"الهلال الأحمر" تضيء شمعتها الخمسين في ساح النضال
كتب: أمجد التميمي
تضيء جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني، الشمعة الخمسين لانطلاقتها التي توافق السادس والعشرين من كانون الأول/ ديسمبر الحالي، مكللة بذلك مسيرة حافلة من العطاء، والإنجازات، خاصة لجهة تقديم الخدمات الإنسانية.
وفي الوقت الذي تستقبل فيه "الجمعية" التي تأسست في العام 1968 يوبيلها الذهبي، تطوي خمسين عاماً من العمل التطوعي المثابر، داخل الوطن وفي دول الشتات والمهجر، ولترسخ هويتها كإحدى أهم أدوات الصمود الوطني، وكركيزة أساسية بين مؤسسات الشعب الفلسطيني، ومنظمة التحرير الفلسطينية.
في البداية كانت الفكرة
لمعت فكرة تأسيس جمعية الهلال الاحمر الفلسطيني، في ذهن رئيس الخدمات الطبية العسكرية آنذاك د. فتحي عرفات، شقيق الزعيم ياسر عرفات "أبو عمار"، وزميله د. محمود حجازي، ليعملا جاهدين على وضع الفكرة موضع التنفيذ، وخروجها إلى النور، وليتحول الحلم إلى حقيقة.
وتعد "جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني، من أهم وأكثر مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية حيوية وإنسانية، في تقديم يد العون والمساعدة الانسانية للمحتاجين لها فلسطينيين وعرباً وأجانب، ممن تعرضوا لنكبات ومجازر واعتداءات ارتكبها بحقهم الاحتلال الإسرائيلي على مدار سنوات القضية الوطنية، والثورة الفلسطينية، وأيضا للكوارث الطبيعية، ما أكسبها صفتها الانسانية والاجتماعية الأممية بجدارة" يقول رئيس جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني د. يونس الخطيب.
ويوضح الخطيب أن د. عرفات، كان قد استصدر قراراً من قيادة الثورة الفلسطينية وعلى رأسها الرئيس الشهيد ياسر عرفات بتأسيس الجمعية للإشراف على العمل الطبي والاجتماعي الفلسطيني، فتميزت بتقديمها الخدمات الطبية كافة للتنظيمات وفصائل المقاومة الفلسطينية واللبنانية"، إبان وجود الثورة الفلسطينية في لبنان.
القدس الحاضنة الأولى
تبلورت فكرة الهلال الأحمر الفلسطيني، بداية قبل نشأة الجمعية الحالية، بما يزيد عن نصف قرن، وتحديداً في العام 1910، عندما تأسست أول جمعية تحمل اسم الهلال الأحمر في القدس، وكان لديها حينذاك مستشفى واحد، وامتد نشاطها خلال حقبة العشرينيات من القرن الماضي، ليشمل مدينتي حيفا ويافا.
ومرت "الهلال الأحمر" بفترات مد وجزر، ليتلاشى وجودها بعيد ثورة عام 1936، حتى النكبة في العام (1948)، إذ تلا ذلك محاولات لإعادة إحياء فكرة "الهلال الأحمر"، وذلك انطلاقاً من واقع اللجوء.
ويشير د. الخطيب إلى أن "الجمعية بدأت تنشأ في مخيمات في الضفة الغربية بالذات، وتم تأسيس جمعيات تحمل اسم الهلال الأحمر، كما في مدينة طولكرم في العام 1949-1950، فالقدس عام 1950-1951، وغيرها، وتواصل التأسيس خلال فترة الستينيات، عبر تأسيس فروع أخرى للجمعية، من هنا فإن إنشاء الجمعية عام 1968، أوجد عنوانا وطنيا للجمعيات الفلسطينية".
ويرى د. الخطيب ان الجمعية تمكنت خلال حقبة السبعينيات من إحداث اختراقة نوعية في العمل في الأراضي المحتلة، رغم صعوبة هذه المسألة، بحكم التدابير والتعقيدات الإسرائيلية التي جعلت من عمل جمعية تابعة لمنظمة التحرير، عملا مداناً، يعرض صاحبه للملاحقة ولإجراءات عقابية مختلفة.
صمود وإنجازات رغم ضيق ذات اليد
وكما جميع المؤسسات الفلسطينية، خاصة تلك المنضوية تحت مظلة منظمة التحرير الفلسطينية، فإن جمعية الهلال الأحمر تشهد فترات عسر ويسر، وأزمات مالية متتالية تصل ذروتها تحديداً في أوقات الطوارئ والعدوان، ما يضعها أمام تحديات جسام، إلا أن ذلك لم يفت في عضدها ولم يوهن عزيمتها، بل أثبتت أنها على قدر التحدي والمسؤولية.
وفي هذا السياق، يجزم د. الخطيب، أن الجمعية أثبتت في العديد من المحطات المفصلية لشعبنا مثل سنوات الانتفاضة الثانية قدرتها على مواجهة التحديات، وتقديم نموذج في مجال الإسعاف والطوارئ، ما انعكس في أحد جوانبه بحصولها على جائزة ياسر عرفات للإنجاز في العام 2009.
ويوضح ان ارتباط الجمعية بعلاقات تعاقدية مع وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا"، التي تشتري خدمات من الجمعية في لبنان، وسوريا، علاوة على قطاع غزة، يساهم إلى حد معقول في تمكين الجمعية من تغطية نفقاتها، إلى جانب ما يتأتى لها من إيرادات عبر اتفاقيات مع أطراف أخرى مثل وزارة الصحة.
ويقول: "نعاني حقيقة من اضطرارنا للتعامل مع احتياجات غير منظورة أو مفاجئة، فمثلا من كان يتوقع أن تتواصل مسيرات العودة على مدار أشهر، بكل ما يعنيه ذلك من استنزاف مادي هائل، ما دفعنا إلى اطلاق نداء دولي بعيد انطلاق المسيرات بقرابة شهرين، لطلب تمويل بقيمة خمسة ملايين دولار، نجحنا بتجنيد نحو 3,5 مليون دولار منها".
محطات تاريخية
واكبت جمعية الهلال الأحمر، خلال السنوات الخمسين الماضية جميع المحطات النضالية للشعب الفلسطيني، سواء على صعيد التواجد مع مقاتلي الثورة الفلسطينية خلال المعارك التي خاضوها، أو على صعيد تقديم خدمات الطبابة والإسعاف لأبناء شعبنا في المخيمات وفي أماكن تواجدهم.
وشهدت الجمعية تطوراً مطرداً خلال سنواتها الخمسين، سواء لجهة الكوادر الطبية والإدارية، أو من حيث التوسع في حجم وتنوع خدماتها، وأيضاً على صعيد ازدياد عدد المشافي التابعة لها.
"إن الجمعية بحكم دورها ومسؤولياتها الصحية والإنسانية، عايشت محطات شعبنا في الداخل ومخيمات الشتات الفلسطيني، لا سيما في الأردن ولبنان، فأنشأت خلال هذه المحطات 60 مستشفى أغلقت بعضها لأسباب لوجستية أو دمرت خلال مواجهات مسلحة، أو من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلي، وبقي منها 15 مستشفى في كل من فلسطين، ولبنان، وسوريا" يقول د. الخطيب.
ويشير الى الدور المميز لجمعية الهلال الاحمر في فلسطين خلال الانتفاضتين الأولى والثانية، ما جعلها في دائرة استهداف قوات الاحتلال الإسرائيلي، الأمر الذي كبدها خسائر بشرية باستشهاد 25 فرداً كادرا من طواقمها خلال الانتفاضة الثانية، في حين بلغ عدد شهدائها منذ نشأتها حتى اللحظة 200 شهيد.
ويؤكد د.الخطيب، أن الخبرات التي اكتسبتها كوادر الجمعية في التعامل مع أوضاع الطوارئ خلال الانتفاضة الأولى عام 1987، دفعت بالرئيس أبو عمار، لتكليف الهلال الاحمر الفلسطيني بمسؤولية الإسعاف والطوارئ في فلسطين، ما مكن الجمعية خلال الانتفاضة الثانية، من بلورة مفهوم النقاط الطبية المتقدمة والتي اصطلح عليها بـالمستشفيات الميدانية، التي ساهمت إلى حد كبير في تخفيف حجم الأعباء الملقاة على كاهل المؤسسات الطبية وكوادرها.
ويضيف: "بعيدا عن الدور المعتاد لطواقم الجمعية خلال المواجهات المختلفة، فإنها تقدم منذ عقود خدمات شتى، أسوة بما فعلت خلال الحصار الإسرائيلي للعاصمة اللبنانية "بيروت" في العام 1982، عندما كانت توفر الخبز للمواطنين في أحياء المدينة، دعما لصمودها في مواجهة آلة الحرب الإسرائيلية".
ويشير د. الخطيب في هذا السياق، إلى مجالات التطور من قبيل، ازدياد أعداد الكادر الطبي وبناء قدراته، وتوفير خدمات التأهيل والدعم النفسي والمجتمعي، وتأسيس الحضانات والمستشفيات المتخصصة في إطار الاهتمام بقطاعي المرأة والطفل، علاوة على تقديم خدمات التأهيل للأشخاص من ذوي الاحتياجات الخاصة.
ويذهب د. الخطيب إلى أن جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني، المؤسسة الوحيدة التي أنشأت كلية لتنمية القدرات والتربية الخاصة، تخرج كوادر مؤهلة تحمل درجة البكالوريوس، للتعامل مع ذوي الاحتياجات الخاصة.
وبالنظر إلى نشاطات الجمعية، فإنها توفر خدماتها المجتمعية والصحية عبر 36 فرعاً، إضافة إلى مئات المؤسسات واللجان التابعة لها في أماكن عملها في فلسطين، والعراق، وسوريا، ولبنان، وبلغ عدد موظفيها 4000 موظف، يعمل الى جانبهم حوالي 10 آلاف متطوع نشط، يتميزون بخبراتهم الغنية على صعيد التعاطي مع الكوارث والأزمات، إثر تلقيهم تدريبات مكثفة من قبل الجمعية لهذا الغرض، ولا يمكن حصر وتحديد عدد المستفيدين من خدمات الجمعية، والذي يقدر بالملايين.
وتظهر البيانات المالية للجمعية أن موازنتها العامة تبلغ نحو 60 مليون دولار سنويا منها نسبة 25-30%، تأتي على شكل دعم شهري من منظمة التحرير والسلطة الوطنية، اضافة الى الدعم الخارجي، والايرادات الذاتية من بعض الخدمات "المدفوعة" التي تقدمها الجمعية، وهي مبالغ لا تفي باحتياجات الجمعية ومتطلباتها الطارئة انسجاماً مع الواقع على الأرض.
البرنامج الوطني
لم يكن تأسيس جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني على سبيل الترف، بل كان ضرورة ملحة، ووفق حالة متسقة مع البرنامج الفلسطيني، لشعب هجر إلى المنافي، ويرزح تحت الاحتلال.
وفي هذه الجزئية، يؤكد د. الخطيب أن تأسيس الجمعية جاء تماشيا مع البرنامج الوطني الفلسطيني، وليس ببعيد عن انطلاقة الثورة الفلسطينية المعاصرة، ولم يقتصر نشاطها على العمل الطبي، بل تجاوزها إلى تجنيد التضامن الدولي، ومنذ البدايات انخرط فيها متطوعون من دول مثل إيطاليا، والنرويج، والسويد وغيرها، ما يعتبر علامة فارقة في مسيرة الجمعية.
ويقول د. الخطيب: "حدا هذا الوضع بالجمعية وفروعها الى العمل بشكل سري، تحت مسمى اللجنة المركزية للجمعية في الأراضي المحتلة، بالتنسيق مع القيادة في الخارج، إلى أن جاءت اتفاقية "أوسلو"، حيث جرت خطوات لتوحيد اللوائح الداخلية للجمعية ودستورها، ما جعل منها أول جسم فلسطيني نجح بعيد نشوء السلطة الوطنية، في تنظيم مؤتمر له لتوحيد مكوناته كافة، وكان ذلك في مدينة خانيونس بقطاع غزة في العام 1996".
تشبيك أممي خدمة للقضية الوطنية
ساهمت جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني، منذ تأسيسها، بفاعلية في التعريف بعدالة القضية الفلسطينية، وبما يتعرض له الشعب الفلسطيني من نكبات وويلات، وتهجير قسري، على الصعد المحلية والإقليمية والدولية.
ونشطت الجمعية في مجال التشبيك وإقامة روابط الصداقة والتعاون مع المنظمات والهيئات الانسانية الأممية، لما فيه صالح الشعب الفلسطيني وخدمة أهدافه وقضاياه.
يقول د. الخطيب في هذا الجانب: "لم تقتصر انجازات الجمعية على الصعيدين المحلي والاقليمي، بل تعدتهما إلى الشق الدولي، عبر بناء علاقات شراكة وتعاون مع عدد كبير من الهيئات العالمية، وإرسال بعثات طبية إلى دول مختلفة لمساعدتها في أوقات الكوارث والأزمات، حيث كانت لدينا 15 بعثة طبية في افريقيا حتى العام 1994، كما شاركنا ثلاث بعثات طبية ابان الحرب في كوسوفو".
ويعرب د. الخطيب عن فخره كون الجمعية تمكنت من انتزاع الاعتراف الدولي بها قبل سنوات، وتحديدا في العام 2006، من قبل الحركة الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر.
مسيرة معمدة بالتضحيات
لقد حققت جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني، خلال خمسة عقود الكثير من الانجازات، التي خففت من معاناة أبناء الشعب الفلسطيني، وضمدت جراحه النازفة.
وما زالت طواقم الجمعية تساند أبناء شعبنا في ساحات المواجهة ضد الاحتلال، تضع الكتف على الكتف، وتتعرض لما يتعرضون على يد محتل حاقد، لا يراعي صغيراً ولا كبيراً، ولا طفلة ولا امرأة.
لقد عمدت جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني، مسيرتها النضالية بالتضحيات والدم الزكي الذي سال من أجساد أفراد طواقمها على مذبح الحرية، والفداء سعياً حثيثاً إلى فلسطين بقدسها وشمسها ومائها وهوائها.
---------
*هذه المادة تنشر ضمن مساق تدريبي في ماجستير العلاقات العامة المعاصرة في الجامعة العربية الأمريكية.

مواضيع ذات صلة
الاحتلال يقتحم مخيم الجلزون
"الصحة العالمية": خطر تفشّي فيروس هانتا محدود جدا
مستعمرون يهاجمون منازل المواطنين جنوب نابلس
مستعمرون يقيمون بؤرة جديدة على أراضي ديراستيا شمال غرب سلفيت
مقرر أممي سابق: استهداف المسيحيين في فلسطين يرتبط بالمقام الأول بكونهم فلسطينيين