عاجل

الرئيسية » عناوين الأخبار » تقارير خاصة » تقارير خاصة »
تاريخ النشر: 16 نيسان 2020

الحياة في زمن كورونا.. عبور في ذكريات الأمس

نابلس– الحياة الجديدة– بشار دراغمة- تسحرنا الذاكرة، كل شيء تغير بلا موعد، تفاصيل الحياة تنقلب، المشهد المألوف يغيب عن العين ويجد في القلب مسكنا وفي الذاكرة منفذا لالتقاط صورة زحام ظننا ذات يوم أنه مشهد مقيت، لنكتشف فيما بعد أن تفاصيل حياتنا تكمن في المشهد المألوف ولا شيء غيره.

يطال السهر في زمن كورونا، نظام الحياة الروتيني يُصاب بصدمة تدفعه إلى التحول، لكن، إلى روتين آخر، قلة تنجو من عذاب الملل باتجاه الاستثمار المفيد للوقت، وآخرون يذوب وقتهم كالسكر الصناعي في طبق حلوى بات حاضرا كل مساء على مائدتنا، ونمرر صورته بفخر عبر الفيسبوك.

يحاول صابر صلاح، تنظيم الوقت وتتأرجح محاولته بين النجاح تارة والفشل تارة أخرى، يبحث في مواقع الانترنت عن الآلية الأمثل لاستثمار الوقت له ولأفراد عائلته، يهتدي مرة إلى القراءة ومرة اخرى لحديث مطول مع الأسرة وثالثة إلى رياضة بيتية ورابعة إلى العاب مع الأبناء، لكنه في أحيان كثيرة يغادر منطقة السيطرة فيجد تفاصيل حياته في دائرة من الفوضى التي يلاحقها محاولا ضبطها بخيارات جديدة.

مع كل صباح ومساء، نترقب مؤتمرا صحفيا يبعث فينا أملا أو صدمة، نشتم رائحة التفاصيل قبل أن تنطق الشفاه، فالابتسامة تدفعنا لتلقف خبر مبهج عنوانه "لا اصابات جديدة بفيروس كورونا" نستمتع بضع ساعات، ونحشو منصات التواصل الاجتماعي بمعلومة ذات مفعول قصير ينتهي تأثيرها بمؤتمر تالٍ يطل فيه المتحدث الرسمي وقد هجر ابتسامته، ليعلن حالة وفاة، أو لائحة إصابات جديدة بالفيروس اللعين.

تفاصيل اليوم "سعادة وحزن" بالنسبة للمواطنة، ايناس الحاج، مرهونة بالمؤتمر اليومي، وما يحمله من أخبار، فالمزيد من الإصابات يعني بالنسبة لإيناس حالة من القلق تستمر حتى موعد المؤتمر التالي فإما أن تتفاقم هذه الحالة أو تشهد تنفيسا مؤقتا بانتظار الواقع في صباح اليوم التالي.

العابرون إلى حاجة طارئة، ينظرون بغرابة إلى المشهد، رجل أمن يوقف السيارات ويسأل عن وجهتها ومبرر تحركها، تنظر من حولك بعد تقديم مبررك، تمر بسيارتك أو راجلا على قدميك وتلقي بعينك على كل زاوية ممكنة في الطرقات محاولا استغلال فرصة النظر المتاحة زمنيا ومكانيا، تبحث عن المشهد المألوف فلا تجد إلى ذلك سبيلا، تحاول أن تصنع مشهدا افتراضيا، لا تراه عيناك لكنك قادر على تخيله بعدما اعتدت على رصده على مدار سنوات مضت، ترسم صور ميدان يعج بالمواطنين، وبائع ذرة ينادي بكلمة غير عربية ما زلنا نجهل مفعولها، ويصدح صوته في إذنك "تيرس تيرس" ربما هي المرة الأولى التي تفكر فيها عن سر مفعول تلك الكلمة التي طالما اعتدت على سماعها.

تشتاق إيناس إلى كل هذه التفاصيل، وتتمنى أن ينتهي هذا الوباء في أقرب وقت وتعود الحياة إلى طبيعتها، لتضيف "لم أكن أدري أن في الزحام جمالا، وفي أصوات الباعة رونقا سنشتاق إليه ذات يوم".

تغادر الميدان دون أن ترصد بائعة الخبيزة على مدخل السوق، تتكئ على ما علق في ذاكرتك من صورة جمالية وترحل بينما ينطق لسانك بالدعاء "اللهم اجعل هذا البلد آمنا مطمئنا".