عاجل

الرئيسية » اقتصاد » تقارير خاصة »
تاريخ النشر: 23 كانون الثاني 2018

غياب التأمين على العمال يلقي بأرباب عمل في دائرة المجهول

 

الحياة الجديدة- إسلام أبو الهوى- كانت الحياة تسير بشكل روتيني في ورشة البناء في أحدأحياء مدينة غزة حين تعالت صرخات العمال وهم يسرعون لإنقاذ زميلهم "ن. س" بعد سقوطه من سقالة البناء من الطابق الثاني.

على الأرض تمدد العامل المصاب فاقدا للوعي قبل أن يحضر رجال الإسعاف لإنقاذه ونقله إلى المستشفى وقلوب المقاول والعمال تدعو الله ان يخرجه سالما قبل أن يخرج الطبيب عليهم مؤكدا أن الإصابة خطيرة ويلزمه المكوث في المستشفى وأن اصابته ستترك عجزا وظيفيا كاملا.

بعد أشهرمن العلاج والرعاية الصحية عاد العامل المصاب إلى منزله ليبدأ مشوارا طويلا من الألم لتحصيل حقوقه من مقاول البناء "أ.ج"، من سكان مدينة غزة الذي لم يكن يتوقع أنه سيصبح مدينا للعامل المصاب بمبالغ مالية تراكمية تتجاوز قيمتها 130.000 دولار أميركي، وهو لا يملك منها سوى قوت أبنائه.

يقول المقاول "أ.ح": أنا مقاول بسيط لا أملك سوى بعض من معدات البناء والأخشاب التي تتعدى قيمتها ألفي دولار، وحين بدأت العمل في ظل لأوضاع الاقتصادية المتردية جراء الحصار الإسرائيلي المفروض على قطاع غزة منذ ما يزيد عن عشر سنوات، لم أكن أملك النقود اللازمة للتأمين على العمال الذي يكلف مبالغ مالية ليس بمقدوري تحصيلها، أو الإيفاء بالتزاماتي المالية نحوهم في ظل تراجع الطلب على مهنة البناء في غزة، وشح مواد البناء.

وتابع: التزمت في حدود امكانياتي بخدمة وعلاج العامل المصاب وأنفقت كل ما أملك من مال لعلاجه في حين أن دخلي الشهري لم يكن يتعدى 1500 شيقل، وبسبب أن حالة المصاب تتطلب مبالغ مالية تفوق دخلي، وبسبب عدم قدرتي على التسديد، فإنني أتعرض للسجن لمدة 91 يوما، سنويا.

ويقول العامل المصاب "ن.س" وهو يجلس على كرسي متحرك ومحاولا إخفاء دموعه: أشعر بالوضع الصعب الذي يمر به المقاول(مش هاين عليّ معلمي) لكنه هو المسؤول عن الشغل والعمال، وأنا أحتاج إلى المال لإعالة أسرتي بعد ان أصبحت عاجزا عن ذلك وليس أمامي إلا المطالبة بحقي القانوني.

وتبدو قصة العامل المصاب وصاحب العمل قصة مكررة في الأراضي الفلسطينية حيث بين المطرقة والسنديان، فالفقر من جهة، والقانون من جهة ثانية، والحصار والأوضاع الاقتصادية من جهة ثالثة، ما يزيد من الأوضاع الاقتصادية السيئة للجميع في ظل غياب مساهمة السلطة لتعويض العمال كما يحدث في بعض الدول التي تساهم بجزء كبير من تعويض العمال، وبالتالي تساعد العامل وصاحب العمل وأحيانا تقيم الدولة منشآت ومشاريع لهذا الهدف بحيث لا يشعر العامل بثقله ولا يجبر أصحاب العمل على الهروب من التزاماتهم وتحميلهم أكثر من طاقاتهم.

ويطالب الحقوقيون والنقابيون من الحكومة والمشرع الفلسطيني إيجاد حلول لحماية العمال وأصحاب العمل تجنبا للوقوع في هذه القضايا والخلافات، وذلك مثل كثير من دول العالم التي تتبع أنظمة خاصة بالعمال ليجد ما يسد به رمقه بعد ترك العمل، بدلا من أن يلقى في أزقة الفقر وروتين القضاء واستغلال طاقته وعمره وشبابه دون حماية حقيقية وعملية تضمن له ولأسرته حياة كريمة.

ويتساءل المعنيون بالأمر عن سبب عدم وجود صندوق ادخار اجباري للعمال، وسبب عدم اجبار أصحاب العمل على التأمين على عمالهم وإيجاد عقوبات رادعة مع مساهمة الدولة في إيجاد حلول خلاقة، مؤكدين أهمية وجود صندوق لحماية العامل مثل الصندوق الفلسطيني لتعويض مصابي حوادث الطرق، وتساءلوا: ما هو شأن العامل إن أصيب بضرر بالغ وصاحب العمل لا يملك ما يعوضه؟

ويؤكد المحاميمحمد المصري أن قواعد القانون ونصوصه كفلت للعامل الحماية والحقوق الكاملة، وتوجب على صاحب العمل الالتزام والعمل بنظام التأمين لدىأحد شركات التأمينوفق ما نظمه قانون التأمين الفلسطيني رقم (20) لسنة 2005 وتعديلاته.

وأضاف أنه وفقا لقانون العمل الفلسطيني، وحسب نص المادة (116) من القانون رقم (7) لسنة 2000، فلا بد أن يقوم كل صاحب عمل أو منشأة بالتأمين على عماله، وأنه في حال لم يكن هناك تأمين على العامل، فان صاحب العمل يتحمل كافة الأضرار والتعويضات التي قد يتعرض لها العامل، وهذا نتيجة طبيعية فمن تسبب بالضرر يلتزم بالتعويض.

وبين المصري انه في حال ثبتأن العامل هو من تعمد إيذاء نفسه فلايستحق أيّة تعويضات، بينما في حال زادت نسبة العجز عن نسبة 35% فـ "للعامل" الحق في التعويض كون أنها نسبة عالية يستبعد فيها المشرع التعمد والإيذاء الشخصي موضحا أن قيمة التعويض تحسب بإعطاء العامل المصاب بدل أجرته اليومية حتى عمر الستين سنة، وذلك حسب نسبة العجز التي حدثت له بغض النظر عن المبلغ المالي، وفي حال لم يلتزم صاحب العمل بدفع الدين فإنه يحق للعامل اللجوء إلى طرق التقاضي، وإجبار صاحب العمل على التنفيذ، وإن لم يلتزم صاحب العمل يجوز حبسه، أو التحفظ على ممتلكاته.

ويضيف المصري: مع الأسف،إن معظم أصحاب العمل لم يؤمنوا على منشآتهم وعمالهم، وهذا مخالف للقانون ويتوجب على وزارة العمل متابعة ومحاسبة أصحاب المنشآت حماية لها وللعاملين فيها، منوها إلى أن المشاريع والمؤسسات الكبرى العاملة في فلسطين هيفقط التي تلتزم بتأمين، بينما الورش الصغيرة، والمقاولون "الصغار" فمعظمهم لا يلتزم بالتأمين وبإجراءات التعويضات والحماية، الأمر الذي قد يحدث ضررابالغا بحقهم ويحملهم أعباء إضافية فيما لو أصيب أحد العمالبإصابات بالغة أثناء العمل.

وأكد المصري أن مكافأة نهاية الخدمة حق كفله القانون للعمال بعد إنهاء أعمالهم، والمكافأة عبارة عن مبلغ من المال يتلقاه العامل ليُكمل حياته، وليغنيه عن حاجته للآخرين، وغالبا ما تحسب بأجرة شهر عن كل عام يتقاضاه العامل.

ويؤكد المواطن ماجد الللي، وهو صاحب منجرة لصناعة الموبيليا والأثاث المنزلي، ان الشرطة تطارده بين الحين والآخر لدين مستحق عليه لأحد عماله حيث التزم بدفع مبلغ 25378 شيقلا كمكافأة نهاية خدمة، وبدل اجازات وأعياد.

وأشار اللليإلى أنه التزم بتقسيط المبلغ المذكور على دفعات بقيمة ألفشيقل شهريا، إلا أنه لم يلتزم وذلك بسبب تعرض ورشته خلال العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة عام 2014، للقصف ووقوع أضرار بالغة فيها، ولم يتلق أية تعويضات، فضلا عن تردي وضعه المادي.

ويقول الللي: توجد قضيتان مرفوعتان ضدي من قبل عمال آخرين، لم أستطع الالتزام والوفاء بحقوقهم حيث تعهدت لهم برفع قيمة الأجرة مشمولة بأتعاب نهاية الخدمة، ونظرا لتردي الأوضاع الاقتصادية وارتفاع قيمة المصاريف لم ألتزم فقام العمال برفع قضيتين ضدي.

بدوره يؤكد حسن حبوش من دائرة الشؤون القانونية في وزارة العمل ان الوزارة وخصوصادائرة التفتيش والمتابعة تتابع باستمرار ومن خلال العمل الميداني اليومي المنشآت والورش وأصحابها والعاملين فيها، للتأكد من التزامها بالشروط القانونية وحصولها على التأمين اللازم للأفراد والمنشآت.

ويشدد حبوش علىأن دور الوزارة تتعدى أساليب التوعية والتثقيف إلى متابعة أوضاع المنشآت وحصر العمال، والتعرف على المشكلات التي تواجههم، للتأكد من سلامة وصدق المعلومات التي نجمعها من قِبل أصحاب العمل، ولمواجهة المنشآت التي تعمل بشكل عشوائي وغير الملتزمة بالقانون.

في حين أكدتسالي منصور، من قسم التأمينات العامة بمجموعة الأهلية للتأمين بغزة، أن التأمين على حياة العمال هو عمل راق ويحمي صاحب العمل قبل العامل، لافتة إلى أن المقابل المادي الذي تتحصل عليه شركةالتأمين يختلف حسب خطورة المهنة، فالعامل في مهنة النجارة مثلايختلف عن العامل في مهنة البناء بالإضافة إلى قيمة الأجر الذي يتحصل عليه العامل وذلك بحساب نسبة مئوية قد لا تتجاوز الـ 200 شيقل سنوياعن من دخل العامل، وقد يزيد أو ينقص هذا المبلغ حسب المعايير السابقة، وذلك لضمان حماية العامل أثناء عمله وفي أماكن تنقله.

 وتضيف منصور: هناك تخفيضات وتسهيلات كبيرة لأصحاب العمل مثل، التقسيط أو قبول شيكات مؤجلة تشجيعا لهم للتأمين على عمالهم.

وعن دور وزارة العمل ومتابعتها، أكدت منصور أن الوزارة تتابع وتراقب وتحصل على كشوفات دورية للمنشآت المؤمنة ومتابعتها، وذلك للتحقق من بوليصة التأمين التي يُظهرها أصحاب الورش والمنشآت، للتأكد ما إذا كانت سليمة أم مزورة، لكن منذ سنوات عديدة، مع الأسف، لم تقم الوزارة بواجباتها ولم تراقب المنشآت.

وحول الشروط والمتطلبات الواجب توافرها في المنشآت والورش أوضحت منصوربأنه يجب على أصحاب الورش، مراعاة سبل السلامة والأمان، وأن تكون المنشأة مرخصة من الجهات الرسمية ويمكن عمل زيارة للميدان للتحقق من ذلك، ويمكن أيضاعمل تأمينات لأصحاب العمل الذين ليس لديهم أماكن خاصة، وهؤلاء مثل: المقاولين من الباطن،أو المقاولين من الصغار.

وأكدت ضرورة التحقق من سلامة وصحة عملهم، وأعمارهم، فلا يجوز أن يكون سن العامل أقل من 18 عاما، وإن قل عن ذلك فهناك شروط ومعايير منصوص عليها في القانون لا بد من اتباعها.