تلحمية تحارب كوفيد الموت بإرادة الأمومة وصناعة الأمل
عبير البرغوثي

أيام مضت ليست كباقي الأيام، خطر الخوف أشد من خطر الموت، والمجهول أشد قساوة من انتظار المكروه، ومع ذلك كانت نافذة من الزمن، أتاحت لمجموعة فندق الآنجل في بيت لحم الإفلات من أنياب "كورونا"، 17 متعافيا يتحررون من الحجر نحو حياتهم من جديد، خرجوا فرحين للحياة، كانت نانسي العرجا "أم ابراهيم" صاحبة الفندق والشريكة في إدارته في استقبالهم لحظة الإعلان عن إصابتهم واتخاذها القرار بالمكوث معهم طوال فترة الحجر،وكانت أيضًا حاضرة لحظةتعافيهم ووداعهم على أبواب حياة جديدة..لكن لماذا لم تكن "أم ابراهيم" أول المغادرين بعد انتهاء المحنة؟ ولماذا وقفت وكأنها جزء من المكان بكل ما فيه؟
هذه هي لحظة الوفاء لشعار "لن نترك أحدًا خلفنا بالفعل لا بالأقوال"، انه موقف "أم ابراهيم"بين قرارهابالبقاء لرعاية الـ 17 مصابا حتى تعافيهم وخروجهم من الحجر، وقرارها بالبقاء لرعاية من تبقى من مصابين حتى تعافيهم التام، هي غريزة الأم، وحنان الدنيا ومسؤولية مجتمع تجسدها "ام ابراهيم" في لحظة، "بقيت في الحجر حتى بعد خروج المتعافين الـ 17، واخترت أن أرعى كارلوس الحالة المصابة التي كانت نتيجة تحليلها ايجابية، صممت على البقاء معه ليشفى ويتحرر من الحجر كباقي رفاقه الذين غادروه متمنين له الشفاء واللحاق بهم"، هكذا ردت ام ابراهيم مؤكدة"لن تبقى وحيدًا كارلوس نحن معك حتى التعافي وعودتك سالمًا لعائلتك". فالعطاء ليس له خط نهاية عند سيدة من فلسطين عند امرأة من بيت لحم في زمن تشتد فيه المحن وتختبر فيه الارادات.
ان تشاهد صراع الحياة والموت بين المصاب و"كورونا" يشكل كابوسًا مرعبًا حتى وإن كنت طبيبًا متمرسًا، فكيف هول الحال إذا ما كان من يقف وجهًا لوجه أمام فيروس الموت (كوفيد -19) سيدة تطوعت بإرادتها لتكون في الخندق الأول بكل ما أوتيت من قوة وموارد وخبرة طبية وان كانت متواضعة، فهي مديرة فندق وليست طبيبة جراحة، أوخبيرة في مجال الطب الوقائي ومكافحة الأمراض المعدية، لكنها إنسانة تؤمن بدورها الإنساني في كل الظروف، ويتجدد هذا الإيمان في كل محنة يتعرض لها أبناء شعبنا من حين الى آخر، انسانة لسان حالها يقول "انا امرأة انتمي لمجتمعي في السراء والضراء".
بين طوابق فندقها في مدينة بيت لحم صنعت نانسي العرجا "أم إبراهيم" قصة صمود وتحد ومواجهة بكل قوة وعزيمة وايمان بالانتصار على فيروس الموت، لم تتردد في الانتقال من دورها كمالكة لفندق الانجل في بيت لحم،وتساهمفي إدارته الى جانب ابنتها ناريمان مديرة الفندق وابنها ابراهيم الذي يعمل مساعدًا إداريًّا،أسرة كانت تعمل لتأمين سبل العيش الكريم من تشغيل هذا الفندق كباقي الفنادق والمؤسسات التي تعتمد على تقديم الخدمات واستقبال السياح والزائرين للمدينة المقدسة، وفي لحظة من الزمن يتحول الفندق الى صرح إنساني عظيم، وتتحول الاسرة الى ملاك الرحمةومصدر الأمان والرعاية وبيت الامل لعودة الحياة لمصابين داهمهم (كوفيد – 19) بأنياب الموت على حين غرة، فكانت يقظةأم ابراهيم وبما توفر لديها من امكانيات وموارد حتى لو كانت بسيطة وبمساعدة فريقها من ابناء الاسرة والمتطوعين الرواد قلعة منيعة، وصوتهم يعلو في وجه الموت القادم "لن تمر مهما اشتدت الصعوبات".
"هي لحظات في الحياة تضع الانسان على مفترق طرق، وأمام خيارين، إما الانحياز للذات مهما كانت الظروف، واما التفاني في سبيلالجماعة والمصلحة العامة مهما كان الثمن عاليًا والتهديدات أشد ضراوة، هذه هي الاختبارات الحقيقية في الحياة، لا تقاس بالمال ولا تقيم بحجم المنفعة الشخصية، انها الايمان بأن سلامتي الشخصية من صحة وسلامة مجتمعي، "رسالتي في الحياة ليست فقط جمع المكاسب والغنائم، في لحظة من الزمن "علينا العمل لصنع الامل والحياة" وهذه الفكرة التي استولت على تفكيري منذ اللحظة الاولى التي وجدت فيها نفسي أمام 17 مصابًا يحتاجون للرعاية بكافة اشكالها، لحظة وضعتني أمام قرار صعب، أن احارب هذا الفيروس بكل امكاناتي، وأسعدني انني لم أكن وحيدة، فالأسرة ومجموعة الاصدقاء من المتطوعين الرواد، ساعدوني على حمل شعلة مقاومة هذا الفيروس ضمن هذه الدائرة التي كنت حتى الامس القريب اديرها كنزل تجاري، ولكنها بين عشية وضحاها باتت نموذجًا للمبادرات المجتمعية لمحاربة الهجوم الفيروسي، وهي نموذج للتلاحم بين كافة مكونات مجتمعنا" تقول "أم ابراهيم".
هذه هي روح الانسانة الفلسطينية صانعة الحياة والمحاربة بقواها الذاتية للعدو القاتل، مواجهة قد لا تكون متعادلة، لكنها صراع بين قيمة تؤمن بالمستقبل، وفيروس مسلح بقوته الفتاكة وغير المعروفة لكافة الجهات الطبية وغير الطبية، ومع ذلك الارادة تتعزز كل يوم والخبرة تتوسع وتتعمق كل يوم، المديرة برفقة أبنائها انغرسوا أكثر وأكثر في حربهم ضد هذا العدو، وعدم المعرفة يتحول الى سلاح وحافز للاستمرار، والعفوية تتحول الى تنظيم منسق لكافة مرافق الفندق ليصبح خلية عمل منظمة وموزعة بعناية لاستقبال وعزل ورعاية المصابين، والتطوع يتحول الى منظومة عمل موزعة بإتقان وأدوار لكافة أعضاء الفريق، والنواقص والسلبيات التي كشفتها الجولات الأولى من المعركة، تتحول تدريجيًّا لنقاط قوة، والمواجهة مع التهديد والاصابات ومتطلبات الرعاية تتحول الى برنامج عمل متناغم وفق إجراءات صارمة، تحمي الموجودين من أنفسهم، وتعزز صمودهم، وتتحول أفكار الانسحاب أو التردد أو الخوف الى موجات من الصمود والفرح، نحن نعزز روح البقاء والامل أن "الغد لنا والموت لكوفيد-19" هذه هي قناعة أم ابراهيم وهي تتحول من لحظة الصدمة الاولى والارتياب والخوف من الموت القادم، لتصبح أيقونة العمل الانساني في مواجهة كورونا ومكافحة سلسلته وكسر انتشاره، لتعود البسمة لوجوه كافة المصابين وترتفع اصوات الفرح بتعافي المصابين موجة بعد أخرى.
ان تكون ام ابراهيم في خندق المواجهة فهذا ليس بالجديد عليها، فقد وقفت الهمة نفسها في أحداث سابقة، ولكن في هذه المرحلة التضحية كبيرة، والمخاطرة كانت في أقصى درجاتها، ففي القلب من المكان الذي كان يحتضن المصابين، وفي قلب مكان الحجر الصحي، كان الى جانبها ابناؤها يحاربون جنبًا الى جنب، ولكن "لم تكن الامور سهلة علينا جميعاً" تقول ام ابراهيم، مضيفة: "ما ضربني كالصاعقة وكاد يكسرني في منتصف الطريق اصابة ابنتي التي كانت تتولى الجزء الاكبر في إدارة الفندق وابني ابراهيم الذي يشاركها الإدارة بالفيروس أثناء عملهما معي، ما جعل الضغط علي يزداد،والسهر ومتابعة أدق التفاصيل عن قرب وضعف المعلومات عن الفيروس وطرق الوقاية وطرق التعامل معهما ومع المصابين، كانت بيئة مهددة وخطيرة علينا جميعًا، كانت لحظة صعبة بين دورك كأم ودورك كصانعة أمل في عيون من باتوا أمانة في عنقك، لا يوجد امامك سوى الاستمرار، مواصلة الرسالة، فإصابة ابنائي ينبغي ان تزيد من صلابتي وايماني ودوري تجاه جميع المصابين، لأنهم جميعا أبنائي بكل مافي الكلمة من معنى، استجمعت كل طاقتي، دفنت توتري وخوفي في مكان عميق في نفسي، ولساني حالي يقول: لن يمر اليأس والخوف الى قلبي، لن يراني أحد إلا إنسانة مؤمنة أن الحياة لنا والموت للمرض".
"إنها تجربة خطيرة وفريدة، وفي الوقت نفسه أشبه ما تكون برحلة عبر غابة محفوفة بالمخاطر، رحلة بدأت من لحظة ابلاغنا في الأول من شهر آذار أن هناك اصابات بالفيروس بين نزلاء وسياح الوفد اليوناني الذي كان في الفندق في أواخر الشهر ذاته، خبر وقع علينا كما الصاعقة، فمجرد وجود إصابة يعني تبعات لها أول وليس لها آخر، خاصة في الايام الأولى، حيث كنا في مواجهةالمجهول، ومنذ ذلك اليوم انطلقت معركتنا ضد الفيروس من بين غرف وصالات الفندق، وباتت الغرف التي تعج بالنزلاء للحجر وحماية المصابين وحماية غير المصابين، ومن هناك قررت البقاء في الفندق ولم أعد لمنزلي حتى اليوم، شهر وأكثر ونحن في هذه المواجهة، ليس فقط ضد الفيروس من خلال اجراءات الوقاية والحماية والتعليمات الاحترازية، ولكن ايضًا من انفسنا كبشر، وقع الاصابة والحجر ليس حدثًا لطيفًا، البعض شعر بالإهانة وان وصمة الفيروس ستكون كلعنة اجتماعية وصحية تلاحقه، فخرج عن طبعه، فكسر الاثاث، والبعض كاد يذهب لأبعد من ذلك بالتفكير بالانتحار، ردود أفعال الناس لم تكن سهلة في ظروف كالتي أحاطت بحجم الخطر والموت الذي يتركه هذا الفيروس على المصابين وعلى الناجين"، تقول أم ابراهيم.
لكن توقيت الأحداث يزيد من تأثيرها، وهنا تضيف أم ابراهيم "من أصعب المواقف التي واجهتني خلال فترة الحجر،عندما وصلني خبر وفاة والدة أحد الشباب المحجورين، وهو الشاب عبدالله،الذي لم يتمكن من رؤية والدته أو حتى حضور جنازتها واكتفى بوداعها من أمام مبنى الفندق، ضمن إجراءات وقائية تم الإشراف عليها من قبل وزارة الصحة في مدينة بيت لحم، هذه هي اللحظات الانسانية القاسية التي تعصر القلب والروح لكن لمأنكسر لها،لأن وقع الهزيمة أكثر ايلامًا من هذه المواقف".
لم تكن المهمةسهلة، كان لزامًا على أم ابراهيم ان تكون مديرة عسكرية للمكان لضمان الأمن والسلامة العامة، وينبغي ان تكون طبيبة ومعالجة نفسية، وفي الوقت نفسه ان تكون صديقة ويد رحمة وابتسامة أمل تبعث على الامل والحياة لتعزز صمود من بدا يغزوهم اليأس، ولم تنس دورها ومشاعرها كأم، فهناك بين المصابين فلذتاكبدها اللذان كانا ذراعيها وجناحيها اللذين تقوى بهما في هذه المحنة الخطيرة، أراد كورونا بإصابته لابنيها ان يكسر لها جناحيها، لكن عزيمتها خلقت ألف جناح، فعلت نغمات الفوز وتراجعت أنياب كورونا، فعزيمة نسائنا أقوى من الفولاذ، وقلوبهن سفينة الحياة.
"الأزمات تبدأ كبيرة كما المصائب ومع الوقت تبدأ بالانحسار"، هكذا تصف أم إبراهيم تجربتها في مواجهة كورونا قائلة: "فلم نكن وحيدين في المعركة، فالمؤسسات الرسمية ممثلة بوزارة الصحة والمحافظة والأمن الوطني ونقابات الاطباء والصيادلة ومؤسسات القطاع الخاص والاهالي جميعًا، كانوا سببًا وقوة نجاح لنا، فحتى المغتربين من الابناء والأصدقاء تواصلوا ليقدموا يد العون بأشكالها المادية والمعنوية، فالإنسانية لا تعرف حدود، والمسؤولية الوطنية لا تنحني مهما كانت الأسباب، ويكفي الإشارة الى مساهمة ابنتي من كاليفورنيا وبحكم عملها في مختبرات بحثية في مجال كورونا ومساندتها لنا بالتعليمات والارشادات، كل ذلك مكننا من تطوير قدراتنا في التعرف على نفسيات المصابين، وكيفية التعامل معهم، وكذلك كيف نحميهم مع مرور الوقت في الحجر".
أخيراً تقول ام ابراهيم: "النصر يتم من خلال الفريق، من خلال ان نعمل معًا، ربما تكون اللحظات شاقة، وربما تكون القناعة بالفوز ضعيفة في البداية، وربما نفتقد للصبر بحكم طبيعتنا كبشر، ولكن الايمان بالهدف، والقناعة بنبل الرسالة التي نعمل من أجلها، كفيلة أن تغير المعادلات، كفيلة أن تفتح طاقة كبيرة للأمل والفرج، ونحن كأمهات علينا دور كبير في هذه المرحلة، نحن من نصنع الحياة حينما ننجب الأبناء والبنات، ونحن من لدينا القدرة على خلق الابتسامة وإشعال روح الإنسانية داخل ابنائنا ونحن من يمكنهمإطلاق العنان لطاقات الابداع والمساهمة في هذه المعركة ضد فيروس الموت، فنحن لسنا مجرد ربات بيوت، نحن الحصن المنيع لأسرنا ومجتمعنا، ولا أحد يستهين بطاقتنا اذا ما أخذنا زمام المبادرة".
كم نحن بحاجة لنساء ونماذج تضيف الى نموذج فندق الانجل ومبادرة ام ابراهيم قصص نجاح وقوة مثال تقهر المرض وتحارب الاصابات، وتصنع بايديها أملاً جديداً لان شعبنا يستحق الحياة، وهو قادر على خلق المبدعين والمناضلين والمحاربين في كل الميادين، وفلسطين أرض تستحق الحياة، والتحية لكل فلسطينية تنتصب في وجه الخطر والموت لتصنع فرقاً في الحياة، وبجهودكن وجهود شعبنا ومؤسساتنا سنحمي ابناءنا ونقهر "كورونا" كما قهرنا غيره من الاعداء.
مواضيع ذات صلة
المؤتمر العام الثامن لحركة فتح ينتخب الرئيس محمود عباس رئيسًا للحركة بالإجماع
مستعمرون يهاجمون بيت إكسا ويعتدون على المواطنين
الأردن يدين اقتحام "بن غفير" للمسجد الأقصى المبارك
دائرة شؤون القدس: دعوات إزالة الأقصى ومسيرات المستعمرين تصعيد خطير يستهدف هوية القدس ومقدساتها
الاحتلال ينفذ أعمال بناء فوق سطح مبنى بلدية الخليل القديم المغلق منذ سنوات
المتطرف بن غفير يقتحم الأقصى ويرفع علم الاحتلال
قنصلية فلسطين بجدة تحيي الذكرى الـ78 للنكبة