ترامب وشهور السياحة الميتة!

الحياة الجديدة- أسامة العيسة- لم يعد أبو أسعد بائع القهوة في ساحة المهد، يعبأ بتهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترامب الأخيرة للسلطة الوطنية، وشهر سلاح وقف الدعم، رغم أنه لا يرى الآن سوى ترامب عدوا شخصيًا له، يستحق الشتم.
في اليوم التالي لقرار ترامب بنقل السفارة الأميركية إلى القدس المحتلة، وفي مدينة تعتبر فيها السياسة مقياسا للسياحة، غيّر أبو أسعد موقعه من الطريق التي يمر منها السياح، إلى الساحة، وهذا يعني تغيير جمهوره المستهدف من السياح الذين قل عددهم بشكل كبير إلى المحليين الذين أيضا لم يكن وجودهم في الساحة في موسم الأعياد هذا العام كالمواسم السابقة.
لا يعرف أبو أسعد، إذا كان ترامب وهو يتخذ قراره بنقل سفارة بلاده إلى القدس، قد فكر بتداعيات ذلك على مبيعات بائع القهوة في ساحة المهد.
ومع الهبوط التنازلي لعمل أبو أسعد، لم يعد يعبأ كثيرا بترامب، وقال وهو يدخن سيجارة رخيصة: "شعبنا مثل الخد الذي تعود على اللطم، فترات الانفراج ليست هي القاعدة، وإنما الاستثناء".
نهاية موسم
من موقعه يتابع أبو أسعد عمال البلدية وهم يزيلون بقايا زينة الأعياد، فمع احتفال الأرمن بعيد الميلاد في الثامن عشر من شهر كانون الثاني، تخلع مدينة بيت لحم ثوبها الذي ارتدته خلال موسم أعياد الميلاد، والتي تفخر بأنها من المدن القليلة في العالم التي تحتفل بالميلاد ثلاث مرات، وتجري الاحتفالات في كل مرة برعاية رسمية، ومتابعة شعبية، حيث يشارك الرئيس ورئيس الوزراء في الأعياد، بينما تجسد المشاركة الواسعة للفرق الكشفية اهتمام المجتمع المحلي.
وعلى أطراف الساحة تبدو متاجر التحف الشرقية، خاوية، يتابع أصحابها حركة النّاس في ساحة المهد.
لطالما شكى هذا النوع من القطاع السياحي من التهميش، لأن المجموعات السياحية تكون عادة رهينة الأدلاء والمكاتب السياحية الإسرائيلية، تحاول اختصار زيارة بيت لحم في نصف ساعة من محطة الحافلات إلى كنيسة المهد ثم إلى المحطة ثانية فالقدس.
ولا يسمح للسياح السير في المدينة والشراء من محلات التحف الشرقية حول ساحة المهد، ورغم الشكاوى العديدة وعلى مدار سنوات، لم يتمكن أصحاب هذه المحلات من حل مشكلتهم.
ويشكون أيضا من التهميش الإعلامي، الذي يركز عادة على قطاعات سياحية أخرى كالفنادق.
أحد أصحاب هذه المحلات هو أفرام السرياني، الذي يقول بأنه يخوض معركته منفردا في عرض البضائع الفلسطينية، كالكوفيات والسيراميك وغيرها، ويضع عينات أمام محله من الكوفيات المصنوعة في الصين، ليست للبيع ولكن ليرى السائح الفرق بين الصناعتين الفلسطينية والصينية، وهو فرق واضح لصالح الفلسطينية، قائلا وهو يتحسس علامة مصدر الصنع على كوفية فلسطينية: "يكفي أن يقرأ السائح أنها مصنوعة في فلسطين".
يقول أفرام، بان الوضع السياحي في بيت لحم تأثر بقرارات ترامب وتهديداته، واستمر في الهبوط، ويقدر تراجع القطاع السياحي بنحو 80%.
ولا يعزو أفرام تراجع القطاع السياحي فقط إلى قرارات ترامب، قائلا: "نعتبر شهر كانون الثاني وشباط وجزءا من آذار، أشهرا ميتة تتراجع فيها السياحة عادة، ولكن ليس بالنسبة التي حدثت في هذا الموسم، فرغم كل شيء، تمتاز بيت لحم بوجود كنيسة المهد، التي يوفر كثير من الناس حول العالم، أموالهم لكي يأتون حجاجا إليها، ومهما عظم تأثير القرارات السياسية، إلا أنها لا تحول في النهاية دون خططهم بزيارة الكنيسة التي ولد فيها السيد المسيح عليه السلام".
يقول أفرام بان معظم السياح الذين يتعامل معهم في هذه الفترة هم من الأوروبيين ومن دول شرق أسيا، ويتحدث بعضهم عن تأثير الأوضاع الأمنية التي تحول دون تكثيف السياحة من دولهم إلى بيت لحم.
لدى أفرام وصفات لإنعاش القطاع السياحي، ولكنه لا يؤمن بأن أحدا سيكون معنيا بتطبيقها، ولكنه يؤكد على أصحاب القرار للانتباه من أجل حماية المنتجات المحلية، وينظر بأسف، كما يقول لواقع صناعة الأحذية والجلود في الخليل، حيث أصبح خلال السنوات الماضية عشرات إن لم تكن مئات العائلات دون مصدر رزق، بسبب السماح بالاستيراد من الخارج.
ويخشى أفرام، الذي يعرض في محل أنواعا كثيرة ومختلفة من السيراميك الخليلي، على هذه الصناعة بعد ما يسميه غزو السيراميك التركي للسوق الفلسطينية.
ويقول بألم: "أرجو من أصحاب القرار أن يعيدوا النظر في السماح باستيراد السيراميك، وحرمان عائلات فلسطينية من مصدر رزقها".
ويختم أفرام حديثه بالقول: "يحتاج السائح دائما إلى أمان، ورغم الهبوط الحالي بسبب الشهور الميتة، إلا ان الوضع لا يستمر هكذا إلى الأبد، ففي شهر نيسان نحتفل بعيد الفصح، ويتدفق السياح من الخارج للاستمتاع بشمسنا بالإضافة إلى الاحتفال بالعيد، وبعد الربيع يهل الصيف، وتدب الحياة من جديد في القطاع السياحي".
مصورو المهد
فئة أخرى تنتمي للقطاع السياحي وتبدو أيضا مهمشة في وسائل الإعلام، رغم أنها يمكن أن تشكل بارومترا لهبوط السياحة وعلوها، والحديث عن المصورين في ساحة المهد، وهم فئة مرخصة من وزارة السياحة والآثار، ويصل عددهم إلى ثمانية، يقسمون العمل بينهم، بالتعاون وبضوابط تحترم.
أحد المصورين اعتبر أن الموسم السياحي الحالي ليس الأفضل من المواسم السابقة، وعزا ذلك إلى ما سماه الوضع السياسي المتوتر، والقرارات والتهديدات الأميركية.
وقال: "أي منطقة متوترة في العالم، تبث شبكات التلفزة أخبارا عنها، يتجنب السياح عادة الذهاب إليها، وما ينطبق على غيرنا ينطبق علينا، رغم التأكيد على خصوصية السياحة الدينية لدينا، فكنيسة المهد غير موجودة إلا في فلسطين، وتعني ليس فقط العالم المسيحي، ولكن أيضا المسلمين، رغم ضعف السياحة ذات الطابع الإسلامي".
ولاحظ هذا المصور الذي طلب عدم ذكر اسمه، أنه رغم قرار ترامب، فانه بشكل بدا ملحوظا زارت كنيسة المهد ما بين 30-40 مجموعة سياحية أميركية، وفسر ذلك، بان سياسات ترامب على الأقل فيما يخص القدس وفلسطين، لا تلقي ترحيبا من قطاعات في المجتمع الأميركي.
يؤكد المصور، ان تراجع الوضع السياحي يؤثر على المصورين الذين يرتبط مصدر رزقهم الوحيد بمهنتهم.
ويضيف: "نحن أمام مشهد نرى فيه كيف تؤثر القرارات السياسية الدولية على فقراء الشعب الفلسطيني، اعتقد بان القطاع السياحي تراجع بنسبة تصل إلى 80%، ولا أتوقع نهوضا إذا استمر الوضع السياسي كما هو، ولكن هذا ليس نهاية المطاف، فمع اقتراب عيد الفصح في شهر نيسان، أتوقع نهوضا في القطاع السياحي".
الأدلاء أيضا
مشهد الأدلاء السياحيين على بلاط كنيسة المهد، يزجون الوقت في النقاش وشرب القهوة، يظهر تراجع القطاع السياحي الذي يشكل الأدلاء جزءا مهما منه، لهم قضاياهم ومشاكلهم الخاصة التي لم تحل، ومن بينها السماح للأدلاء الإسرائيليين بالدخول إلى مناطق السلطة الوطنية، في حين لا يسمح لنظرائهم الفلسطينيين الدخول إلى القدس والأراضي المحتلة عام 1948م.
أحد الأدلاء الذي يقود مجموعة سياحية قال: "نعم هناك تراجع في القطاع السياحي، ولكنني لا أعزوه إلى قرارات الرئيس الأميركي الأخيرة أو الوضع السياسي، والدليل على ذلك انه لم يتم إلغاء حجوزات مسبقة للمجموعات السياحية، التي حجزت لزيارة فلسطين من خلال المكاتب السياحية".
وفسر أسباب التراجع بأنه يتعلق بضعف الحركة السياحية من نهاية عام منصرم إلى بداية الربيع، وهو ما يحدث في كل عام.
ولكن لزميله الدليل السياحي ماتيوس القسيس رأي آخر، يقول ماتيوس: "أية محاولات للقول بأن القطاع السياحي لم يتأثر بقرارات ترامب، هي محاولات تتجنب قول الحقيقة، لقد حدث تراجع بنسبة 80% في عملي، وكان لدي حجوزات خاصة، وليس من خلال المكاتب، ولكن تم إلغائها بسبب الوضع السياسي".
ويضيف: "تأثرت بيت لحم كثيرا في هذا الموسم، وللنهوض بالقطاع السياحي بشكل دائم يستلزمه هيئة وطنية للسياحة، تعمل على الترويج، والتوضيح للسياح المفترضين بان بيت لحم وفلسطين بشكل عام آمنة للسياحة، وهذا يعني التصدي للأكاذيب الإسرائيلية، وكذلك الوقوف على مشاكل وقضايا القطاع السياحي بفئاته كافة، والعمل على حلها ضمن خطط، يتم مراجعة تنفيذ كل مرحلة منها".
الوزيرة: شوارع تعج بالسياح
لوزارة السياحة والآثار رأي مختلف عن من قابلناهم رغم اختلاف آرائهم، تعبر عنه في البيانات التي تصدرها، توضح فيها انجازاتها على مستوى العالم، وشهادة منظمة السياحة العالمية بذلك.
وأخر الانجازات حصول فلسطين، مؤخرا، على جائزة أفضل وجهة سياحية واعدة (Most Promising New Destination) في معرض أو تي ام السياحي الدولي في مدينة مومباي الهندي، حيث تشارك فلسطين في هذا المعرض السياحي الدولي لأول مرة، وذلك بهدف ترويج فلسطين كمقصد سياحي عالمي ومستقل يمتلك الكثير من الإمكانيات.
موقف وزيرة السياحة والآثار حول وضع القطاع السياحي حاليا، عبر عنه بيان صدر عن مكتبها: " أكدت وزيرة السياحة والآثار السيدة رُلى معايعة على انه وبالرغم من تداعيات اعلان الرئيس الأميركي ترامب الأخير غير الشرعي بخصوص القدس على الواقع الفلسطيني العام الذي يستنكر ويرفض هذا الاعتراف وتأثيره على استقرار المنطقة وفلسطين، إلا أن السياحة ما زالت تتوافد على فلسطين بأعداد كبيرة وخاصة إلى القدس وبيت لحم وما زالت الفنادق والشوارع الفلسطينية تعج بالسياح من كل الجنسيات".
مواضيع ذات صلة
أسعار النفط ترتفع مع تجدد التوترات في مضيق هرمز
أعضاء مجلس إدارة سلطة النقد يؤدون اليمين القانونية أمام الرئيس
انخفاض أسعار النفط بأكثر من 7% واستقرار الذهب عالميا
الدولار يهبط مجددا عند أدنى مستوى منذ 1993: تراجع صرفه مقابل الشيقل إلى 2,92
محافظ سلطة النقد يشارك في الاجتماعات السنوية المشتركة للهيئات المالية العربية 2026
الذهب يبدأ بالارتفاع رغم توجهه لتسجيل خسارة أسبوعية
الإحصاء: ارتفاع معدلات البطالة في قطاع غزة والضفة خلال 2025