عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 07 تشرين الأول 2015

"غضبة القدس" الفلسطينية والتحالف الثلاثي

بكر أبو بكر

تتصاعد الغضبة الفلسطينية في القدس وكل فلسطين ضد خنق الاحتلال لفلسطين وللفلسطيني، ومحاولات الحكومة الاسرائيلية إعدام القضية الفلسطينية، ولا نجد لمثل هذا الغضب حدودا واضحة أو مدى محدد لأن مبرراته لا تنتهي وتراكماته لا تزول وبشكل أساسي بوجود المستوطنات والمستوطنين، والتي كبرت مع تجرؤ المستوطنين ليس على سرقة أرضنا فقط، وإنما بالاعتداء على القرى والأراضي المجاورة وأهاليها ضمن فكر توراتي ديني متطرف يشابه فكر (داعش) في الإطار الإسلامي، كما يجد هذا الغضب مبرراته أيضا بحصار غزة البشع والمتواصل.

إن غضبة أو انتفاضة أو هبة أبناء فلسطين -مهما كانت التسمية- تأتي لعدة أسباب أولها ممارسات الاحتلال وبالصورة البشعة التي يعبر عنها تحالف المستوطنين المتطرفين مع الجيش الاسرائيلي ومع حكومة نتنياهو, هذا التحالف الثلاثي غير المقدس الذي فتح الباب على مصراعيه لتجرؤ المستوطنين بالتعدي حيث يأمنون العقوبة ويجدون التسويغ الديني والدعم السري أو العلني أحيانا من بعض السياسيين.

إن مسلسل القتل الذي يمارسه الاحتلال الاسرائيلي لم يبدأ بالأمس، بل هو مسلسل إجرامي إرهابي معروف منذ ما قبل نشوء الكيان وبعده عام 1948 م، أما أن تنشأ منظمات إرهابية من المستوطنين أنفسهم في الضفة تقوم ضمن تحالفها الثلاثي بممارسة العدوان بيدها-وتحت نظر الجيش- فهذا هو الأمر الجديد في سياسة حكومة التطرف الصهيوني، وفي سياق بزوغ نجم عصابات (فتيان التلال) عام 2008 ثم (تدفيع الثمن) وسياسة الحرق والقتل للبشر التي أفتاها لهم الحاخام الأكبر "شابيرا".

حاول نتنياهو منذ عدة شهور الخروج من مأزق عزلته الدولية التي أدخل ذاته فيها من جهة لاتجاهاته اليمينية وعدوانيته وشراسته, والتي أدخله فيها الرئيس أبو مازن بسياسة محاصرته في المحافل الدولية ولدى عواصم العالم بكل قوة، كما أدخلته فيها تدخلاته في الأمور الداخلية الأميركية وفتحه المعارك مع أعداء كثيرين في الساحة الدولية بغطرسة القوة التي يتهيأ له معها انه ملك متوج من ملوك "اسرائيل" وعلى العالم أن يخضع له.

محاولات نتنياهو الفاشلة للخروج من عنق الزجاجة خاصة على المستوى الدولي ولفشله في سياسة ضرب إيران، أو محاولة التحالف مع العرب، مستغلا التفتت في المنطقة والاحتراب، وفي سعيه لدفن حل الدولتين تزامنت هذه المحاولات مع عقده تحالفه الإرهابي مع المستوطنين وحاخاماتهم وزعمائهم، ومع قيادات الجيش الذين أفلتوا من عقالهم ليغيروا المعادلة على الأرض كي لا يتمكن الفلسطيني من النظر خارج نطاق قريته أو مدينته أو احتياجاته اليومية فتصبح القضية –كما يظنون-في طي النسيان ضمن سياسة نتنياهو بإدارة الأزمة لا بحلها، ويتفرغ هو للاستعراضات (كسوبر بور) في الساحة الدولية.

إن سياسة فرض الأمر الواقع عبر سرقة أراضي الفلسطينيين بالمستوطنات والمستوطنين، ثم بإرهابهم، مع استمرار حصار غزة واللعب معها على التناقضات لم تلق من الفلسطيني القبول أو الانصياع كما توهم الإسرائيلي فجوبه وبغضبة متقدة في القدس استمرت شهورا (بوضوح منذ حرق الطفل محمد أبوخضير بالقدس من قبل 3 إرهابين صهاينة في 2/7/2015) سرعان ما تمددت بشدتها إلى أنحاء الضفة التي تعيش لسنوات على وقع مقاومة شعبية متذبذبة تخبو أحيانا وتتصاعد في أحيان أخرى (منذ العام 2005 تحديدا) لكنها جعلت من بذرة المقاومة السلمية الشعبية تضرب لها جذورا راسخة في الوعي الفلسطيني الذي استطاع أن يعري ارهاب تحالف نتنياهو مع المستوطنين.

هل كان نتنياهو يبغي تصعيد الوضع في القدس والضفة أم لا ؟ سؤال كبير فإن كان سعى له كما رأينا في مرحلة فإنه رغب أن يستغله لإظهار (الإرهاب) الفلسطيني بالاستدراج لعمل فلسطيني عنيف كما كان يحصل في الانتفاضة الأخيرة (2000-2004م) إلا أن الوعي الفلسطيني – حتى من أطراف الأزمة الفلسطينية الداخلية - لم يمكنه من ذلك حتى الآن! وفي المقابل خرجت رؤوس من تحالفه مع المستوطنين لتشكوه وتحرجه عالميا وترفض اللعب معه كما يريد، بل وتعري سياسته هذه عبر ممارسة الإرهاب الإسرائيلي المباشر.

لقد عرّى إرهاب المستوطنين المتسلسل من استشهاد محمد أبو خضير بالقدس بطريقة بشعة (2/7/2014)، إلى علي دوابشة وأسرته في دوما نابلس (28/8/2015) إلى الطالبة هديل الهشلمون بالخليل (22/9/2015 إلى الشهيد فادي علون بالقدس (4/10/2015), هذا الإرهاب الاسرائيلي للمستوطنين والجرم المتواصل عّرى سياسة نتنياهو الذي حاول التبجح من على منبر الامم المتحدة بتحدي العالم وتركيز خطابه ضد ايران متجاهلا بتعمد فاضح القضية الفلسطينية ليضع نفسه بمصاف اللاعبين الكبار في العالم مثل الرئيسين الاميركي والروسي اللذين تجاهلا القضية أيضا.

إن الغضبة الفلسطينية جاءت تراكما لبركان غضب، واستجابة للحراك الوطني الفلسطيني في المحافل الدولية، ودعما شعبيا عمليا له كما جاءت بعد فترة تدريب طويلة على المقاومة السلمية الشعبية من مقاطعة المنتجات الإسرائيلية والتظاهرات السلمية حول الجدار وضد المستوطنات، وتنامي حركة المقاطعة العالمية، وتشكيل حركة فتح للجان الحراسة والمقاومة للمستوطنين، وإثر أحداث القدس منذ استشهاد أبوخضير، وجاءت أيضا ردا على محور نتنياهو البشع مع الجيش والمستوطنين كما جاءت "الغضبة" لترسل رسالة للمستوطنين أننا نحن الجيل الجديد (وهم بالمناسبة جيل في العشرينات من عمره) لا نخافكم أبدا, بل وأعطت رسالة حرية وشرف من خلال منطق الدفاع الذي قام به الفلسطينيون في معظم تحركاتهم حتى أن عملية مقتل المستوطنين في نابلس لقيت الإشادة الاسرائيلية من بعض المحللين لأنها لم تقتل الأطفال مع المستوطنين ولم تمسهم ففهموها (أننا أشرف منكم) أو كما عبروا عن ذلك بمصطلحات مختلفة.

إن "الغضبة" الفلسطينية الجديدة "غضبة القدس" بشكلها الوطني والشعبي والشبابي قابلة للتمدد وقابلة للاتساع إن لم تتمكن الحكومة الاسرائيلية أن تدرك بوضوح أن استمرار الاحتلال لن يجديها نفعا، وأنها يجب أن تنكفيء عن سياسات الغطرسة والاحتلال والاستيطان وتدمير القدس والأقصى، وأن تتوقف عن العليائية الفارغة فالشعب الفلسطيني لا يملّ النضال، وقابلة لتكون بركانا ثائرا إن استمر دعم هذه الحكومة اليمينية للمستوطنين ليقوموا بالعمل القذر وعبر دعم عصابات الإرهاب والاستيطان سرا وعلنا، والذي لن يفيدها بل سيفضحها، وستتمدد الغضبة حتما إن لم يتخذ الإسرائيلي سياسة مد اليد للفلسطينيين نحو تحقيق الحقوق الفلسطينية المشروعة.

 وفلسطينيا أما آن للشرخ الوطني أن يندمل جرحه؟ وبداية بأن يتوقف المخرّصون والمناكفون والخارجون عن الصف عن التصيد وتعميق الشرخ والانقلاب وايهام الشعب بما لا يطيقه ما نراه من هؤلاء هنا وهناك، وبناء عليه فإن القيادة كلها مدعوة لأن تُحسن التعاطي مع غضبة القدس وثورة الشباب بالوحدة والخطة الشاملة التي ستكون بوابة القدس إلى السماء والى النصر إن شاء الله، والقادم حتما أعظم.