لو كان عبد الناصر حاضرا

باسم برهوم

في الذكرى المئوية لميلاد الزعيم جمال عبد الناصر، فإن سؤالا يبدو منطقيا وهو ماذا لو كان عبد الناصر حاضراً اليوم؟ فالتجربة الناصرية، بما لها وما عليها قد أشبعت تناولا وبحثا على امتداد أكثر من أربعة عقود منذ وفاته عام 1970، فهي بالتالي ليست موضوع المقال.

ولتوضيح بعض الحقائق، فإنه باستثناء جماعة الاخوان المسلمين وتنظيمها الدولي، والاسلام السياسي بشكل عام، فإن عبد الناصر بالنسبة للأمة العربية كان قائدا تاريخيا ملهما لديه مشروع قومي وحدوي طموح. وبغض النظر عن كونه لم ينجح في تحقيقه، ولهذا اسبابه العديدة، فهو كرس مع ذلك في وجدان الأمة العربية وثقافتها لعقود طويلة فكرة الوحدة العربية، أمة عظيمة قادرة على وضع نفسها بين الامم المتقدمة.

عبد الناصر، الذي كان منحازا للإنسان بشكل عام وللإنسان المصري والعربي البسيط الفقير بشكل خاص، كان يمتلك مشروعا تنمويا لا يقل طموحا وأهمية عن مشروعه القومي، فالمشروعان بالنسبة اليه يكملان بعضهما بعضا. مشروعه التنموي، وهذا الأهم، كان هدفه الاساسي تحرير إرادة مصر والأمة العربية من التبعية، فبالنسبة له، فإن أي مشروع عربي تحرري وحدوي يجب أن يبدأ أولا من تحرير إرادة الامة وقرارها السياسي.

وبالنسبة لنا نحن الفلسطينيين، عبد الناصر كان مسكونا بفلسطين وشعبها. فهذا الضابط الذي قاتل في فلسطين وشهد بعينه نكبة عام 1948 لمس حجم المؤامرة وحجم التواطؤ العربي الرسمي على هذا الشعب الصغير المتمسك بأرضه ووطنه، كما لمس بالتجربة مدى خطورة المشروع الصهيوني الاستعماري العالمي على فلسطين والامة العربية. هذا الضابط الذي أصبح قائدا، كانت فلسطين ومسألة تحريرها هي أحد المكونات الرئيسية لفكره السياسي، والعمود الأساسي لمشروعه القومي الوحدوي عبد الناصر ما كان يفوته حقيقة أن مشروعه الوحدوي ما كان ليتحقق أو يتم انجازه بوجود إسرائيل في قلب الامة العربية، وان هناك علاقة جدلية بين الوحدة العربية وتحرير فلسطين.

ومن حيث بدأت، وبعيدا عن تقييم نجاح وفشل التجربة الناصرية فإن ما زرعه جمال عبد الناصر من مشروع وفكرة، لا يزال موجود في روح الامة العربية ووجدانها رغم ما يحيط بها من ظلام دامس.

لو كان عبد الناصر حاضرا لما انحرفت بوصلة الامة العربية عن فلسطين وهدف تحريرها، ولكانت لا تزال متعلقة بمشروع وحدتها وتحريرها اقتصاديا من التبعية، ولما كانت الامة قد غرقت في حروبها الطائفية والمذهبية التي تمزقها، وان يتدخل كل بغاة الارض في الشأن العربي ويعيثوا به فسادا.

لو كان عبد الناصر حاضراً لما كان ترامب وغير ترامب يستسهل الدوس على كرامة الامة ومقدساتها الاسلامية والمسيحية، عبر إعلانه باعتبار القدس عاصمة لإسرائيل، ولما كان للانقسام الفلسطيني أن يستمر شهرا واحدا، لأن فلسطين وشعبها يمثلون ضمير الامة وطليعتها في مشروعه الوحدوي التحرري.

صحيح أن الامة العربية في زمنه كانت منقسمة بين تقدميين ورجعيين، انطلاقا من انقسام العالم بين رأسماليين واشتراكيين. فإن جمال عبد الناصر، وبالرغم من حدة ذلك الانقسام، كان قادرا وفي اللحظات المصيرية أن يجمع الامة العربية، وأن يحقق قدرا من التضامن لمواجهة التحديات فأين هو هذا الزعيم اليوم؟

قد يكون عبد الناصر انتصر في حروب وهزم في أخرى، قد يكون نجح هنا وفشل هناك في تحقيق مشروعه التنموي الوحدوي، لكنه مع ذلك يبقى قائدا وزعيما تاريخيا ملهما، قائدا لا يتكرر أمثاله إلا مرات قليلة في تاريخ الامم. لذلك وفي ظل هذه الظلمة الحالكة يفتقد البدر.