عاجل

الرئيسية » اقتصاد » الاكثر قراءة » عناوين الأخبار » تقارير خاصة » تقارير خاصة »
تاريخ النشر: 13 أيلول 2015

العسّالون يذوقون المرّ

نحالون: القطاع مهمش رغم أنه يمثل ثلث الانتاج الحيواني

رام الله– الحياة الجديدة- ميساء بشارات- اعتقدت الشابة مها البيطار أنها بالاستثمار في مشروع تربية النحل في قرية كفر مالك، ستحسّن من دخلها المادي، وتعيل أطفالها، خاصة بعد وفاة زوجها الذي كان معيل الأسرة.
أقدمت البيطار على فكرة مشروع تربية النحل، وقدمت لها وزارة الزراعة خمس خلايا نحل ضمن مشروع وليد بن طلال لمحاربة الفقر، وبعد ستة شهور من استلامها المشروع انتجت ما يقارب 36 كيلوغراما من العسل الصافي الطبيعي، لكنها اصطدمت بواقع عدم قدرتها على تسويق المنتوج.

تقول البيطار بعد ان تفقدت خلايا النحل: "كنت أظن أنني أستطيع إقامة مشروع استثماري يزيد من دخلي، لكنني اصطدمت بصعوبة التسويق، وهو مجهود ذاتي وفردي، فلا يوجد من يتولى مسؤوليته كجمعيات وغيره".

وتساءلت البيطار: لماذا تسمح الحكومة بوجود عسل إسرائيلي وغيره في السوق الفلسطينية، رغم وجود عسل فلسطيني طبيعي منافس في الجودة؟ 
وتتابع نحن اليوم غير قادرين على تسويق منتجاتنا رغم جودته بسبب منافسة العسل الاسرائيلي المهرب.
ويبلغ انتاج العسل الفلسطيني عام 2015، حوالي 750 طنا في الضفة والقطاع، ويبلغ عدد الخلايا في فلسطين حوالي 70 الف خلية.

 

إضافة إلى منافسة العسل الإسرائيلي والمستورد الذي يباع بأسعار أقل، يعاني قطاع تربية النحل في فلسطين أيضا من قلة وعي المستهلك المحلي بأنواع العسل وكيفية التمييز بين الطبيعي والمغشوش منه، فيتراجع الإقبال على العسل الفلسطيني. كما أن بعض أنواع العسل غير مطابقة للمواصفات، وارتفاع أسعاره بسبب تكاليف الانتاج العالية.
 

ويبلغ مجموع الخلايا في الضفة والقطاع 68989 خلية (2013-2014) بانتاجية متوقعة 7.5 كغم للخلية الحديثة و1.5 للقديمة. وأفاد تحليل استمارة النحل بأن 17% من المزارعين يربون سلالة النحل البلدي مقابل 48% يربون السلالة الإيطالية، في حين أن أقل من 1% يربون سلالة النحل السوري.

 

استهلاك قليل 
يقول رئيس جمعية رام الله التعاونية لمربي النحل، د. تحسين عودة: إن أهم المشاكل التي تؤدي الى تراكم انتاج العسل، وعدم تسويقه، هي قلة معدل استهلاك الفرد السنوي من العسل، حيث يبلغ معدل الاستهلاك السنوي للفرد من 150-200 غم، مقابل 8 كيلوغرامات، معدل استهلاك الفرد في ايطاليا.
ويضيف: "إن عدم وجود ثقافة الفحص المخبري عند مربي النحل، وعدم متابعة وزارة الاقتصاد، والزراعة والصحة، للأعسال المنتجة ومعرفة جودتها، يقلل من ثقة المستهلك به، وبالتالي يشهد استهلاك العسل عزوفا من قبل المواطن، خوفا من الغش".
كما يشير عودة إلى دور الوضع الاقتصادي الصعب، مقابل ارتفاع أسعار العسل، ما يدفع المواطن الى تقديم شراء احتياجات وأولويات أخرى على حساب شراء العسل.
ويضيف: "ان عدم وجود أمن غذائي، ومصادر موثوقة لبيع العسل، وارتفاع تكلفة الانتاج، تنعكس على أسعاره، اضافة الى عدم توفر المراعي في فلسطين".


تباين في الأسعار
وتتباين أسعار العسل من منطقة إلى أخرى، فيتراوح سعر كيلو العسل في مناطق الوسط والجنوب، ما بين 100-150 شيقلا، وفي مناطق الشمال ما بين 50-80 شيقلا.
ويعود الفرق في السعر حسب د. عودة، إلى المستوى الاقتصادي في الوسط والجنوب، الذي يعتبر أعلى منه في الشمال، إضافة إلى أن كمية الإنتاج في الوسط والجنوب، تكون أقل من الشمال، كما أن العرض والطلب يلعبان دورا في تحديد السعر.
ويشير د. تحسين الى أنه كلما زاد عدد الخلايا لدى النحال، تقل تكلفة الإنتاج، ما يؤثر على سعر كيلو العسل، والعكس صحيح".
وبلغت قيمة الإنتاج من العسل في الضفة والقطاع 1.280 مليون دولار، أي أن قيمة الإنتاج من العسل تعادل ما نسبته 36.5 % (حوالي الثلث) من قيمة الإنتاج الحيواني في الضفة والقطاع (2003)، بينما قيمة انتاج العسل للعام ( 2006-2007 ) 5.730 مليون دولار.


عزوف المربين عن الفحص المخبري
يعمل النحال أحمد النوباني من اللبن الشرقية جنوب نابلس، (50 عاما) والمعيل لاسرة مكونة من 8 افراد، منذ ثلاثين عاما في تربية النحل، لكنه لم يقدم على الفحص المخبري لأعساله، نتيجة ارتفاع تكلفة الفحص، واقتصار وجوده في مختبرات جامعة بيرزيت.
ويقوم النوباني، والذي أصبح يعرف بأبو العسل، بتسويق انتاجه بصعوبة، عن طريق زيارات دورية لمؤسسات وأسواق مدينة رام الله ونابلس، وعرض انتاجه على العاملين فيها، بجهد ذاتي منه دون مساعدة أحد.

 

 

"مهنة فالت قوسها"
يقول النوباني، بعد أن أشار الى ميزات أعساله لعدد من موظفي مؤسسة حكومية، وحاول ترغيبهم في الشراء: "ان عدم تسويق العسل مشكلة كبيرة يواجهها النحالون، فبعد أن تعبوا في إيجاد مصدر دخل آخر واجتهدوا في إنتاج العسل، اصطدموا بعائق التسويق".
ويضيف: "نحن بحاجة لحلول لتسويق إنتاجنا، والقطاع الخاص وحده لا يملك الحل، وهناك مناشدة مستمرة من قبل مربي النحل، لوزارتي الزراعة والاقتصاد، للعمل الجاد على تسهيل عملية تسويق العسل، لكن كل هذه المناشدات والاستغاثات تذهب دون جدوى".

ويشعر النوباني، أن قطاع تربية النحل في فلسطين مهمش، فهو يتطور بجهود ذاتية.
ويشير إلى أن وزارة الزراعة أبدت مؤخرا اهتماما في قطاع تربية النحل، لكنها لم تساهم في حل مشكلة تسويق العسل، وهذه مشكلة أخرى برأيه.
وتقوم وزارة الزراعة حاليا بتنظيم دورات لتربية النحل، في مناطق مختلفة من الضفة الغربية، لرفع مستوى النحالين والنهوض بهذا القطاع.
يقول النوباني، بعد أن تمكن من بيع بعض من انتاجه، هذه المهنة "فالت قوسها"، أي أنه لا يوجد من ينظمها.
وعن الاختلاف في أسعار العسل، يقول النوباني: ان اسعار العسل مختلفة، يحددها جودة العسل، وحجم الانتاج الذي يتعلق بقوة الأعشاب والطبيعة، فكلما توزعت الأمطار كان الغطاء النباتي أكثر حجما وتنوعا، ما ينعكس على زيادة كمية الإنتاج. 
ويوضح أن الحرارة العالية هذا العام، حرقت الأعشاب بشكل مبكر قبل أن يستغلها النحل.
ويضيف: "لا يوجد من يحمي النحالين، من المستوردين أو المهربين وممن يقومون برش المبيدات على مزروعاتهم فيسبب موت النحل، ولا يوجد من يسوق لنا انتاجنا، وكل نحال وشطارته".
ويتابع: "إن بعض النحالين يقومون بغش الناس، حيث يدعون أن أعسالهم طبيعية وهي غير طبيعية، كما أنهم يقومون بتغذية النحل بالسكر والقطر".

 

 

لتقليل المخاسر وزيادة الانتاج
وخسر قطاع النحل هذا العام نحو الفين من خلاياه، نتيجة التغير في المناخ هذا العام.
ويقول د. عودة: انه حتى يقلل النحال من خسائرة يجب على مربيه اللجوء الى زيادة أعداد خلايا النحل، ورفع معدل الانتاج، ونقل الخلايا من مكان الى آخر، وقطفه أكثر من مرة في العام".
ويضيف عودة: "إنه يجب عمل حملات توعية للمواطنين لتمييز العسل الطبيعي، ومعرفة فوائده، وتوعية النحالين لزيادة كفاءة منتجاتهم، وتشجيع ثقافة استهلاك العسل عند المواطنين".
من جانبه، يقول مدير دائرة النحل في وزارة الزراعة، المهندس وليد لحلوح: "إن النحل لا يموت من الحرارة، أو البرد، هو فقط يموت من الجوع، فهو يتأقلم مع درجات الحرارة، لكن قلة الإدارة والوعي يؤثران عليه".
وعن تسويق العسل، يقول لحلوح: "هناك كميات من العسل تدخل مع المعتمرين والحجاج القادمين الى الضفة، وهذا يؤثر سلبا على قطاع مربي النحل".
ويشير لحلوح الى ضرورة ضبط السوق الفلسطينية المفتوحة، من الانتاج الاسرائيلي والانتاج المهرب، لذلك يجب العمل على تطبيق الشروط المرجعية والمواصفات الفلسطينية للعسل، على جميع الاعسال التي تدخل السوق الفلسطينية، ووضع رسوم استيراد عالية ومرتفعة على جميع الاعسال المستوردة من الخارج، وفرض رسوم جمركية على المعابر الخارجية مثل معبر الكرامة.
كما يجب العمل على ايجاد وسم او ختم عام لتعريف وتمييز المنتج الفلسطيني عن غيره. 

 

محاولات للاهتمام بقطاع النحل

 

ويشير لحلوح الى اهتمام الوزارة بقطاع مربي النحل: "نحن نحاول بوزارة الزراعة بكل جهدنا رفع شأن النحالين ومنتجهم ومساعدتهم على خفض تكلفة الانتاج والتسويق والوصول الى ظروف أفضل".
ويؤكد لحلوح انه في حالة الاعتناء بهذا القطاع، فانه سيشكل قوة اقتصادية في فلسطين، خاصة اذا قلت تكلفة الانتاج وزادت الكمية المنتجة.
ويؤكد لحلوح أن وزارة الزراعة تعمل حاليا على قضيتين متلازمتين، بخط واحد، وهي العمل على زيادة عدد مربي النحل، والتسويق. 
ويشير لحلوح انه وبالتعاون ما بين الضابطة الجمركية ووزارة الصحة والاقتصاد الوطني ودائرة النحل ودائرة حماية المستهلك، بدأت حملات تفتيشية على الأعسال غير القانونية وغير المعروف مصدرها، لضبطها. كما عملت وزارة الزراعة مؤخرا على التنسيق مع الأردن لبيع العسل الفلسطيني، كما تعمل حاليا على إنشاء مختبر لخفض تكلفة فحص العسل، من خلال اجراءات الفحوصات بسعر التكلفة.
ويضيف ان الوزارة تعمل ايضا على إنشاء محطة ابحاث للنحل، تقسم لشقين شق في مركز البحوث يتولى دراسة امراض النحل وسلالاته العالمية المنتجة، والشق الثاني سيكون غرب الخليل لانتاج ملكات النحل لتغطية احتياج المزارعين محليا بدلا من شرائها من مصدر خارج البلاد، وستكون بشروط انتاجية عالية واسعار مناسية للنحالين. 
ويبلغ عدد النحالين المسجلين لدى وزارة الزراعة ألفي نحال ونحالة، لكن المرخصين اقل من هذا الرقم بكثير.

 

انتاج متنوع للنحل
ولا يقتصر إنتاج النحل على العسل فقط، بل ينتج أيضا السُّم والغذاء الملكي ومضادات العلاج، وحبوب اللقاح وغيرها.
وأخذ صالح الأزهري مربي نحل في بلدة سبسطية غرب مدينة نابلس، على عاتقه التنويع في إنتاج النحل، فأنتج خلايا النحل والملكات والعسل. 
يقول الأزهري: "نحن كدائرة نحل استحدثت في 2013 قطعنا شوطا وانجزنا الكثير، لكن ما زال أمامنا عمل الكثير، ودون أن نضع أيدينا مع النحالين لن نتقدم".
ويشير إلى أنه اتجه الى إنتاج وبيع خلايا النحل، لما واجهه من صعوبة في تسويق العسل، مقارنة ببيع الخلايا.
ويوضح الازهري الى ان النحال في بداية مشواره، يفقد الكثير من نحله؛ لانه يفتقد للخبرة العملية، كما ان النحل يحتاج الى متابعة دائمة واهتمام.
وينوه الازهري: "إن التجار يلتفون على القانون، فيتم استيراد العسل على أنه مادة غذائية كالمربى، وبالتالي يتجنبون دفع الضريبة عليه".

 

 

تكلفة الانتاج عالية

ويرجع لحلوح سبب ارتفاع تكلفة الانتاج، لتذبذب كميات الامطار، والقطف، والتغذية الخاطئين، ولمستلزمات الانتاج المرتفعة، التي يتم جلبها من الخارج، ولعدم المعرفة الكافية والجيدة بقطاع تربية النحل.
ويشير لحلوح الى ان قطاع النحل من القطاعات المستهدفة أيضا من قبل الاحتلال، فأثرت إجراءات الاحتلال وحدت من حركة تنقل النحالين ونقل الخلايا، وأن وجود الإغلاقات والحواجز وجدار الفصل العنصري، أدى إلى فقدان الكثير من الطرود وعدم مقدرة المزارع على إسكانها إضافة إلى انخفاض مستوى الإنتاج، سواء بالقضاء على كثير من المناحل أثناء الاقتحامات بالغاز المسيل للدموع، إضافة إلى انخفاض الإنتاج لعدم القدرة على نقل الخلايا إلى أماكن الإزهار. يضاف الى ذلك عدم توفر الخبرة لدى النحالين بالأمراض وآفات النحل وطريقة مقاومتها، وعدم استخدام السجلات في المناحل لعمليات النحال بالمنحل، اضافة الى الممارسات الخاطئة مثل نثر السموم ورش المبيدات بطريقة عشوائية. كما يؤثر سلبا على تربية النحل عدم توفر الخبرة بتربية الملكات، وعدم تربية السلالات المحسنة، حيث انه فقط 33% يقومون بذلك من المزارعين.

مطالبة بمنع استيراد العسل وضبط عمليات التهريب
وطالب النحالون بإصدار قرار يمنع العسل المستورد من الدخول الى الأراضي الفلسطينية، ومنع العسل المهرب من البيع بالأسواق الفلسطينية ومحاسبة البائعين والتجار.
كما طالبوا بوجود هيكل تنظيمي للمربين والمنتجين يحميهم، يكون قويا وفاعلا، وايجاد مؤسسات إقراض داعمة لقطاع النحل، وفتح أسواق خارجية (مثل دول الخليج، السوق الأوروبية المشتركة) للعسل الفلسطيني، واستغلال المعارض الزراعية في الدول العربية لتسويق المنتج الفلسطيني تحت شعار (عسل الأراضي المقدسة). 

جدول يبين توزيع خلايا النحل في الضفة والقطاع لعام 2013