عاجل

الرئيسية » شؤون اسرائيلية »
تاريخ النشر: 11 شباط 2018

الانخفاضات في أسواق الأسهم.. التحذيرات تحققت

بقلم: سيفر بلوتسكر

هذه المرة لا يمكن لأحد أن يقول فوجئنا. فالانخفاضات القوية في اسواق الأسهم في الولايات المتحدة يوم الجمعة قبل الماضي ويوم الاثنين الماضي– في اثناء كتابة هذه السطور لا تزال البورصة في وول ستريت بعيدة عن الاغلاق – كانت أحداث متوقعة ومرتقبة. مع نهاية 2017 نشر ملحق "مامون" تقارير، تحليلات واقتباسات عن اقتصاديين، بنكيين، مدراء أموال وسياسيين حذروا من التضخم الزائد لأسعار الأسهم في وول ستريت وتنبأوا بالانكماش الضروري للفقاعة المالية. ووصف كاتب هذه السطور في بداية كانون الأول الوضع في أسواق الاوراق المالية الأميركية بأنه الخطر الأكبر على مواصلة النمو في اقتصاد العالم والبلاد. واشار بنك اسرائيل الى أسواق اميركا بانها الخطر الاساس للاستقرار المالي لاسرائيل.

لقد حذرنا من أنه من أميركا سيأتي الشر إذ أن قيمة جزء من الشركات المتداولة في بورصتها تضخمت بسبب تقديرات غير واقعية لربحها المستقبلي من جهة والفائدة المستقبلية من جهة اخرى. والفرضية في أن ارباح الشركات المتداولة في البورصة يمكنها أن تزداد كل سنة بوتيرة الضعف والثلاثة أضعاف معدل نمو كل الاقتصاد ليست معقولة، لا تنجح في اختبار الرياضيات البسيط. وعلى الرغم من ذلك تجذرت لدى العديد من المحللين والمستثمرين. ليس مفاجئا: بعد تسع سنوات من الارتفاعات في البورصة تكاد لا تتوقف يعتاد الناس على الاعتقاد بأن الأرباح ستنمو حتى السماء. اما هي فلا. وانعكست المبالغة على نحو خاص في اسعار اسهم شركات التكنولوجيا. وذكرت تقديرات قيمة البورصة لهذه الشركات الكثيرين بفقاعة الانترنت لعامي 1998 – 1999، والتي لحق انفجارها في ربيع 2000 فروع التكنولوجيا لعدة سنوات.

ان عقدا من معدلات الفائدة المتدنية ولد لا مبالاة حتى تجاه امكانية الارتفاع الحاد فيها. وتعقد عالم التفكير النقدي، تشوش واصبح غير مفهوم. فالضخ الهائل للمال السهل الى الجمهور من جانب البنوك المركزية في العالم، ولا سيما في الولايات المتحدة كان يفترض وفقا للكتب التعليمية ان يحدث تضخما ماليا هائلا. اما عمليا فطوفان السيولة النقدية لم يؤثر عليه؛ في معظم الاقتصادات الغربية الكبرى بقي معدل التضخم المالي ادنى من المستوى الادنى للهدف الحكومي. فقد أقنع اللاعبون في الأسواق المالية أنفسهم بان هكذا سيكون الى الأبد. وفي حساب الارباح المستقبلية للشركات، والذي يفترض أن يؤثر على الأسهم، لم يأخذوا بالحسبان انفجار التضخم المالي. الى أن بدأوا يأخذونه بالحسبان بجدية ويخافون. واحتمالات الاهتزاز في التضخم المالي ليست صفرية وهي ذات مغزى كنتيجة حاصلة للاصلاح الضريبي في ادارة ترامب: حسب توقعات معاهد بحث رائدة، فان التسهيلات في الضرائب ستزيد المداخيل الصافية للاقتصادات المنزلية، ستحفز الاستهلاك وستعمق العجز في الميزانية الفيدرالي. كوكتيل من التضخم المالي.

ان الانخفاضات في اسعار الأسهم غير مفاجئة: ليست مفاجئة ايضا وتيرتها الفتاكة. فكلما كان الجبل أعلى يكون التدهور منه أشد. ومن محادثاتي العاجلة مع مدراء الاستثمارات والمحافظ في نيويورك أخذت الانطباع بأنهم كانوا مع ساعة ضبط للوقت في اليد وانتظروا المؤشر الأول على الهبوط كي يعطوا الأمر الانقاذي "بع!". بعد ذلك دخلت المبيعات الى دائرة سحرية من التغذية السلبية المتكررة. فمعظم التداول في الأسهم وفي شهادات الدين في أميركا يجري تلقائيا. وأوامر البيع تعطيها أجهزة تحكم ذاتي لادارة الاستثمارات التي تعمل وفقا لحساب واسع الانتشار: افعل ما يفعله الآخرون ولكن بسرعة اكبر وبقوة أكبر. هذا هو التفسير الوحيد لحراك بمئات النقاط والكثير من النسب المئوية في جداول الأسهم في غضون دقائق. اما قانون القطيع للمستثمرين الصغار فقد استبدل بقانون القطيع لأجهزة التحكم التلقائي الكبرى. مثلما اندفعت معا تجاه الأعلى، يمكنها أن تندفع معا تجاه الاسفل دون أن تتجاوز أسواق الأوراق المالية، والتي وفقا لكل حساب مقبول لم تكن منتفخة.

ومع ذلك، فالعام 2018 ليس 2008. لا يوجد وجه شبه اقتصادي بين ما يجري في الأسواق الآن والعاصفة التي نشبت قبل عقد وعرفت كـ "الأزمة المالية الكبرى". فالأزمة في حينه سببها سقوط في اسعار الشقق، والذي امسك بملايين العائلات الأميركية وهي غارقة عميقا في قروض للسكن لا يمكنها أن تسددها. ومن سوق قروض السكن تدحرجت الأزمة الى سوق شهادات الدين التجارية ومنها الى "بنوك الظلال"، بمعنى الى مؤسسات الائتمان التي ليست بنوكا ولم تفرض عليها الانظمة الادارية البنكية المتشددة – وعلى رأسها شركات قروض السكن وبنوك الاستثمار. وسقطت هذه كحجارة الدومينو. وبالمقابل فان سوق الأسهم لم يعتبر في حينه منتفخا على نحو خاص والانخفاضات الحادة فيه عكست، في البداية على الأقل، الخوف النفسي.

اما الآن فالصورة مختلفة. فرع السكن في اميركا مستقر نسبيا. واقلاع الاقتصادات المنزلية ليس خطرا على نحو خاص. اما الشركات التجارية فتسبح في السيولة النقدية. بنوك الظلال اختفت تماما تقريبا واخضعت للأنظمة الادارية. والانخفاضات في الأسهم هي ظاهرة بورصية. ولكن التعلق الأميركي الخطير بالبورصة والتعاطي معها كمقياس لقوة الاقتصاد من شأنهما أن يوسعا الرد على الانخفاضات ويتسببا بتفاقم الوضع الاقتصادي الأميركي كله لدرجة الابطاء.

ولكن القطيع المندفع كفيل بان يغير اتجاهه برمشة عين. حقيقة واحدة غير قابلة للتغيير: مع بدء التداول في البورصات في نيويورك يوم الثلاثاء، لا تزال أسعار الأسهم أعلى بالثلث من يوم الانتخابات للرئاسة الأميركية في تشرين الثاني 2016. وفي الىتسعين دقيقة الاولى من التداول ارتفعت وهبطت جداول الأسعار في مدى ألف نقطة، 4.5 في المئة في كل اتجاه. ولكن الحراكات ليست متماثلة: الطريق للعودة الى الأعلى يبدو أصعب بكثير.

من التذبذب لم يغب مكان رمز الفقاعة المالية، البتكوين. فأحد في العالم ليس لديه أي فكرة كم هو "يساوي". واضح أنه ذخر افتراضي يصعب انتاجه بتعابير الطاقة الضائعة، يصعب استخدامه، والحكومات ستفعل كل شيء كي تضيق على خطواته بل وان تزيله. والاستثمار في البتكوين كان دوما خطيرا، عرضة للحراكات المتطرفة والتوصية لمحبي أمراض البحر. وانهيار بثلثي سعره ترك ملايين المستثمرين الصغار، بمن فيهم الاسرائيليون، مع خسائر فادحة. كيف سينجون بأنفسهم؟ من يدري.

-----------

 عن "يديعوت/مامون"