عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 27 آب 2015

​مدرستي يا مدرستي

سما حسن

 لم أحب يوما المدرسة واقصد مدرسة "الأونروا" التي تعلمت فيها حتى الصف التاسع رغم أنني كنت تلميذة متفوقة، ولكني كنت أراها مثالا مجسدا لتكريس مبدأ العنصرية والتفرقة، فالمعلمات اللواتي كن يتلقين رواتبهن بالعملة الأجنبية رأيتهن متكبرات ومتعاليات، ورأيتهن ايضا يقمن بأسلوب عنصري واضح في التمييز بين التلاميذ فقد كانت المعلمة تخصص صفا من المقاعد الخشبية المتآكلة وتطلق عليه "صف الأغبياء" وتجلس فيه التلميذات اللواتي يحصلن على معدلات متدنية سواء في الاختبارات الشهرية أو النهائية.

 كنت أرثي لهن وأنا ارى المعلمة تتجاهل وجودهن ولا تشرك أيا منهن في نشاط من نشاطات الفصل أو تختار واحدة لتكون مثلا "عريفة الفصل" فالعريفة أي المسؤولة عن نظام الفصل وهدوئه وانضباطه في غياب المعلمة وهي إما الأولى على الفصل أو ابنة احدى المعلمات أو قريبة مديرة المدرسة.

في أحد الايام نادت المعلمة أسماءنا وهي تسلمنا أوراق اختبار الرياضيات وفوجئت وهي تنادي تلميذة حصلت على أعلى درجة في الفصل أنها تجلس في "صف الأغبياء" وحين سلمتها ورقتها التفتت كل التلميذات الصغيرات نحوها تعجبا، وسألتها المعلمة بكل قسوة: من اين حصلت على هذه الدرجات؟ وهل قمت بالغش من زميلة متفوقة؟

 والتلميذة تلك حصلت على الدرجات العالية بعد أن اهتم بها والداها لأنها كانت الابنة الوحيدة لهما وتعاني من مرض يبطئ نمو جسمها، ومنذ تلك الحادثة اصبحت تلك التلميذة صديقتي المقربة وكرهت أكثر نظام تعليمنا الأجوف والمتسلط والتابع لعقلية الشارع للأسف.

"تيد ستيوارد" هو تلميذ اميركي كان من الممكن أن يبقى في "صف الأغبياء" لولا أن معلمته بحثت عن اسباب تراجع مستواه الدراسي وعلمت أن وفاة أمه هي السبب فصممت أن تبقى معلمته وتوقفت عن وضع اشارة خطأ حمراء وكبيرة على دفاتره حتى كبر الطفل وتفوق واصبح الطبيب الشهير الذي له جناح يحمل اسمه لعلاج السرطان في مستشفى (ميثودوست) في ولاية أيوا الأميركية.

مع بداية العام الدراسي في فلسطين نحن بحاجة لأمثال هذه المعلمة ونحن بحاجة لتغيير أنظمتنا التعليمية وبرامجنا التربوية التي نتناقلها عاما بعد عام وتحول أولادنا لآلات تحفظ وتكتب وتنسى، وتحولهم لكارهين للمدرسة ولا يذكرونها سوى أنها وسيلة تعذيب وانتقام وأن المعلمة لم تكن الأم الثانية كما كنا نضطر للكتابة في دروس الانشاء والتعبير، وانها لم تكن تستحق المبلغ الذي نقتطعه من مصروفنا كل عام لنقدم لها هدية اجبارية في عيد الأم.

ومع بداية العام الجديد نحن بحاجة للعناية أكثر بجيل المستقبل ففي اليابان يتذوق المعلمون وجبة الطعام المدرسية قبل التلاميذ، وفي بلادنا تترك للتلاميذ دورات المياه القذرة والمعطوبة الصنابير وتخصص الحمامات النظيفة والمعقمة للمعلمين وكبار الزوار ويطلب منهم المحافظة على النظافة مع التشدق بالعدل والمساواة.