك سيعني أن الحركة  الصهيونية  ليست حركة تحرر وإنما ظاهرة استثمارية، ومشروعها مشروع  استعماري.. فأي استقلال هذا الذي تتحدث عنه؟

دعونا نأخذ جمهورية جنوب السودان مثالا، فإنه وبغض النظر عن كيفية حصول الانفصال، وملابساته  فهو بالنسبة للجنوبيين يعتبر استقلالا، بزعم أن مواطني هذا الإقليم سكانه منذ الأزل ولا يزالون فيه وأن كل ما أرادوه هو الانفصال والاستقلال عن الوطن الأكبر، لأسباب لها علاقة بالهوية. الحركة الصهيونية ليست كذلك، فهي ليست تكوين طبيعيا وجزءا من إقليم فلسطين وأرادت الانفصال والاستقلال، الحركة الصهيونية نشأت في أوروبا كردة فعل على اضطهاد الأوروبيين لليهود الأوروبيين، ولأنها نشأت في ذروة ظهور الدول القومية، عملت على تحويل اليهود إلى ظاهرة قومية وبدأت تبحث لهم عن إقليم جغرافي.

من دون شك كان هناك مشكلة  يهودية في أوروبا، نشأت بسبب الاضطهاد، وأن مفكرين كثيرين تناولوها وفي طليعتهم ماركس، الذي رأى أن مشكلة اليهود ستجد لها حلا في دولة الطبقة العاملة عندما يتم  دمجهم في المجتمعات الأوروبية باعتبارهم مواطنيين أوروبيين وعلى أساس المساواة. من هنا فإن الحركة الصهيونية هي ظاهرة أوروبية نشأت في حقبة الاستعمار القديم وحققت أهدافها في إطار هذا الاستعمار وبدعم منه، فإسرائيل قامت استنادا لوعد استعماري، وأن قيامها يخدم أهداف هذا الاستعمار  في المنطقة  العربية.

على عكس الحركة  الصهيونية. فإن الحركة  الوطنية  الفلسطينية هي حركة  تحرر وطني لأنها عبارة عن ردة فعل الشعب الفلسطيني الطبيعية على الاستعمار والاحتلال الذي جاء من خلف البحار واحتل  أرض وطنه التاريخي، وكان من الطبيعي أن يكون هدف الحركة الوطنية الفلسطينية هو دحر هذا  الاحتلال ونيل الحرية والاستقلال الوطني. ولاحظنا مؤخرا كيف سعت إسرائيل، وبدعم من إدارة  ترامب، نزع صفة الاحتلال عن الضفة الغربية، وهي الصفة التي أعادتها إدارة الرئيس بايدن، والهدف من هذا النزع مفهوم وهو استكمال الادعاء بأن الحركة  الصهيونية حركة تحرر، وأن حرب عام 1967 هي لاستكمال حرب "الاستقلال" عام 1948، وأن الأرض هي أرض إسرائيلية يجب ضمها.

الحركة الصهيونية بنت روايتها انطلاقا من ادعاءات باطلة، وأن عقيدتها هي عقيدة عنصرية تنفي وجود الآخر، فهي بهذا المعنى حركة استعمارية، وأنها احتلت فلسطين على مرحلتين. الأولى عام 1948 والثانية عام 1967.

فأي استقلال هذا عندما يكون على حساب شعب آخر، وعلى حساب حقوق شعب آخر، إن ما يحصل ما هو إلا أبشع أنواع الاستعمار.