عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 29 أيلول 2015

عطية العبطان.. ابو العروبة

عيسى عبد الحفيظ

عراقي المنشأ والجنسية, قومي التوجه عربي حتى النخاع. سريع الغضب, لكن غضبه يتفجر دفعة واحدة عندما يرى عربيا لا يكترث لعروبته وقوميته ووحدة أمته. بالمناسبة ما زالت جنين تحتفظ بمقبرة الشهداء العراقيين الذين سقطوا على أرض فلسطين في زمن النكبة. أذكر هنا عندما قمنا بزيارة مقبرة الشهداء مع المنشد المرحوم (ابو عرب) وكيف وقف يغني على القبور صادحا بالميجانا والعتابا وكل ما قاله من تأليفه هو وكان ابن اللحظة!

جاء عطية متطوعا في صفوف حركة فتح حاملا اسما لا يسمح لأحد أن يناديه إلا به "ابو العروبة"

كان يردد أن في قلبه غصتين, الأولى فلسطين السليبة, والثانية لواء الاسكندرون, لكنه كان يزيد في كل مرة وجعا ثالثا وهو لواء عربستان الذي أنتزع من العراق وضم الى ايران قبل ذلك بعقد من الزمن.

أصيب أبو العروبة في ساقه اصابة سببت له عرجا واضحا في المعارك التي خاضها في شمال العراق, لكن الاصابة لم تمنعه من الالتحاق بالجيش العراقي الذي قدم ليساهم في حرب أكتوبر 1973.

عمل معلما في مدرسة كارمردي المحاذية لمنطقة الحكم الذاتي الكردي. لم تسمح له السلطات بمغادرة العراق من خلال معبر ابو الشامات الفاصل بين سوريا والعراق حيث كان بحاجة الى تصريح خروج كونه موظفا رسميا, لكن ابو العروبة استخدم كل مخزونه من وسائل الاقناع القومية مستندا على رأيه بأن هذه الحرب وجودية بالنسبة للأمة العربية, ويبدو أن كلماته الصادقة الآتية من أعماقه الانسانية العروبية الوطنية أقنعت ضابط الحدود واهتز ضميره القومي فسمح له بالمرور الى الأراضي السورية, ومن هناك فورا الى هضبة الجولان مسابقا الزمن للمشاركة في المعركة المصيرية على حد تعبيره, والتي ستحدد مستقبل الاجيال القادمة من الأمة العربية, وتحقق وحدتها, وتنهض بها الى عصر جديد ينتقل فيه المواطن العربي من المحيط الى الخليج دون حدود!؟

وصل ابو العروبة الى ساحة المعركة, لكن هنري كيسنجر كان قد سبقه, وتم البدء في وقف لاطلاق النار!

كيف له الآن أن يعود الى العراق وماذا سيقول لتلاميذه الذين كانوا يستمعون يوميا لدروسه في القومية؟

اتخذ (ابو العروبة) قراره الحاسم, لا عودة قبل هزيمة الصهيونية. انخرط فورا بالعمل الفدائي الفلسطيني, ودخل في عملية من الاراضي اللبنانية وسرعان ما اشتبك مع الجيش الاسرائيلي وكانت النتيجة سقوط ابو العروبة جريحا أسيرا وانتهى به المطاف الى سجن عسقلان الرهيب حاملا حكمه المؤبد.

لم يؤثر حكمه بالمؤبد على قناعاته القومية, بل زاد من تمسكه بمبدأ حتمية النصر, الأمر الذي وضعه في خانة التحدي الدائم للسجانين والمحفز الدائم للمعتقلين.

تجلت مواقفه الجادة بالحرص على توحيد صفوف المعتقلين, ولعب دورا فعالا ومميزا في رص بنيان الوحدة الوطنية. كانت مواقفه المبدئية حجر الاساس في نجاح الاضراب الاول في سجن عسقلان. نهض احد المعتقلين بعد خمسة واربعين يوما على بداية الاضراب عن الطعام يشتكي بعد ان انهكه الجوع والضعف قائلا "أليس من نهاية لهذا الوضع؟" تركت كلماته أثرها على باقي السجناء المضربين فأوشكت التجربة على الفشل دون تحقيق أهدافها.

عندما شاهد (ابو العروبة) بوادر كسر الاضراب نهض لكنه ما لبث ان سقط منهكا من نقص السكر والاعياء, لكنه ما لبث أن نهض ثانية وصرخ بكل ما أوتي من بقية قوة: "ما الذي تقولونه؟ الطعام رديف الهزيمة, ألم نكتف من الهزائم؟ في هذه الغرفة نحن نخوض معركة القومية العربية ضد الحركة الصهيونية, كل معارك القومية العربية مهمة, حتى هذه المعركة في هذه الغرفة الحقيرة في هذا السجن الحقير, أنها لا تقل أهمية عن معركة ذي قار, والقادسية, واليرموك, لن أسمح أبدا ان تهزم القومية العربية في مواجهة الصهيونية العالمية".

استمر (ابو العروبة) في خطبته المشحونة بالتمرد, واستطاع الغاء التباكي على لقمة الخبز واستمر الاضراب.

اطلق سراح (ابو العروبة) في عملية التبادل المشهورة بعملية "النورس" وعاد الى العراق, لكنه لم يكن ليستريح, فمع عودته اندلعت حرب الخليج بين العراق وايران, فعاد مرة أخرى ليقاتل في صفوف الجيش العراقي لاستعادة عربستان, واستمر في قتاله الى ان سقط في شمال العراق عام 1981.

ابو العروبة مثل حي لشهامة العروبة, وتأكيد آخر على وحدة المصير من المحيط الى الخليج.

رأى في فلسطين القاسم المشترك الأعظم لكل هموم الأمة فارتمى بكل ثقله فيها ليجسد وحدة المعركة ووحدة الهدف ووحدة المصير.

رحم الله شهداءنا, شهداء أمتنا العربية من المحيط الى الخليج

والمجد والخلود لهم جميعا