عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 08 تشرين الأول 2015

إنها فلسطين يا صغيرة

سما حسن

 أزعجني كثيرا أن اقرأ واسمع من يهتف تحميسا وتشجيعا لأهلنا في الضفة والقدس بنداء: يا نبض الضفة، لأننا كلنا ننبض بقلب واحد هو قلب فلسطين, وطننا الأم وقضيتنا الأولى ووجعنا الأوحد.

 وأفرحني كثيرا وكثيرا جدا حين رأيت دموع ابنتي الصغيرة تتساقط وهي تمسك بهاتفها النقال الحديث وتشاهد من خلال أحدث تقنياته تسجيلا مصورا بالفيديو لنبذة عن أحد شهداء الأقصى وتجوال الكاميرا داخل بيته وعرض أدواته وأشيائه الخاصة، واستمرت الدموع المكتومة تتساقط من عيني الصغيرة حتى نهضت عن الاريكة وكأنها اصيبت بلسعة عقرب وصاحت في وجهي: ماما بدي استشهد، بدي اعمل عملية استشهادية مشان أقتل كام جندي اسرائيلي".

 لم يكن الشعور بالخوف هو الذي انتابني من تعبير ابنتي بقدر ما فرحت وفرحت كثيرا كما كتبت لأني رأيت نفسي أيام انتفاضة الحجارة وكنت وقتها في السابعة عشرة من عمري أي أني كنت أكبرها بعامين ولكني كنت بالروح النضالية الشابة والمتحمسة نفسها والتي جبلت فقط على حب فلسطين, وكنا نخرج من المدرسة الثانوية لنهتف لفلسطين ونردد الشعار الأوحد: بالروح بالدم نفديك يا فلسطين.

 لم نكن نحمل علما ولم نكن نحمل يافطات كتبت عليها شعارات لأن الجنود كانوا يلاحقوننا وكانوا يصادرون أي أعلام أو شعارات مكتوبة نحملها مع السجن والغرامة الكبيرة لذوينا وكان أغلبنا طالبات من الطبقة المتوسطة التي لا يستطيع رب العائلة فيها أن يدفع هذه الغرامة التعسفية ولكن رغم ذلك فقد كان صوتنا مجلجلا وقضيتنا قوية الحجة وغضبنا يشق الفضاء ويعبر إلى السماء لأننا كنا نهتف لفلسطين.. كل فلسطين.

 صغيرتي أفرحتني وقلت لها وانا أحتضنها: مرحى للأيام الخوالي، وهي التي كانت تعاتبني دوما وتسخر في دعابة أنني "دقة قديمة" ورغم أنني كذلك بالنسبة لها إلا ان شيئا كبيرا وعظيما يجمعنا فأنا وابنتي وهبنا أرواحنا من أجلها.. فلسطين.

ابنتي زينت هاتفها بكل ما عثرت عليه من صور لشهداء الحرية الذين تساقطوا في الأيام الأخيرة وفرحت كثيرا وهي تزف لي خبر تسمية أحد الآباء في غزة لمولوده الجديد باسم مهند الحلبي تيمنا وتخليدا لاسم الشهيد مهند الحلبي شهيد عملية القدس، وهكذا كانت وستكون غزة فشعورنا واحد مع اخوتنا في كل أنحاء فلسطين ومطلبنا واحدا بعيدا عن كل المهاترات السياسية وبعيدا عن كل من يحاولون أن يقسموا الوطن إلى دويلات.

 فرحت بك كثيرا يا صغيرة وأنت تقاطعين المسلسلات الكورية التي تتابعينها لتلتهمي أخبار هبة الجماهير في الشطر الآخر من الوطن، وفرحت بك وأنت تشعرين أنك تعيشين في القدس ونابلس ورام الله، وفرحت بك وانت تسألينني عن كل مدينة من هذه المدن، وحين كنت أحدثك عن نابلس بالتحديد التي درست في احدى جامعاتها كنت أشعر أني أحدثك عن غزة وأهل غزة وشوارع ومخيمات غزة.