عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 22 تشرين الأول 2015

ذاك البهاء

سما حسن

لا يمكن أن يتخيل أي انسان مشاعر الأم حين تفقد ولدها، حين يسقط شهيدا على أرض الوطن، حين يصلها النبأ وهي في البيت لم تنه ترتيب سريره الذي تركه دافئا، ولم تحدد بعد صنف الطعام الذي ستعده له على مائدة الغداء حتى يصلها خبر سقوطه شهيدا.

 لأنني أم مثل باقي الأمهات تخيلت مشاعرها وطلبت لها الصبر والجلد ولكني لم أتخيل مرة مشاعر الأب، فقد كانت أمي تقول: دمعة الرجل عزيزة بمعنى ان الرجال لا يظهرون مشاعرهم، "كما كانت أمي تقول: الرجل يحبل وما بيولد بمعنى أنه يستطيع أن يخفي مشاعره حتى يسقط صريعا لها وتقصد مشاعر الحزن والغضب".

 رأيت فيما رأيت من مشاهد الآباء والأمهات في مواقف الوداع والتأبين أب أحد الشهداء وهو محمد عليان الكاتب والمحامي والذي تعرفته اول مرة حين كتب نقدا لمجموعتي القصصية الأولى ثم اكتشفته انسانا دمث الخلق واسع الثقافة وطويل البال حين طلبت منه مداخلة ضمن تقرير ثقافي كنت أعده قبل حوالي عامين، ولكني لم أكن اعلم أنه والد بهاء عليان الذي استشهد مؤخرا والذي تعرفته ايضا كصحفية حين اجريت معه لقاء قصيرا حول دوره الفعال في تنظيم فعالية "أطول سلسلة بشرية قارئة حول القدس" والتي كان يطمح من خلالها أن تدخل موسوعة غينيس.

فاجأني بهاء بثقافته وحبه للقدس وغيرته عليها وعلى تاريخها ورغبته في القيام بأي نشاط مهما كان صغيرا من أجل أن يحافظ على عروبتها وهويتها، وانتهى لقائي بالأب وابنه حتى علمت خبر استشهاده ورأيت من خلال مواقع التواصل الاجتماعي صورة للأب محمد عليان وهو يقف بجوار لافتة ضخمة كتب عليها الوصايا العشر التي تركها الشهيد بهاء.

 رأيته كما كانت تقول أمي دمعته عزيزة وهو بالكاد تحمله قدماه، رأيت في عينيه نفس نظرة الأم الثكلى نفسها، فقد كانت هناك لوعة الفقد تلمع وتخبو في عينيه ولكني كنت أعلم أنه يتركها ويطلق سراحها حين يختلي بنفسه.

بهاء عليان الشاب المثقف الذي قدم نفسه ليفجر ثورة لم يكن شابا فاشلا ولا جاهلا ولكنه مثقفا ومهذبا وحالما ولذلك فقد أعرب المحللون الاسرائيليون عن استغرابهم أن يقدم امثال بهاء على عمليات طعن تودي بحياتهم، وهم لا يعلمون أنه يفعل ذلك ليترك رسالة واضحة وعميقة لمن بعده وهي ان الوطن لا يقبل إلا المميزين.

حين رأيت مشهد الأب عليان المتماسك تذكرت ما كتبه المنفلوطي في رثاء ابنه حيث قال: بكى الباكون عليك ما شاءوا وتفجعوا ما تفجعوا حتى اذا استنفدوا ماء شؤونهم وضعفت قواهم عن احتمال اكثر مما احتملوا لجأوا إلى مضاجعهم فسكنوا اليها ولم يبق ساهرا في ظلمة هذا الليل وسكونه غير عينين قريحتين، عين أبيك الثاكل المسكين وعين أخرى أنت تعلمها".