نوال السعداوي: ثورة العقل وتحرير اللغة من الاستعمار أولًا

مدريد- الحياة الجديدة- رحمة حجة- في قاعة المؤتمرات التابعة للأكاديمية الدبلوماسية بالعاصمة الإسبانية مدريد، تقف المُفكرّة والكاتبة المصرية نوال السعداوي، على المنصّة، وتشعُر بالغُربة، لأنها لم تعتد المنصّة، وتقول لعشرات النساء اللاتي قَدمن من دول في شمال أفريقيا والشرق الأوسط "أنا لن أحرركن.. كل شخص يحرر نفسه وكل دولة تحرر نفسها بنفسها، لا أحد يحرر الآخر".
وتقول السعداوي في كلمتها التي افتتحت مؤتمر "مسار" للمساواة الجندرية، الأربعاء، إنها لا تفصل بين قضية المرأة والطبقية والنظام البطريركي الأبوي الرأسمالي في العالم، فهو المسؤول عن قهر المرأة والفقراء في العالم، وليس الرجل وحده كما يدّعي البعض.
ولا تُخفي اعتراضها على تسمية "الشرق الأوسط" بالقول: "يجب أن نحرر اللغة من الاستعمار. شرق أوسط؟ بالنسبة لمن؟ ما بعد الكولونيالية؟ وهل انتهت ليأتي ما بعدها؟"
كما تنتقد الإعلام بشكل عام، إذ تقول: "90% من العالم فقراء، و10% بين الحكومات وأصحاب رؤوس الأموال والأغنياء هم من يملكون الإعلام، بالتالي ليس لنا إعلام يُعبّر عنّا وعن قضايانا بالشكل الذي لا يخدعنا".
"كلمات سيّئة السُّمعة"
بين الحين والآخر، تتأكّد السعداوي من الوقت المتبقّي لها، كي لا تتجاوزه. كما تقول لجمهور الحاضرين، إنها تفضّل أن تستمتع إلى المداخلات والأسئلة بنفس القَدر من الوقت الذي تتحدث فيه.
وتبدو السعداوي في جلسة الافتتاح، كأنها تقدّم لجمهرة النساء المناضلات في بلادهن كل واحدة في مجالها وبيئتها المختلفة، عُصارة تجربتها في العمل النسوي والحقوقي والطب النفسي والكتابة، كما نبدو نحن الحضور، أقرب لحفظ الكلمات عن ظهر قلب، كي تُلهمنا في مسيرتنا الطويلة نحو التحرر.
تقول السعداوي بلهجتها المصرية "لا سنّي ولا صحّتي يسمحوا بالسفر، لكني لقيت المؤتمر مهم جدًا، ولازم ننتهز فرصة اللقاء دا.. أنا سعيدة إن أسبانيا دعتنا، لكن لم لم نجتمع في بلادنا؟"
وتخبرنا بنبرة متوجعة وموجعة "عمري 84 سنة ولسا بتكلم عن حقوق المرأة والفقر والاستعمار...إلخ".
وعن تجربتها في العمل مع الأمم المتحدة كمستشارة في أفريقيا والشرق الأوسط، تقول السعداوي: "أنا استقلت من عملي حين أدركت أن المرأة تُقهَر والفقر يزيد تحت اسم مشروعات التنمية. التنمية وهم، أساسًا الفقر ازداد بعد مشاريع التنمية".
وتتابع: "تم ضرب مشروعات التنمية في مصر، وأصبحنا نستورد البضائع الأمريكية، حتى الفول والطحين نستورده من أمريكا، ولا نُنتج طعامنا، رغم أن بلادنا زراعية ولدينا نهر النيل".
وكما التنمية فقدت معناها، تقول السعداوي، إن الديمقراطية أيضًا أصبحت من الكلمات سيّئة السُّمعَة، إذ تم اختزالها في الانتخابات، لكنها ليست كذلك، مضيفةً "الديمقراطية تبدأ من البيت، الإنسان يولد ثم يناقش ويجادل أباه وأمه ثم في المدرسة يناقش ويجادل وفي العمل ويناقش رئيس الدولة".
"ثورة المهاجرين"
تقول السعداوي إن "العالم مليء بالقهر والظلم والنهب والفساد بسبب الاستعمار العالمي والكولونيالية العالمية والدين العنصري والنظام الأبوي، وهذا النظام العالمي يتحمل مسؤولية ظلم المرأة وليس الرجل، كما يردد الكثيرون، وأنا لا أفصل بين قضية المرأة والسياسة الدولية".
تحمل في يدها صحيفة إسبانية، تقلبها أمام الحضور وتقول: "قبل أن ألقي كلمة عادة أحب أن أقرأ الصُحُف. اليوم، يتصدّر البابا العناوين ثم المهاجرين" معقبّة "أتندّر بأن تكون الحرب العالمية الثالثة بيد المهاجرين. هناك الملايين يهاجرون من بلادهم بسبب الفقر والظلم والحروب، والآلاف يغرقون في البحار، لكن هل سيظلّون صامتين؟ سيثورون على كل هذه الأنظمة العنصرية الأبوية والبطريركية في العالم".
الأسلمة صِنوُ الأمركة
في اجتماع صحافيين عرب وإسبانيين مع السعداوي قبل افتتاح مؤتمر "مسار"، قالت إن الولايات المتحدة الأمريكية هي من تقف وراء الحركات الإسلامية المتطرفة في العالم، ودعمتها جميعًا في السرّ والعلَن، أمثال داعش والقاعدة والإخوان المسلمين وبوكو حرام وغيرها..
وفي كلمة الافتتاح تؤكد "لا أحد يريد أن يتحدث عن هذه العلاقة بين أمريكا والحركات الإسلامية، لكن الفهم العميق والوعي يأتي من إدراك الروابط والعلاقات".
وضربت مثلًا على التناقض الذي تعيشه المجتمعات العربية من خلال لباس المرأة بالقول: "المرأة تتحجّب تحت اسم الأسلمة وتتعرّى تحت اسم الأمركة، وتجد نساء يرتدين الحجاب إلى جانب بنطال الجينز وأجزاء من جسمهن عارية".
وفي ما يتعلق بدخول النساء إلى عضويّة البرلمانات والحكومات والمطالبات الدائمة بزيادة نسبة وجودهن في المجالس التشريعية ومراكز صنع القرار، تقول السعداوي: "لا يهم هل يوجد 20 أو 200 امرأة في البرلمان ما دامت العقلية نفسها لم تتغير. هيلاري كلينتون ومارغريت تاتشر مثلًا كانتا ضد المرأة ولا يذكرنها سوى في الدعاية الانتخابية، فعقليّتهما عنصرية أبوية بطريركية، كما يوجد رجال عقليّاتهم أكثر تقدُّمًا من المرأة".
وأنهت كلمتها بالقول "التنظيم والوعي سرُّ التحرر".
وما أن أنهت حديثها حتى صفق الحضور وعلا صوت التصفيق، ثم وقف البعض ثم وقف جميع من في القاعة، وظلّوا يصفقون لها، ووقفت هي وحيّت بيديها وابتسامتها المتواضعة. كان موقفًا مثيرًا للقشعريرة، ودامعًا في عيون العديد من الحاضرات.
لستُ ظلًا لأحد
أسئلة عديدة ومداخلات تبعت كلمة السعداوي، تتعلق بوضعية المرأة في المنطقة العربية وأخرى بالعوائق والتحديات وكيفية المواجهة، إلى شُكرها وتقديم الامتنان لسيرتها النضالية من أجل المرأة، حتى تشبيهها بسيمون دي بوفوار وعن استخدام المُستشرقين لكتاباتها ضد الشرق.
تقول السعداوي في ردّها: "الأمل قوة، وفي مجتمعاتنا يأس كبير، كما توجد جرائم كثيرة، لكن الحل لها لا يكون بالعقاب، إنما بدراسة الدوافع وتحليلها لمعالجتها. مثلًا في مصر عام 2008، تم إصدار قانون يمنع ختان البنات، إلا أنه زاد بعده".
وبالنسبة لمسارات العمل النسوي، تؤكد "يجب العمل على العراقيل والأمور التي تمنع المساواة، من السياسة حتى السرير، والربط بين السياسة الدولية والسياسة في الفِراش بين الرجُل والمرأة".
وعن دي بوفوار، تستهجن السعداوي السؤال، وتقول بنبرة متهكمّة "عيب كل وحدة تطلع نشبهها بسيمون، أنا كانوا يقولوا عليّا سيمون دي بوفوار العرب، لكنني لستُ مثلها. لقد كانت ظلًا لسارتر وتابعة له، أنا لم أتبع أحدًا لذلك طلقتُ ثلاثة رجال".
مواضيع ذات صلة
في الذكرى الأربعين: ماجد أبو غوش.. الأثر الذي لا يزول
في تأبين الشاعر ماجد أبو غوش...
اتحاد الكتاب والأدباء: معين بسيسو حنجرة غزة التي لا تموت
الهوية الفلسطينية في معرض القاهرة الدولي للكتاب.. حضور يتجدد عبر الكلمة والفن
أساتذة لغة عربية وتاريخ: طه حسين ظُلم في أزمة "الشعر الجاهلي"
حين تصبح الكتابة نجاة.. قراءة في كتاب "ذاكرة العدوان" لبيسان نتيل
"الشاعر في رؤى نفسية" لوحيدة حسين