عويضة ..يحمل عِبْق التاريخ في خبزه

غزة - فاطمة الزهراء السموني - الحياة الجديدة -كانت تعمد أم محمد أبو عمو على تحضير أقراص الخبز منذ ساعات الصباح الأولى؛ من أجل أن تسابق الزمن قبل انقطاع التيار الكهربائي، لكنْ ذات يوم خانها حَدْسُها وانقطعت الكهرباء قبل أن ينضج نصف مما أعددت من أقراص، فما كان باليدِ حيلة سوى أن تضع أقراص الخبز بصفوفٍ متراصة داخل وعاءٍ كبير، لكي يحملها ابنها الأكبر محمد متجهًا بها إلى مخبز أبو أحمد والذي يبعد عن منزلها بضعة أمتار.
يحمل محمد الوعاء الممتلئ بأرغفة الخبز، فما أن اقترب من مخبز أبو أحمد فإذا برائحة الخبز المنبعثة تعمُّ الأرجاء، فحين وصوله جثى على ركبتيه بجوار وعاءه؛ لينتظر دوره وسط حشدٍ من أهالي الحي.
بيدينِ تعتريهِمَا الشقوق يتمسكُ كلَّ صباحٍ بمفتاحِ بابِ رزقهِ، يجوبُ طريقه بخطواتٍ مثقلة، صبحي عويضة "أبو أحمد" (72 عامًا)، يحترفُ مهنة الخِبازة اليدوية التي توارثَها عن أجدادِه حيثُ امتهنُوها منذ 100عام.
الظروف القاسية آنذاك تكالبت على أهالي المدينة، مما اضطر عويضة لتخلُّفِه عن دراسته منذ نعومة أظافره مرغمًا على العمل مع والده في المخبز، محاولاً التعايش مع الواقع الذي فُرِضَ عليه حتى بات يبني أحلامًا للاستمرار في تلك المهنة التي وجد المتعة فيها فيما بعد.
جدرانٌ متهالكة في إحدى زوايا المدينة الحزينة، تُسخِّر نفسها للمواطن الغزّي حينما تلاطمت الانفجارات من كلِّ حدبٍ وصوب عام 2008، هبَّ صبحي محاولاً إنقاذ بطونٍ خاويةٍ تفتقر رغيفَ خبزٍ تقتاتهُ في يومها.
أبو أحمد صاحب مخبز الفرقان الذي أنشأه منذ 12عامًا في حي الزيتون, كان بقعة أملٍ لكثيرٍ من المواطنين , حينما توالت سوء الأوضاع واشتدت حدة الأزمات من انقطاع كهرباءٍ وندرةِ وقودٍ مما جعله ملجأً لأهالي الحي.
شهدت صباحات حيّ الدرج على وَقْعِ أقدام صبحي ووالده واثنين من إخوته، إلى أن أخذت انتفاضة الحجارة لقمة عيشهم من بين أيديهم, فحالت به الظروف لترك البلد والولد متوجهًا إلى أراضي مدينته المحتلة, ليمكث فيها14 عامًا في صناعة المعجنات والخبز والحلويات ما لذّ منها وطاب.
توالت الأيام وازداد تشبُّث عويضة بمهنته، ولم يتبادر يومًا إلى ذهنه الندم على أنه أفضى جُلَّ عمره يحمل مِطرحَتَهُ الخشبية, والتي دفعته أفكاره ألا يُقْبِل على تطوير مخبزه الذي يحمل في تفاصيل قِدَمِه عراقةَ المهنة.
وأردف أبو أحمد قائلاً: "مضلش في العمر قد ما مضى، إحنا هلقيت بنتسلى تسالي على قدنا" ليوضِّح رفضه الشديد على التوسع في مكان عمله الذي يمتلكه صديقه".
وتعتبر مهنة الخبازة اليدوية من المهن التي كانت رائجة قديمًا ، لكنها في الفترة الحالية مهنة تكاد تندثر، فأبو أحمد ما زال يحافظ عليها في عصرٍ يحملُ أوْجَ الحضارة وتطورها.


مواضيع ذات صلة
الرئيس: المؤتمر الثامن لحركة "فتح" محطة مفصلية لمراجعة مسيرتنا ووضع رؤية وطنية جامعة للمرحلة القادمة
مستعمرون يشرعون بتجريف أراضٍ زراعية غرب سلفيت
بمشاركة الرئيس: انطلاق أعمال المؤتمر الثامن لحركة "فتح"
72,744 شهيدا حصيلة عدوان الاحتلال على غزة
شهيد ومصابون في قصف الاحتلال واستهدافه المواطنين في قطاع غزة
رئيس الوزراء الإسباني لمؤتمر "فتح" الثامن: ملتزمون بحل عادل قائم على الشرعية الدولية
خوري يبحث أوضاع الكنائس والتحديات التي تواجه الوجود المسيحي في فلسطين