عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 22 حزيران 2015

أُحجية السياق الراهن

عدلي صادق

لا تزال الرواية التفصيلية أو الطبيعية، حول مشروع الدويلة في غزة، ممتنعة عن الإفصاح. هي، حتى الآن، رواية غامضة، نأخذ علماً بها، من خلال إشارات وبعض التصريحات الناقصة والمريبة، ومن تبدلات على الأرض، على امتداد حدود القطاع الشرقية، تنم عن تغيير في الموقف الميداني، وعن سياق ما، أوجب تبدلاً في أساليب التعاطي بين قوات الاحتلال وجنود حماس. وعلى الرغم من كل ما في وسع واحدنا أن يرصده، من لقطات دالة على أن في الأمر أمراً خطيراً؛ فإن الرواية الرزينة لا تزال غائبة. لكن عناصر التطور الدرامي لهذه الحكاية، موجودة موضوعياً. لعل من أهمها، أزمة حكم حماس مع المجتمع في غزة، وأزمة ناس حماس مع مصر، والخلاصات التي توصل اليها الحمساويون من تجارب الفرقانات، وقناعة حمساويي غزة أن الوفاق الوطني لا يلائمهم أو إنه نذير خطر محقق لبعضهم المتنفذ المتشبث بالحكم تحت أي عنوان. كذلك فإن أهم العناصر الحاضرة، لتطوير الرواية مع عدم نشرها قبل ترجمتها؛ أن الوسطاء والأصدقاء المشتركين بين إسرائيل وحماس، ناشطون جداً، في سياق إقليمي ودولي عام يرى اللاعبون فيه، أن حماس فرسٌ مهم في الحلبة، وبالتالي هم يتسابقون اليه. الأتراك يريدونه أيقونة سُنيّة، في نزاع أوسع، ويتطلب تشغيله تحييد إسرائيل، والإيرانيون يريدونه أيقونة مقاومة، أي أن يبقى هذا الفرس، الذريعة القيمية والجهادية، دونما جهاد أو مجاهدة ودونما طبائع قيمية تحكم سلوكه، على أن يُصار أيضاً الى تحييد إسرائيل عن طريق الروس. فاللاعبون ــ على تناقضاتهم ــ يتقاطعون. التركي والإيراني موصولان بالولايات المتحدة وروسيا، المعنيتين الآن، بترويض الحكم في إسرائيل، العزيزة عليهما تاريخياً. وبالطبع، هناك للطرفين، ما يتقاطعان فيه ويتوافقان عليه، مثلما يتقاطع ويتوافق الإيراني والأمريكي، والتركي مع الروسي، في العديد من النقاط!
اللاعبون كُثر، وكلام الحقائق السياسية شحيح، والناطقون يحاذرون ويتعمدون استهبال الناس. لكن ما يعنينا حيال هذه اللُجة هو التنبيه الى أمر مهم، تفضحه تصريحات نتنياهو في ردود أفعاله على الحملات الدولية المطردة، لمقاطعة إسرائيل وعزلها. قال بالحرف:"بينما ندعو الى استئناف المفاوضات السياسية، يعمل الفلسطينيون على دفع خطوات ضدنا في الأمم المتحدة والعالم وفي المحكمة الجنائية في لاهاي". معنى ذلك أن الخروج المناسب، من مأزق الضغوط، هو بالنسبة لنتنياهو التجاوب مع فكرة الكيانية في غزة، إذ ستصطاد إسرائيل عدة عصافير بحجر واحد: أن تطرح نفسها محبة للسلام ومتجاوبة كريمة وسخيّة مع كل من يهادنها ويكف شره عنها في السياسة قبل النيران. ومن جهة أخرى، تجويف مشروع التحرر الفلسطيني من حيثياته والإجهاز عليه، وعمل كل شيء لكي تنهار القوى القائمة عليه افتراضاً. وعند اختصار هذا المشروع في كيانية غزة، التي يقوم عليها مستنكفون عن السياسة أصلاً ولم يتأسس لهم الحق، في الذهاب الى الأمم المتحدة والمنابر الدولية؛ تكون اسرائيل قد ارتاحت من صخب المقاومة والسياسة معاً. 
من أجل ذلك، لن يتأخر المتطرفون العنصريون، في إكرام الجماعة ومعها السكان في غزة، بكل ما سُلب منهم، أي شرط أن يكون الكرم من ذقن الناس نفسها: حقها في حرية الحركة وفي حدود مفتوحة، والحياة الاقتصادية الطبيعية وعمال مهرة يكسبون قوت يومهم، لم تتقبلهم ولم تسعف أسرهم سوق عمل عربية واحدة، وحقوق بشرية أخرى استُلبت أصلاً، مقابل عدم التنغيص على الليكود بأية تدابير سياسية على المسرح الدولي. وبالطبع، سيكون للجماعة كل الحرية في الخطابة، ولا اعتراض على أضخم المفردات التي تعد بالزلازل. سيكون من بين الأعطيات، مقابل الكف عن السياسة، إكرام المنابر بالتغاضي عن تهديد الخطباء للأعداء، قبل الصلوات وبعدها، بعظائم الأمور. فهؤلاء تراهم الأوساط العنصرية مدمني زعيق، يُعالجون بجرعات من الداء نفسه، كما في المصحات. ولن يكون ثمة اعتراض على تعليل الوضع الجديد، بالقول إنه ثمرة انتصارات كسرت رقبة العدو، مثلما ألمح اسماعيل هنية كبير الخطباء وأمضاهم، معلقاً على سخاء تصاريح العبور والمرور!