عاجل

الرئيسية » شؤون اسرائيلية »
تاريخ النشر: 24 كانون الثاني 2018

خطاب نائب الرئيس الاميركي انتصار لليمين المسيحاني

هآرتس-بقلم: حيمي شليف

نائب الرئيس الاميركي مايك بينس القى أمس (الاول) أحد الخطابات الصهيونية جدا التي ألقيت في يوم ما في الكنيست، بالتأكيد من قبل سياسي اجنبي. بالنسبة لاغلبية الاسرائيليين الخطاب تبنى الرواية الصهيونية دون زيادة أو نقصان، وطرح دعما اميركيا غير مشروط لكل القرارات التي اتخذتها اسرائيل. وبالنسبة ليهود ومسيحيين مثل بينس نفسه فإن الخطاب كان حسب رأيه حلما تحقق، مسرعا لقدوم المسيح ويوم القيامة. وبالنسبة للفلسطينيين، كم هذا غير مفاجئ، الامر يتعلق بصفعة اخرى، ذنب التجاهل اضيف الى جريمة الاعتراف بالقدس، مبرر آخر لتخلي محمود عباس عن ادارة ترامب، ومحاولته أمس (الاول) في بروكسل لايجاد بديل دولي آخر.

اثناء انتقاده للفلسطينيين لأنهم غابوا عن طاولة المفاوضات، عرض بينس نظرية صهيونية مرتبة حول الحقوق الدينية والتاريخية لليهود في ارض اسرائيل، وكأن الفلسطينيين لم يوجدوا في أي يوم. لقد عبر عن تأييده وتماهيه مع "الثمن الفظيع" الذي اضطرت اسرائيل لدفعه في الحروب، لكن الاحتلال الذي مر عليه نصف قرن لم يذكره، ولا نريد التحدث عن المعاناة التي يسببها. لقد دفع ضريبة كلامية لعملية السلام لكنه اوضح أن الولايات المتحدة في عهد ترامب لن تتخذ أي موقف خاص بها في أي موضوع يتعلق بالحل الدائم، ومن المعروف أن الفلسطينيين يمكنهم نسيان أن الولايات المتحدة ستضغط على اسرائيل من اجل التنازل. عندما اعترف بالقدس، قال بينس، فإن ترامب فضل "الواقع على الخيال"، وهذا ادعاء يمكن بسهولة أن يبرر ايضا الدعم الاميركي لضم "يهودا والسامرة" لاحقا.

ما هو الغريب في أن بطلي الدبلوماسية المؤيدة للاستيطان، السفير رون ديرمر والسفير ديفيد فريدمان، راقبا من الشرفة برضى ما يقوم به البطل المسيحاني الخاص بهم. وما هو الغريب في أن التحالف القوي بين الاميركيين المسيحانيين والصهاينة المتدينين والمستوطنين والرافضين للفلسطينيين مهما كانوا، قد احتفل بأجمل ساعاته. فرسان السيف والتوراة، مثلما سمت برباره توخمان كتابها عن إزهار الصهيونية. لقد حدث في بريطانيا العظمى – استولوا أولا على مكتب رئيس الحكومة في القدس، وبعد ذلك البيت الابيض في واشنطن وأخيرا قاموا بتحطيم الفلسطينيين.

في الاساس كان هذا يوم عيد لنتنياهو، الذي تجول كعريس في هودجه متفاخرا بعروسه الجميلة ومهرها السخي بعد سنوات من المعاناة في ظل رؤساء ديمقراطيين لم يتفقوا معه، وحتى لم يتحملوه، فإن نتنياهو حظي اخيرا بالراحة والارث لدى ادارة عدوانية ومحافظة، رأيها بالمسلمين اسوأ منه. لقد توصل الى ثنائية كاملة من جهته. الولايات المتحدة واسرائيل ضد كل العالم، وهناك من يصفونها بالعزلة غير الحذرة المحاطة بالاخطار. في الوقت الذي تلاحقه فيه التحقيقات في الشرطة والحوانيت المغلقة في ايام السبت تضعضع قاعدته، فان نتنياهو يمكنه الادعاء بهدوء أنه حقق انتصارا تاريخيا على اليساريين الذين تنبأوا له منذ سنوات بالهزيمة السياسية والايديولوجية. برحابة صدره، مكن أمس بينس من استخدام منصة مقر رئيس الحكومة من اجل مهاجمة اليسار في بيته، لماذا لا، فكلهم يساريون.

بينس لم يتحدث بشكل جيد فقط، بل احضر معه البسكويت الجيد، الذي أثار جمهور مشجعيه. لقد خلق أنباء عندما أعلن أن السفارة الاميركية ستنقل الى القدس حتى نهاية السنة القادمة. وقد صادق على أنباء قديمة مرغوبة جدا على نتنياهو عندما قال إن ترامب لن يصادق على الاتفاق النووي "الكارثي"، بالطبع مع ايران. حتى أن بينس كتب فصلا جديدا في التاريخ المزيف عندما ادعى أنه لم يكن هناك أي رئيس عمل من اجل العلاقة بين الدولتين مثل ترامب، وهذا تصريح تعتبر كلمات "مبالغة وحشية" صغيرة عليه.

من خلال اعترافه بالقدس، هكذا يمكننا أن نفهم، فان ترامب عتم على اعتراف ترومان باسرائيل وعلى السلاح الدفاعي لكنيدي والسلاح الهجومي لجونسون والقطار الجوي لنكسون والسلام مع مصر لكارتر والتحالف الاستراتيجي لريغان واحتلال العراق لبوش الأب والسلام مع الاردن لكلينتون والدعم القوي لبوش الابن والدعم بعيد المدى لبراك اوباما. في عالم الوهم والتغريدات لولاية ترامب، الذي يصفه نتنياهو بفارس الشعب اليهودي دون الانفجار من الضحك، ايضا هذا يمكن أن يظهر منطقيا.

الائتلاف صفق لبينس باطمئنان وبحق: خطابات مشابهة وربما أقل حدة كانت ستسمع ايضا في مركز الليكود والبيت اليهودي. بالنسبة للمعارضة، في المقابل، لم يكن لديها خيار سوى الابتسام والتصفيق وكأنهم مسرورون، رغم أن اعضاءها فهموا جيدا قيمة الهدية السياسية التي منحها بينس لنتنياهو والاحتمال الآخذ في التلاشي لتجديد العملية السلمية في المستقبل القريب. فقط هؤلاء العرب مرة اخرى لم يعرفوا كيف يجلسون بهدوء واحترام الرئيس الاكثر عدائية لشعبهم من بين جميع الرؤساء، لهذا تم طردهم من الكنيست في اللحظة التي رفعوا فيها لافتات كتب عليها أن القدس عاصمة فلسطين. يبدو أن أحدا في مكتب رئيس الكنيست لم يفكر كما يبدو بأن الطرد التلفزيوني لاعضاء الكنيست العرب فقط لأنهم تجرأوا على رفع اللافتات، سيتم النظر اليه في ارجاء العالم كتصديق لكل الادعاءات التي يطرحونها ضد اسرائيل، ديمقراطيتها الانتقائية وتعاملها مع الفلسطينيين أينما وجدوا. فقط بسبب هذه الحادثة يجب ضخ عشرات ملايين الشواقل لمكتب جلعاد اردان من اجل اجتثاث الغرباء الذين يريدون استغلال ذلك من اجل دعاية رخيصة.

هل خطاب بينس سيتم تذكره كما عرض أمس (الاول) كنقطة ذروة في العلاقة بين اسرائيل والولايات المتحدة ونقطة انعطاف ايجابية للمستقبل، أو حصة اخرى في ماراثون الغباء الذي يشارك فيه الفلسطينيون واسرائيل منذ العودة الى صهيون؟ الايام ستقول ذلك. المؤمنون المتعصبون بأن بينس هو الآن بطلهم، وفي المقابل لا يجب عليهم الانتظار. لا توجد لديهم شكوك. لو تجرأوا أمس بشكل اكبر لكان يمكنهم تخيل الفرسان الاربعة في يوم القيامة، أو "الترامبو كلبسة"، على اسم أحد الكتب حول الادارة – الذين يطوقون الكنيست في نهاية الخطاب، بعد ذلك سماع الابواق السبعة التي تبشر بقدوم المسيح، كما ثبت في رؤيا يوحنا، وفي النهاية الانتهاء من حرب يأجوج ومأجوج التي ربما تقف على الابواب، والتي لم تستطع اسرائيل وواشنطن تمييزها بسبب ضباب الغطرسة المحيط بهما.