عاجل

الرئيسية » شؤون اسرائيلية »
تاريخ النشر: 02 شباط 2018

شاعر الوطنية الاخير

يديعوت – ناحوم برنياع

كان غوري الكثير من الامور: كان شاعرا ومبدعا موهوبا، احد الاشخاص الاكثر كفاءة الذين انتجهم جيل 1948؛ كان جزءا لا يتجزأ من الدولة، محبا ومؤلما؛ كان صحافيا فاخرا، فضوليا، مهتما، اجاد في وصف ورواية القصة؛ كان مقاتلا شجاعا، متفانيا، عرف كيف يتصرف بانسانية وسخاء تجاه السكان المحتلين؛ كان رجلا بريئا، مستقيم الطريق، رجل ضمير. جد نادر ان يكون الانسان ذا انجازات كانجازاته، مكانة كمكانته، يحفظ قدرا من البراءة، يترافق والكثير من الدعابة الذاتية على مدى طول الطريق.

لقد كان شاعرنا الوطني الاخير. ليس لانه لم يقم ولن يقوم شعراء وكتاب جيدون بعده، بل لانه لم يعد هناك اجماع وطني، تكافل داخلي، انتج القصيدة الوطنية، ولا توجد قيادة وطنية تتعاطى باحترام لحمل الشاعر.

عملت الى جانب غوري، طاولة الى جانب طاولة، في اسرة تحرير صحيفة "دافار" في القدس في السبعينيات. في 1972 خرجنا لاول مرة في مهامة مشتركة. سافرنا الى بتحات رفيح، الى المنطقة التي طرد منها البدو لغرض اقامة المستوطنات في قطاع يميت. كان غوري يعتبر في حينه رجلا يمينيا؛ ولكن الظلم هو ظلم، وغوري كتب وحذر. رأيته بعد ذلك، في قضية المستوطنة في سبسطية. غوري جاء ليغطي الخبر، وسياسيان كثيرا المؤامرات، غليلي وبيرس، جعلاه سترتهما الواقية في الطريق الى تسويغ المستوطنة. غوري غضب من المناورة حتى ايامه الاخيرة.

لقد اجتاز غوري اختباره الضميري الاكبر في بداية الخمسينيات، عندما كان عضوا في اسرة تحرير "عل همشمار"، الناطقة بلسان حزب مبان. ستالين، حاكم الاتحاد السوفياتي، امر بسلسلة محاكمات صورية ضد قادة الاحزاب الشيوعية في الكتلة الشرقية. وأنشدت قيادة مبام اناشيد المجد لستالين وقبلت حكمه. اما غوري فتجرأ على التشكيك. وبتعابير ذاك الوقت كان هذا فعلا شجاعا وساحقا. بعض من كتاب جيل الـ 1948 نددو بغوري على الملأ لانحرافه.

بين الحين والاخر كنت ازور شقته المتواضعة، في اسكان الصحفيين في القدس. 80 درجة فأكثر، ولكن المشهد جميل. استمد غوري مني المعلومات وأنا استمديت منه الالهام. بين الحين والاخر جندته لمقال أو مقابلة في الصحيفة. السنوات حنت قامته وقلصت حجوم جسده، ولكن الرأس كان يعمل، الى الامام والى الوراء، المستقبل والماضي. وقصائده الجديدة كانت منعشة شابة. فلم يتوقف عن الابداع. ومئات والاف القصائد التي حفظها عن ظهر قلب عادت الى لسانه، في الزمن الصحيح.

هو وزوجته أليكا (عليزا) انضما الى الكفاح ضد تسمية الخان في باب الواد على اسم رحبعام زئيفي. وقفا هناك في ايام الجمعة وانشدا "باب الواد". مشكوك ان تكون هذه الفكرة النكراء تلغى لولا هرع غوري للتظاهر ضدها بجسده.

لقد كان البروفيسور مناحم برنكر واحدا من اصدقائه المقربين. التقيت غوري في التأبين الذي اجري لبرنكر في المقبرة في كريات عنفيم، قبل بضعة اشهر. وفي وصية الراحل لم تكن تأبينات، ولكن الناس قرأوا مقاطع أدبية. أما غوري، بصوت مختنق، فتلا قصيدة كتبها، كانت تأبينا لنفسه بقدر لا يقل عما كانت تأبينا لرفيقه.

"اريد أن اعود واكتب/ بعد وقت مت فيه للكتابة/ شيء ما حتى هم/ يمكنهم ان يقولوا عنه انه جيد/ شيء ما يستمر حين يبقى/ ليس مثلي يمر وينقضي/ شيء ما يفاجئني، يشكرني/ على ما فعلته به قبل رحيلي/ الى المكان الآخر في اقصى وجودي/ شيء ما يكون بعدي كذاكر/ يفاخر بي على حياتي التي ستكون بعدي/ تشهد انه كان جديرا لان يحمل اسمي".