عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 30 أيلول 2015

أفول الهجرة اليهودية أم تراجعها؟

نبيل السهلي

مرّ على قيام إسرائيل أكثر من سبعة وستين عاماً، ولا يزال الاهتمام فائقاً من قبل القادة والأحزاب والاستراتيجيين فيها بتهجير مزيد من يهود العالم إليها، بغية تحقيق التفوق الديموغرافي على العرب أصحاب الأرض الأصليين من جهة، وتأمين المادة البشرية لتنفيذ أهدافها الإستراتيجية من جهة أخرى. ولهذا يستغل قادة إسرائيل المناسبات كافة للتأكيد على أهمية جذب المزيد من يهود العالم، إذ تعد الهجرة اليهودية من أهم ركائز استمرار هذه الدولة.

ويتفق الباحثون على أن ثمة أسباباً لنضوب الهجرة اليهودية، أو على الأقل تراجع أرقامها، وفي المقدمة تراجع عوامل الطرد لليهود من بلادهم الأصلية، فضلاً عن تراجع عوامل الجذب المحلية، وتبعاً لذلك عقدت في إسرائيل خلال الفترة بين 2000 و2015 عدة مؤتمرات، تضمنت توصياتها حث أصحاب القرار على إعطاء الهجرة اليهودية إلى إسرائيل أهمية فائقة نظراً لتراجع موجات هذه الهجرة بعد عام 2000، في مقابل النمو المرتفع للسكان العرب سواء داخل الخط الأخضر أو في الضفة الغربية وقطاع غزة.

كما ركزت وسائل الإعلام الإسرائيلية على تهيئة الظروف لجذب مزيد من يهود العالم الى الأراضي العربية المحتلة لتحقيق التفوق الديموغرافي على العرب داخل فلسطين، وانصب الاهتمام الإسرائيلي على محاولة جذب يهود الهند والأرجنتين خلال السنوات الماضية، بعد تراجع أرقام الهجرة من الدول ذات مؤشرات التنمية البشرية المرتفعة مثل الولايات المتحدة وكندا وفرنسا وبريطانيا وغيرها.‏

ومن الأهمية الإشارة إلى أن الهجرة اليهودية إلى إسرائيل تعتبر حجر الزاوية لبقاء إسرائيل كدولة يهودية. وتشير الدراسات إلى أن الحركة الصهيونية استطاعت جذب نحو 650 ألف مهاجر يهودي حتى شهر أيار (مايو) من عام 1948، وبعد إنشائها في العام المذكور، عملت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة على اجتذاب مهاجرين جدد من يهود العالم، بلغ عددهم نحو أربعة ملايين يهودي خلال الفترة بين 1948 و2015، بيد أنه هاجر نحو 20 في المئة منهم نتيجة عدم قدرتهم على التلاؤم مع ظروف مختلفة عن بلدان المنشأ في أوروبا والولايات المتحدة وغيرها من الدول.

ويجمع باحثون في الشؤون الإسرائيلية، على أن الفترة الذهبية للهجرة اليهودية كانت بين الأعوام 1948 و 1960، وكذلك بين 1990 و 2000، حيث ساهمت الهجرة خلال هاتين الفترتين بنحو 65 في المئة من إجمالي زيادة أعداد اليهود.

وبعد انطلاق انتفاضة الأقصى في نهاية أيلول (سبتمبر) 2000، واهتزاز هيبة الأمن الإسرائيلي، برزت أسئلة عدة حول مستقبل الهجرة اليهودية، إذ يلعب الاستقرار الأمني على الدوام دوراً هاماً وحاسماً في جذب اليهود إلى إسرائيل. وتشير دراسات متخصصة إلى تراجع أرقام الهجرة اليهودية من نحو سبعين ألف مهاجر في عام 2000 إلى 43 ألفاً في عام 2001، ومن ثم الى 30 ألفاً في عام 2002، ولم يتعدّ الرقم 19 ألفا خلال العام الواحد في الفترة بين 2003 و2014.

وبطبيعة الحال كان ميزان الهجرة اليهودية خلال الفترة المذكورة سلبياً لصالح الهجرة المعاكسة في بعض السنوات. ومن غير المتوقع حصول زيادة كبيرة في أرقام الهجرة اليهودية خلال السنوات الخمس القادمة. وما يقلق إسرائيل استعداد نسبة كبيرة من الشباب اليهود فيها للهجرة المعاكسة.

وتشير دراسات إلى أن 400 ألف يهودي لن يعودوا إلى إسرائيل، وغالبيتهم يحملون جنسيات دول أخرى، وخاصة أميركية وأوروبية. ‏وتبعاً لهذه الأزمة، تسعى إسرائيل بالتعاون والتنسيق مع الوكالة اليهودية الى تمويل حملة كبيرة ومنظمة لجذب نحو 200 ألف يهودي من الأرجنتين، وعدة آلاف من يهود الفلاشا، فضلاً عن محاولات حثيثة لاجتذاب نحو 80 ألفاً من الهند وجنوب أفريقيا.

ولم تتمكن الدعاية الإسرائيلية من جذب أكثر من 6.3 ملايين يهودي الى إسرائيل ومستوطنات الضفة الغربية، بما فيها القدس، حتى منتصف العام الحالي، يمثلون نحو 48 في المائة من إجمالي اليهود في العالم.

والثابت أن غالبية يهود العالم مواطنون في الولايات المتحدة وأوروبا، حيث مؤشرات التنمية هي أعلى من مثيلاتها في إسرائيل، ولذلك لا توجد عوامل طاردة لليهود من تلك الدول باتجاه إسرائيل، لهذا يمكن الجزم بأن هناك احتمالاً كبيراً لتراجع عدد المهاجرين اليهود إلى إسرائيل في المدى القريب، ولذلك طرح قادة إسرائيل فكرة ترسيخ وتعزيز يهوديتها مجدداً كعامل جذب هام ليهود العالم. ويعتبر ذلك بمثابة الهدف الأهم من وراء طرح ومحاولة تعميم وترسيخ الفكرة المذكورة خلال السنوات الماضية.

عن "الحياة" اللندنية