عاجل

الرئيسية » شؤون اسرائيلية »
تاريخ النشر: 09 أيلول 2015

الثلاثي المرح

بقلم: عميره هاس

هآرتس

عندما أحاول ان أتخيل ما يشعر به فلسطيني عندما يخرج من محميته ويرى في شوارع الضفة الغربية علم اسرائيل مرفوع على كل تلة وعامود كهرباء، أنا اغير في مخيلتي نجمة داود الحمراء بالصليب المعقوف، وعندما احاول استيعاب الكراهية التي يحملها الفلسطينيون لاسرائيل بسبب الاجحاف الذي ألحقته بهم، ابدل "اسرائيل" بـ "المانيا". ما العمل، هذه هي انواع الكراهية التي أعرفها.

اهدأوا، لا أحاول هنا ايجاد شبه وتطابق بين النكبة والكارثة. أولا، الجوهر: هناك فرق بين طرد شعب بهدف السيطرة السياسية، والدمغرافية والاقتصادية على البلاد، وبين قتل شعوب كهدف واحد من بين عدة أهداف من ضمنها السيطرة على العالم.

الشعب الذي يعيش في المنفى وتحت الاحتلال ليس مثل الشعب الذي لا يعرف اين هو مدفون. ثانيا: عامل الزمن، يوجد فرق بين معاناة نهايتها معروفة وبين معاناة مستمرة منذ سبعين عاما بدون أي اشارة لنهاية قريبة. الكارثة استمرت أقل من خمس سنوات، وعاش النظام النازي 12 سنة، وتجند العالم من اجل القضاء عليه. وتوقفت عملية القتل الالماني النازي. معاناة من بقي على قيد الحياة لم تُمح، ونحن، أولادهم، ورثنا الالم والفراغ. لن تقوم قائمة أو اعادة اصلاح لذلك العالم اليهودي الذي مُحي وأبيد. ولكن اجزاء الشعب اليهودي التي بقيت على قيد الحياة نجحت في اخراج فروع اخرى مزدهرة. مثل جيش لديه دولة وايباك، يقومون باستغلال المعاناة والقتل كمبرر واذن للعمل ضد الفلسطينيين.

بعد اقامة النظام الاسرائيلي الصهيوني بسبعين عاما، فانه لا يمنح الراحة للشعب الفلسطيني ولا يتوقف عن تطوير اساليب التدمير والقمع والاهانة والطرد والقتل وازهاق الحياة. النكبة، بخلاف الكارثة، مستمرة مع محكمة العدل العليا وعلى الرغم من "بتسيلم".

مسموح اجراء المقارنة بين الانظمة، أساسها وأهدافها – والاكتشاف عندها أن الفوارق كبيرة. هدف النظام الاسرائيلي الصهيوني ليس ابادة الشعب الفلسطيني (لو كان النظام النازي موجود "فقط" 30 سنة وليس 70 ويوسع سيطرته، فكم من اليهود سيظلون على قيد الحياة؟). لكن لا يوجد حق لمقارنة معاناة الشعوب والبشر، ووضعها في كميات، أو تسلسل أو احتسابها. كيف يمكن احتساب 70 سنة من الطرد والاحتلال بدون تاريخ انتهاء، واحتساب الخوف من التدهور المؤكد تحت سلطة شعب اسرائيل اليهودي الآخذ في التطرف، من اجل القول إن هذا صعب مثل الكارثة؟ بالضبط كما أنه لا يمكن تصنيف معاناة الافارقة في مئات سنوات العبودية والقول إن هذا أقل صعوبة من معاناة اليهود في عهد النازية.

لا يمكن وضع كمية. أو تدرج في المعاناة. الصليب المعقوف مقرف حتى اليوم، لكنه عبارة عن ذكرى. لا يوجد علينا تهديد منه اليوم. في المقابل نجمة داود هي بالتأكيد رمز للواقع والعنف الحقيقي الاسرائيلي ضد الفلسطينيين، رمز لمشاعر التفوق الاسرائيلي وتعبيره في الواقع. اليوم، هذه اللحظة، غدا كراهية المانيا تتصل بماضيها وبالايديولوجيا التي وجهتها في حينه والتي اوجدت بسرعة وبزمن قياسي تغييرات كبيرة. المانيا الماضي ما زالت تهدهد فيها اصداء الماضي، ونحن بالنسبة اليها حاضرا متواصلا وسيئا لا يمكن عدم احتقاره.

السيرة الذاتية والجماعية لنا توجد على المثلث (يهود، المانيا، فلسطينيين). قبل النازية اختارت اغلبية اليهود في العالم الصهيونية والارض المقدسة كحل للاسامية وباقي المشكلات. فقد شعروا بالراحة كشعب في الشتات. ولولا هتلر لكان من المشكوك فيه أن الصهيونية تملك القوى البشرية والموارد لكي تقلب الديمقراطية والمكان، وأن تطرد وأن تسيطر على الاراضي. لو كانت دول العالم ستقبل اليهود داخل حدودها بعد هروبهم من اوروبا، لما كانت حاجة للبحث عن ملجأ ودولة قومية في فلسطين – ارض اسرائيل. لو لو.. يقول الفلسطينيون بصدق: هذا ليس ذنبنا. هذا ليس ذنبهم مثلما هو ليس ذنب الشعوب الاولى في امريكا واستراليا عندما بحثت الرأسمالية الاوروبية عن البهارات والاسواق ومناطق للعقاب.

لا يمكن تحليل اسرائيل فقط كجزء من الكولونيالية والامبريالية وتجاهل الوزن التاريخي الكبير للرايخ الثالث، بغض النظر عن قصر السنين، الذي سعى الى ابادة اليهود تماما ونجح بشكل جزئي. في كل العالم هناك فترات اجحاف. الشعب الذي طرد قبل سبعين عاما يستطيع العودة الى البيت. لكنه سيجد شعب آخر. نحن عالقون في هذه البلاد الواحدة – شعبان، مع كارثة كانت ونكبة متواصلة، ونحن الاسرائيليون مستمرون في الحاق الأذى بالطرف الآخر.