استعمار فلسطين.. "صراع معقد" بين طرفين "متساويين" في رواية كولوموم ماكان الأخيرة!

اشترى مخرج هوليوود ستيفن سبيلبرج مؤخرًا حقوق الفيلم لرواية عن "إسرائيل وفلسطين" قبل نشرها وهو أمر قد يعيدنا بالتاريخ إلى لحظة ثقافية مؤسفة سبق رؤيتها، ففي منتصف الخمسينيات موّل مدراء تنفيذيون متنفذون في هوليوود كتابة رواية لليون أوريس لبيع أجندة مؤيدة لإسرائيل للخيال الشعبي الغربي وكانت النتيجة رواية النزوح "Exodus" التي تصدرت قائمة الروايات الأكثر مبيعاً ثم تحولت فيما بعد إلى فيلم حقق رواجًا كبيرًا يروي أحداثًا حقيقية (عن سفينة تحمل لاجئين يهود يبحرون إلى فلسطين( كبذرة لأسطورة متقنة "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض" عملت على إخفاء المالكين الأصليين للأرض.
وكانت هذه القصة هي النهاية السعيدة التي تحتاجها أوروبا بعد الإبادة الجماعية لمواطنيها اليهود وقَبِل ملايين الناس بهذه الرواية باعتبارها الحقيقة المطلقة التي تدعمها سلطة الكتاب المقدس، ولكن هذا -كما يعلم الجميع الآن- كذب فلقد كان لفلسطين مجتمع قديم وممتد وعندما جاء الصهاينة الأوروبيون إلى بلادهم وارتكبوا المذابح والمجازر المنظمة والموثقة لطردهم، ناشد الفلسطينيون العالم للمساعدة ولكن دون جدوى، فقط عندما نظمنا أنفسنا في مجموعات مسلحة واختطفنا الطائرات، أُجبر العالم على الاعتراف بوجودنا.

ومع تراجع ادعاءات الرواية الصهيونية أن فلسطين كانت أرضًا بلا شعب، غيّر الصهاينة الرواية (من خلال عدد لا يحصى من الأفلام والكتب والإعلانات) وصوّروا الفلسطينيين على أنهم حمقى وإرهابيون عرب، وهي تصورات لا تزال قائمة في وسائل الإعلام حتى يومنا هذا. ولكن مع مجيء الإنترنت الذي حول العالم عن طريق وسائل التواصل الاجتماعي إلى قرية صغيرة، تمكّن العامة من مشاهدة مقاطع الفيديو والصور وروايات شهود العيان ووسائل الإعلام المستقلة وتقارير حقوق الإنسان والأمم المتحدة التي كشفت عن القمع الإسرائيلي السادي للفلسطينيين.
الموضوع "معقد" وأساطير متغيرة أخرى
لقد تخبّطت إسرائيل وهي تبحث على مدى العقدين الماضيين عن استراتيجية للتعامل مع اطلاع الشارع والشعوب على تعفنها الاستعماري، فقد أصبح من الصعب إخفاء الإنسانية الفلسطينية، فوقّعت اتفاقية مع فيسبوك وتعاونت مع شركات وسائل التواصل الاجتماعي الرئيسية الأخرى لفرض الرقابة على الصفحات الفلسطينية ووسمت منتقدي إسرائيل على أنهم معادون للسامية، الأمر الذي أدى إلى تدميروظائفهم وأسوأ من ذلك أنها صادقت على مشروع قانون لملاحقة الطلاب والناشطين من خلال المحاكم وقد نجحت في دفع تشريعات حول العالم لتجريم انتقاد إسرائيل.
أما على الصعيد الثقافي، فقد حرصت إسرائيل على تدشين حملات علاقات عامة يهدف أنصارها من خلالها إلى تضليل العوام بعبارات مثل "إن الموضوع معقد" - " إنه صراع....مستمر منذ آلاف السنين" وللأسف، يتم التعاطي مع الصراع على أنه بين "جانبين"، كما لو أن تدمير مجتمع محلي أعزل هو أمر يتعلق بحزبين متساويين لا يوجد بينهما تفاهم يحتاجان إلى القليل من الوساطة وبعض الحوار ثم ينتهي الموضوع وتعود الأمور إلى نصابها.
وبالرغم من كل هذه الجهود المضنية إلا أن ذلك لم يقلل من أثر حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات (BDS) وهي حركة مقاومة شعبية عالمية أشركت الملايين من الناس في جميع أنحاء العالم الذين سئموا من الحصانة الاستثائية لإسرائيل والاستعمار المستمر لفلسطين.
ابيرغون (Apeirogon)
أطلق كولوم ماكان اسم الابيرغون Apeirogon)) على روايته الأخيرة، والأبيرغون هو شكل هندسي له عدد لا نهائي من الجوانب المعدودة وفي ذلك إشارة إلى التعزيز اللامتناهي لخطاب "الجانبين" الذي تروّج له إسرائيل.
الرواية سيرة ذاتية أكثر منها خيال وتستند إلى قصة واقعية لصداقة بين فلسطيني وإسرائيلي هما بسام عرامين وهو فلسطيني قضت ابنته عبير برصاصة في الرأس على يد جندي إسرائيلي في عام 2007 ورامي الحنان وهو إسرائيلي قُتلت ابنته سيمدار في تفجير انتحاري عام 1997، وتتمحور رسالة الكتاب -الذي يدعمه كلا الرجلان بشكل كامل-حول قوة التعاطف.
وفي حديث لي مع بسام عرامين أخبرني أن ثلاثتهم (بسام ورامي وكامان) سيذهبون في جولة معًا، ولكن مثل رواية النزوحExodus”"يروي الكتاب قصة حقيقية لبيع كذبة أكبر بكثير.
المستعمرون والسكان الأصليون
تخيل (بأسلوب ماكان) أن فتاة صغيرة من قبيلة أوغلالا لاكوتو (Oglala Lakota Nation)في محمية باين ريدج (Pine Ridge) للسكان الأمريكيين الاصليين حُطِم رأسها من قبل ابن مستوطن أبيض وتُركت لتنزف حتى الموت في ذراعي والدها العاجز وبعد فترة ومن رحم الألم المشترك تزدهر علاقة صداقة حقيقية بين الرجل ومستوطن أبيض (يجب أن تكون الصداقة بناء على رغبة الرجل الأبيض لأن الأب لا يمكنه مغادرة المحمية) قُتلت ابنته على يد مجموعة من الشباب المحاربين من الهنود الحمر الذين يُطلق عليهم بريفز(Braves) الذين هاجموا مستوطنة قيد التوسعة، ومن ثم يأتي روائي تلهمه هذه الصداقة غير المعتادة ويشعر أنها بصيص الأمل لمستقبل الأمة ويقرر كتابة كتاب كمسعى من مساعي تضخيم صوت السلام وُلدت من الاعتقاد بأن أي شيء يمكن حله بالمساعي الخيرية لذوي النية الحسنة.
لا يحاول الكاتب التعتيم على الأهوال التي لحقت بالسكان الأصليين، بل بالعكس يقدم وجهًا حقيقيًا للثوب الاستعماري ولكن تكمن المشكلة بأنه يعرض العنف المحلي للسكان الأصليين على قدم المساواة مع ذلك الناتج عن المستعمرين البيض كما ويشبّه انعدام الأمن والخوف الذي يشعر به المستعمر الأبيض نتيجة لمقاومة السكان الأصليين لاستيطانهم بالخوف وانعدام الأمن نفسه الذي يشعر به السكان الأصليون مما يعني أن هناك تكافؤًا ضمنيًا بين الطرفين، فوالد أوغلالا يخبرالكاتب كيف تمكن من رؤية إنسانية المستوطن الأبيض لأول مرة من خلال هذه الصداقة ويخبره الرجل الأبيض عن إنسانية السكان الأصليين، وبهذا فإن المحرك الاستعماري الأمريكي للإبادة الجماعية جنبًا إلى جنب مع العبودية يصبح مجرد سوء تفاهم كبير، مشكلة يجب حلها عن طريق الحوار والتعاطف والتفاهم البسيط " فهم لديهم عائلات أيضًا" كما يقول ماكان من على لسان بطل روايته الفلسطيني.

فلو استدلبنا الفلسطيني في هذه الرواية بأغولالا لاكوتا وفلسطين بمحمية باين ريدج والإسرائيليين بالمستوطنين البيض (على الرغم من أن هذا لا يحتاج إلى تغيير) نحصل باختصارعلى رواية كولوم ماكانالتي طال انتظارها والتي قد تصبح فيلم سيحقق رواجًا كبيرًا.
للتوضيح، أنا لا أقارن أو أساوي أشكال أو حالات الظلم لكنني أحاول أن أوضح باستخدام نموذج تاريخي معروف ومفهوم (بعد فوات الأوان) أن قصص العلاقات الفردية في ظروف التفاوتات الهائلة في القوة ما هي إلا عروض جانبية للتطبيع، وبالتأكيد مثل هذه القصص لا تشكل مقاومة للاضطهاد الهيكلي الواقع على الشعوب.
و في هذا السياق يمكننا أيضًا أن نرى أوجه التشابه مع نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا في بانتوستان، أو بلجيكا في الكونغو، أو ألمانيا النازية في الجيتو اليهودي في وارسو أو كو كلوكس العنصرية (مجموعة من المتعصبين البيض) في الميسيسيبي، فأفراد هذه الجماعات الفظيعة كان لهم عائلات أيضًا، أليس كذلك؟
النزوح "الجزء الثاني" Exodus 2.0))
من المحتمل أن تكون رواية أبيروجون هي الجزء الثاني من قصة النزوح التي أعيد تجهيزها وتعديلها لزيادة الوعي العام بالمعاناة الفلسطينية تحت نير الإرهاب الإسرائيلي المتواصل.
عندما سألت بسام عما إذا قرأ الرواية قال" لقد حاولت، لكن الأمر كان مؤلما للغاية"، وأنا أرى السبب فمالكوم ماكان يروي تفاصيل قتل فتاتين صغيرتين ناشرًا إياها على مئات الصفحات ويضيف تفاصيل جديدة مع كل تكرار إلى أن يصل القارئ لمرحلة لا يشعر فيها أنّ ما قرأه بالبداية كان مؤلمًا وهذه طريقة مثيرة للإعجاب في تطبيع العنف إذا كان هذا مقصد ماكان.
تتخلل القصة أجزاء متباينة من المعلومات التي تم تجميعها معًا من أنماط هجرة الطيور والملوك القدماء إلى كنيسة سيستين والمتفجرات في نوع من أنواع العمق القسري الذي يهدف إلى ربط كل الأشياء في كل مكان وفي أي وقت بطريقة أو بأخرى بـ "إسرائيل فلسطين".
فخلال هذه القصة، يدمج ماكانأسوأ مخاوف الأهل مع الأمور الدنيوية التافهة التي كنت سأحب قراءتها لو لم تكن دخانًا ومرايا لغوية لطمس أبسط وأقدم قصة في تاريخ البشرية: مجموعة قوية من الناس سرقوا أرضًا واستعمروها وهم بصدد طمس شعبها الأصلي .
أراضي الحولة الرطبة
يخصص ماكان مساحة واسعة في النص للطيور، ويصف أنواعها الفردية وأنماط هجرتها وتفاصيلها ولكنه لا يذكر أنه في الوقت الذي كان فيه ليون أوريس يكتب رواية "النزوح" كانت إسرائيل تستنزف أراضي الحولة الرطبة بحجة أنها "مستنقع للملاريا"، و لم يتطرق إلى أن المشروع الذي وُصف بأنه "براعة صهيونية" وأعلن خلاله الأوروبيون اليهود أنهم "يعالجون الأرض" التي تُركت للخراب من قبل العرب المتخلفين أدى إلى تدمير كنز إقليمي للتنوع البيولوجي، حيث كانت هذه الأراضي محطة تغذية رئيسية لمئات الملايين من الطيور المهاجرة وأدى استنزافها كما تشير التقديرات إلى اختفاء وانقراض أكثر من 100 نوع من الحيوانات في المنطقة.
ربما تكون هذه الحلقة في التاريخ الصهيوني أفضل تشبيه لكتاب ماكان الذي يبدوكمشروع طَموح "للشفاء" تصوره أجانب جاهلون بالتضاريس المحلية وتاريخها وبيئتها حريصون على إيجاد حل وتمدين السكان الأصليين و تجديد حق الإسرائليين في الأرض ولكنه في الواقع ضار للغاية.
تعزيزًا لفكرة "الصراع المعقد" بين "جانبين"، يروي الكتاب مشهدًا تضرب وتلعن فيه جندية إسرائيلية تحمل السلاح بسام عرامين وهو أعزل و يرفع يديه دلالة على الاستسلام وعلى كف يده بقعة وردية اللون وبعد ساعات أدركت الجندية أن البقعة الوردية كانت من سوار الحلوى الذي كانت ترتديه ابنة بسام المقتولة وليس من المتفجرات، لذك فهي آسفة حقًا ولكن من يستطيع إلقاء اللوم على عشيقة المزرعة إذا كانت خائفة قليلاً من الأشخاص الداكنين اللون ذوي الأيادي الملطخة؟ كما لو أن ضرب الفلسطينيين في نقاط التفتيش ليس أمراً اعتيادياً أو كما لو أن القناصين الإسرائيليين لا يقتلوننا من أجل التسلية و يهتفون عندما يحصلون على "مقطع فيديو" جيد.
ينوَه القارئ عدة مرات أن رامي الحنان جولد من عائلة "قديمة"، وأن عائلته "مقدسية من الجيل السابع"، ولكن لا يتم إخبارنا بما يعنيه ذلك، لذلك سأخبركم، أولاً، رامي هو واحد من أقلية صغيرة من اليهود الإسرائيليين الذين يمكنهم تتبع نسبهم في الأرض قبل الحرب العالمية الثانية. ثانيًا، هو جزء من أقلية أصغر تعود أصولها إلى فلسطين قبل الحرب العالمية الأولى. ثالثًا، كان أجداد رامي مثل جميع "أهل الكتاب" (أتباع الديانات التوحيدية) موضع ترحيب في فلسطين، وتمّت حمايتهم تحت الحكم الإسلامي الذي استمرأكثر من 1200 سنة. رابعاً ، لم يمنع أي من ذلك رامي أو والديه من حمل السلاح ضد جيرانهم غير اليهود عندما وعدت الصهيونية بمنحهم السلطة والممتلكات، يا للغدر! وبالتالي فإن القصص التي اختار ماكان عدم روايتها تروي الكثير الكثير!
للعلم، أنا من الجيل الثاني والعشرين (على الأقل) من المقدسيين، طردتني إسرائيل من وطني عندما كان عمري 13 عامًا بحجة أن إقامتي "غير شرعية"، وبهذا فإن أي مقياس لتفهم أن الإسرائيليين "لديهم عائلات أيضًا" لن يجبرني على قبول النفي القسري ولكن مثل هذه الحقائق "غير المناسبة" أو الأشخاص "غير الملائمين" ليس لهم مكان في الروايات الاستعمارية الاختزالية القائمة على التعاطف والحوار.
من يحصل على حق الرواية
لسنوات عدة، جمع سبيلبرغ وعائلته الأموال ودعموا إسرائيل واحتلالها لفلسطين وبذلك فإن تخطيطه لعرض هذا الكتاب على الشاشة الكبيرة يتفق تمامًا مع إعلانه أنه سيموت من أجل إسرائيل.
لا أفهم لماذا باع ماكان حقوق الرواية له، ولكن لدي مخاوف بأن هناك مجموعة جديدة من الرجال البيض ذوي النفوذ في هوليوود ستستخدم رواية ابيرجون (Apeirogon)لبيع جزء ثقافي معاصر من الكذب الاستعماري تمامًا كما استُخدمت رواية النزوح (Exodus) لبيع التلفيق الاستعماري في عام 1958.
أنا لا أعرف ماكان ومع ذلك أعتقد أنه كتب هذا الكتاب رغبة في تعزيز "الحوار" ولكن من الممكن إلحاق ضرر كبير مع أنبل النوايا، يمكن أن يكون خطاب الحوار مغريًا إلا أن التفكير بأن"الحوار" لإيجاد إنسانية مشتركة هو كل ما يلزم لتفكيك العنصرية الهيكلية ومفاهيم التفوق العرقي يمكن أن يجعل المجني عليه جانيًا، فالحوار والمفاوضات - كما يعرف الفلسطينيون جيدًا بعد ما يقرب من 30 عامًا من التفاوض- تأتي لصالح الأقوياء دائمًا.
من الواضح أن ماكان أجرى بحثًا مكثفًا بما في ذلك محادثات طويلة مع الشخصيات الرئيسية في هذا الكتاب وربما من خلال تقديم قصة حقيقية حاول توضيح بعض القضايا الأخلاقية المحيطة بالاستيلاء والتملك، ولكن هناك رسالة استعمارية بالتكافؤ بين الطرفين تصلح للدعاية الصهيونية فهو بذلك مثل جاريد كوشنرالذي يعتقد أن قراءة 25 كتابًا يجعله مؤهلاً لاقتراح "صفقة القرن" "حلاً" لإرضاء "جميع أطراف" الصراع.
المصدر: https://www.aljazeera.com/indepth/opinion/apeirogon-colonialist-misstep-commercial-publishing-200310093110310.html?fbclid=IwAR3aeEZrxEhYw86PUVxJ7s9LHvuvY5VGmufTXvZVgTO43t-3Plqybwxezws
الكاتب: سوزان أبو الهوى
ترجمة: سماح عبد الحكيم جرّاد و تدقيق د. أحمد قبها
مواضيع ذات صلة
فتح معبر رفح بالاتجاهين أمام حركة تنقل المرضى والمواطنين
30 ألفا يؤدون صلاة الجمعة في المسجد الأقصى
الاحتلال يجبر 6 عائلات على هدم منازلها في سلوان بالقدس
وسط تشديدات الاحتلال.. 40 ألف مصلٍ يؤدون صلاة الجمعة في المسجد الأقصى المبارك
مئات المستعمرين يقتحمون الأقصى
40 ألف مصلٍ يؤدون صلاة الجمعة في الأقصى وسط إجراءات مشددة من الاحتلال