عاجل

الرئيسية » اقتصاد » تقارير خاصة »
تاريخ النشر: 23 كانون الثاني 2018

القروض البنكية.. هل هي ممر إجباري لامتلاك سيارة؟

- 70% من السيارات في المعارض تباع عن طريق البنوك

الحياة الجديدة- أمل دويكات- بحثت المواطنة الثلاثينية لبنى حجازي، من سكان مدينة رام الله، طويلًا عن طريقة لشراء سيارة جديدة من دون أن تضطر إلى تسديد دفعة أولى، فأسعار السيارات في فلسطين "أصلًا غالية وأعلى من أسعار السيارات حتى في الولايات المتحدة" حيث كانت تقيم قبل مجيئها واستقرارها مع زوجها في رام الله. وأخيرًا، وجدت لبنى الحل، حين لجأت إلى أحد البنوك الوافدة العاملة في فلسطين، حيث يقدم الأخير تسهيلات لشراء سيارة "عن طريق البنك" دون الحاجة إلى دفعة أولى، وهكذا اشترت لبنى سيارتها التي تسدد قيمتها 500 دولار أميركي شهريًا وعلى مدار 6 سنوات.

لبنى واحدة من آلاف الموظفين الذين لا يمكنهم تحقيق حلمهم بشراء سيارة أو شقة إلا عن طريق قرض بنكي، إذ تشير الأرقام الصادرة عن سلطة النقد الفلسطينية إلى أنّ قيمة القروض المقدمة لغرض شراء سيارة بلغت 269 مليون دولار حتى نهاية الربع الثالث من العام 2017، مرتفعةً بنسبة 17% عن الفترة نفسها من العام 2016.

وتشير الأرقام أيضًا إلى أن قيمة قروض السيارات بلغت مع نهاية العام 2013 في فلسطين 130.5 مليون دولار، ومع نهاية 2014 بلغت 165.1 مليون دولار، ومع نهاية 2015 بلغت 200.7 مليون دولار، ومع نهاية 2016 بلغت 229.3 مليون دولار. الأمر الذي يؤكد تصاعد وتيرة قيمة القروض المقدمة سنويًا لشراء السيارات.

لماذا القروض؟

بالنسبة للمواطن وخاصة الموظف فإنه من الصعب توفير مبلغ لشراء سيارة أو شقة مثلًا، "سيارة تبلغ قيمتها 36 ألف دولار كم سنة سأحتاج لتوفير ثمنها؟؟"، هكذا قالت المواطنة لبنى حجازي الأم لطفلتين والموظفة في مدرسة خاصة في مدينة رام الله، "التوفير بات من الماضي، اليوم متطلبات الحياة كثيرة وغالية الثمن وخاصة في مدينة رام الله، فكم سنمضي من الوقت ونحن ندخر حتى نحصل على مقتينات ضرورية لحياتنا، والسيارة باتت إحدى هذه المقتنيات، فهي وسيلة أكثر توفيرًا من المواصلات".

الشاب محمود البرغوثي (30 عامًا) لم يجد أفضل من التوجه إلى أحد البنوك المحليّة ليشتري سيارة عن طريقه، إذ أتاح له البنك أن يشتري السيارة التي يريدها بتقسيط لمدة 4 سنوات، وبفائدة تصل إلى 9 آلاف شيقل.

والذي دفع محمود لشراء سيارة عن طريق البنك، هو أنّ شراء السيارة عن طريق التجار غالبًا تصاحبه مشكلات مثل "السعر أغلى من أسعار البنك، والتاجر لا يتنازل عن ملكية السيارة إلا بعد تسديد آخر دفعة، عوضًا عن أن بعض السيارات قد يكون فيها مشكلة بالملكية فقد لا تكون ملكًا خالصًا للتاجر وهذا يدخلنا في مشكلة أخرى".

ويقول محمود إنّ من سلبيات القروض "أن تعيش حياتك بنصف راتب فقط، وما إن تنتهي من تسديد ثمن السيارة بعد سنوات، حتى تبدأ بصيانتها، ولا تقل عملية صيانة أي قطعة في السيارة عن 1000 شيقل عادةً، ويبدأ سعرها بالهبوط فيبلغ أقل من نصف ثمنها عند الشراء، وتفكر بشراء أخرى جديدة".

ومن ناحية أخرى، فإن العروض المستمرة من البنوك المحليّة والوافدة تشكّل فرصة "ذهبيّة" لكثير من الموظفين للحصول على "سيارة العمر" بشروط وتسهيلات مناسبة للموظف. "الطلب على السيارات ازداد بشكل كبير في  الفترة الأخيرة، على الأقل وصلتنا عروض من 5 شركات سيارات، كما أنّ المنافسة بين البنوك كبيرة في هذا المجال، والأسعار منخفضة وتناسب الموظف" هكذا علّق سامي الصعيدي المدير العام للبنك الإسلامي العربي حول زيادة نسبة قروض السيارات.

نقص سيولة!

يقول داود (36 عامًا)، وهو مدير مبيعات في أحد معارض السيارات في مدينة رام الله، إنّ 70% من السيارات في المعرض يتم بيعها عن طريق البنك، وذلك "لأن الناس ما معها كاش، ويضطرون لشراء السيارة عن طريق البنك (...) نحن لا نتعامل بالشيكات ولذلك إمّا أن يشتري المواطن مباشرة من المعرض أو يذهب إلى البنك".

ويضيف داود أنّ نسبة البيع عن طريق البنوك زادت في السنة الأخيرة (2017) حيث لم يعد بإمكان كثيرين تأمين الدفعة الأولى من ثمن السيارة، مؤكدًا أن السيارات في المعرض الذي يعمل لديه أقل بكثير من أسعارها في معارض وشركات أخرى.

من أين جاءت القروض؟

قال د. عبد الفتاح أبو شكر، الأستاذ السابق في قسم الاقتصاد بجامعة النجاح الوطنية، لـ"حياة وسوق" إنّ تشجيع الحكومة لسياسة الإقراض منذ أكثر من 10 سنوات لمنع عملية إخراج ودائع البنوك إلى الخارج، وهذه السياسة أدّت إلى انتشار الطلب على الشقق السكنية والسيارات خاصة في مدينة رام الله، وتتبعها المدن الكبرى الأخرى.

ومن السلبيات التي نجمت عن هذه الظاهرة، ما يسمى "بالفقاعة المالية" كما قال د. أبو شكر، حيث النقص الحاد في السيولة نتيجة "لأن راتب الموظف ينزل على البنك، والأخير يخصم مباشرة من راتبه، فأصبح الموظف يلجأ إلى الشيكات، لعدم وجود السيولة، وانتشرت ظاهرة الشيكات الراجعة بشكل كبير لأنه لا توجد أرصدة تغطي هذه الشيكات".

ويقول أبو شكر إنّ الدول تلجأ في هذه الحالة إلى ضخ السيولة، لكن السلطة الوطنية ليس لديها عملة رسمية مستقلة، وتضخ فقط ما يأتيها من الشيقل الإسرائيلي والعملات الأخرى المتداولة.

وتوقع أنّ "أسعار العقارات مستقبلًا قد تنهار بسبب هذه الأزمة" واستحضر تجربة الولايات المتحدة الأميركية في العام 2008 حين وقعت "أزمة الرهون العقارية" وذلك بعد بضع سنوات فقط من تخفيض نسبة الفائدة على أسعار السيارات والشقق السكنية مما أدى إلى حالة كساد وإفلاس بعض البنوك.

وبحسب بيانات البنك الدولي، فإنّ توقعات نمو الاقتصاد الفلسطيني للعام 2018 قد انخفضت من 3% إلى 2.5% فقط. مما يعني أن الاقتصاد، الذي يرزح تحت الاحتلال أصلًا، بات يواجه مشكلات داخلية معقدة، وربما يتأخر أفق حلها لسنوات.