على شاكلة أيامه
بقلم: ناحوم برنياع

يديعوت
مات موتي كرشنباوم على شاكلة ايامه. ليس من المتعارف عليه قول كلمات كهذه عن شخص مات بعد عيد ميلاده الـ 76 بيوم واحد. لكن كرشنباوم لم يسِر أبدا كما هو متعارف عليه. جلس على طاولة الطعام لكتابة بعض الافكار لبرنامج صباحي في صوت الجيش، ومات.
يوم الجمعة صباحا رأيته في بيته في مخمورت. سمحت العائلة للاصدقاء بالدخول لوداعه. كان وجهه جميلا ومصمما. كان يبدو أنه سيقوم بعد ثانية ويقول: "اصدقائي، كنت أمزح معكم. فقد أردت سماع ما تقولونه عني. الثناء جيد لكنه مبالغ فيه قليلا. القصص ليست شيئا مهما: أين المزاح، أين التهكم. اذهبوا الى بيوتكم".
لكن موتي لم يقم.
مكانته في الصحافة الاسرائيلية استثنائية. عادة ما يتميز الصحفيون في مجال واحد: هناك من ينجح في الكتابات الميدانية، وهناك من ينجح في كتابة المجلات والكتابة الوثائقية، وهناك من ينجح في تقديم البرامج، وهناك من ينجح كمحرر أو مُنتج، وهناك من ينجح كزعيم وكمدير. أما من يحاول النجاح في أكثر من مجال فهو يتدحرج عادة الى الوسطية.
أدى كرشنباوم جميع هذه الادوار، وفي كل دور منها أحضر شيئا مميزا، الامر الذي حول عمله الى نقاط على الطريق. فقد كان مخرجا موهوبا وجلب التهكم السياسي الى التلفزيون، وهو قادر على اكتشاف المواهب. الاشخاص الذين قام بتربيتهم يملأون حتى اليوم محطات البث. والاهم من ذلك أنه هو الذي أدخل عنصر مهم في الصحافة – القدرة على رواية القصص. كان كرشنباوم يجيد رواية القصص.
اعتادت وسائل الاعلام الاسرائيلية على اخراج من تشوشوا من الشهرة والمجد والشعور بالقوة. ولم يسقط كرشنباوم في هذه البئر. وقد سألت ذات مرة كيف واجه موضوع الفوز بجائزة اسرائيل وهو في جيل 36. وقد قال: "وضعت الجائزة تحت الوسادة واستمريت".
كان شخصا سعيدا رغم أنه عانى من الفقدان مرتين. فقد شرب الحياة حتى آخرها.
لم يكن شخصا سهلا: الاشخاص البسيطين لا يغيرون العالم. أصبح ليّنا في السنوات الاخيرة: أصبح كبير القبيلة، الحكم والشخص الذي يطلبون استشارته عند اتخاذ أي قرار مهم. وسائل الاعلام في البلاد تعاني من زيادة "الأنا" وتضائل الصلاحيات. وهو منح الصلاحيات.
عندما أنهى وظيفته كمدير عام لسلطة البث في شباط 1998 ذهبت لمقابلته في اطار مقال لمجلة "العين السابعة". كان عنوان المقال "كرشنباوم، حتى اليوم الاخير". القصص التي رواها تُعرفه وتُعرف طبيعته.
قال إنه خلال وجوده كمدير عام اتصل معه يوسف لبيد من المشاركين في برنامج "بوبوليتيكا"، وعلى مدى حلقتين متواصلتين تنازل لبيد عن صراخه المعروف. وفتح فمه فقط عندما طلب منه مقدم البرنامج نسيم مشعال ذلك، كان هادئا ومتوازنا.
"أنا لا أدفع لك ألف دولار لكي تكون طبيعي"، صرخ كرشنباوم على لبيد. "يوجد عندنا الكثيرين من هذا النوع. عليك أن تكون لبيد".
"هذا الحديث كان حسن نية كلاسيكي من كرشنباوم: قلت جناحا بسيطا يختفي وراءه قلقا حقيقيا بأن بضاعته ستفسد: اعتراف بالتفوق التسويقي، بالدراما، الضجيج والكلمات، الرسالة والسعي الكبير الى الامتياز، الانتصار، ايقاظ الناس الذين يجلسون في الصالون مع الريموت كونترول".
دفع رابين وحكومته ثمنا سياسيا بسبب نجاح "تنظيف رأس". في الحقبة الثانية لرابين تم تعيين كرشنباوم مديرا عاما لسلطة البث. رابين لم يحظ بالتسامح: احتجاج اليمين على اوسلو تم استعراضه في المحطة الرسمية بشكل موسع، وايضا العمليات الارهابية في حقبة بيرس. لقد أراد كرشنباوم أكبر عدد من المشاهدين.
نتنياهو وعد باقالته. وأرسل اليه مدير عام مكتب رئيس الحكومة، ايفيت ليبرمان. واستمر اللقاء، كما قال كرشنباوم، ربع ساعة.
"متى ستنتهي ولايتك؟" سأل ليبرمان.
"في 18 نيسان 1998"، اجاب كرشنباوم.
"هل يمكن فعل ترتيب معين؟"، سأل ليبرمان.
"لا، حتى لو كان سفيرا في الولايات المتحدة"، أجاب كرشنباوم.
"اذا حاولتم انزالي بشكل مبكر سأُصعب الامور عليكم".
وقد استمر مديرا عاما حتى اليوم الاخير. كرشنباوم الذي عرف قيمة المال – كان إبن صاحب محل الاحذية الاغلى في نتانيا – وتنازل بدون تردد عن اموال من شركته الخاصة. "كلفني هذا مليوني شيكل"، قال، "كان هذا يستحق".
قبل ثلاث سنوات وصلنا الى لندن، الى الالعاب الاولمبية – كتب كرشنباوم ملاحظاته لـ "ماكو" وأنا كتبت لـ "يديعوت احرونوت". وضعنا أعيننا على المكانين الافضل في منطقة الاعلاميين في ملعب الاولمبياد. الاماكن في الصف الاول كانت الاقرب لخط النهاية في سباق الجري. ودفعت وسائل الاعلام العالمية مبالغ كبيرة من اجل اماكنها. يبدو أن هذين المكانين كانا فارغين بسبب الثمن الباهظ.
جلسنا وكتبنا وصورنا وارسلنا، ولم يتوجه الينا المنظمون: مظهر كرشنباوم الواثق من نفسه سبب لهم البلبلة. أحد المنظمين جاء ليفحص لكنه تنازل عندما مارس كرشنباوم عليه سحره.
وهذا ما حدث عندما مر يوساين بولت من أمامنا محققا رقما قياسيا لمسافة المئة متر، والفوز في مساحة 200 متر. انتهى الامر بسرعة مثل قطار لا يتوقف في المحطة ويبقي المسافرين خلفه. بمجرد أن بدأ انتهى. وكرشنباوم منفعل مثل ولد، بارك بولت عند توجهه الينا وهو يلتف بعلم جمايكا. تذكرت ذلك اليوم عندما شاهدته يوم الجمعة في مخمورت. انتهى الامر بسرعة كبيرة، أسرع من اللزوم، وهذا أبقانا خلفه على سكة القطار.
مواضيع ذات صلة
222 قتيلًا منذ مطلع العام: مقتل شقيقين وإصابة والدهما في الرملة
مئات الآلاف من "الحريديم" يتظاهرون ضد قانون التجنيد في جيش الاحتلال
وزير جيش الاحتلال يقرر منع زيارة ممثلي الصليب الأحمر للمعتقلين
كفر ياسيف: المئات يتظاهرون تنديدًا بجرائم القتل وتواطؤ الشرطة الإسرائيلية
تظاهرة حاشدة في تل أبيب للمطالبة بوقف الحرب على غزة وإبرام صفقة تبادل
مقتل مواطنين في جريمتي إطلاق نار في رهط ودير الأسد