الحقيقة التاريخية
معاريف-بقلم: البروفيسور آريه الداد

يعيش المعسكر الوطني في اسرائيل في ظل "الصدمة": اسقاط حكومة شامير في 1992 على ايدي اليمين، وكنتيجة لذلك، صعود اليسار الى الحكم واوسلو. ومنذئذ وهم يقسمون "لن يكون مرة أخرى ابدا!" ولكن ما الذي كان في حينه حقا؟
في 23 حزيران 1992 جرت انتخابات للكنيست الـ 13. وهكذا تكون الانتخابات تقدم موعدها باربعة اشهر ونصف الشهر التي كان يفترض أن تتم في 3 تشرين الثاني من تلك السنة. في تلك الانتخابات فشل رئيس الوزراء اسحق شامير في محاولته لاعادة انتخابه، واسحق رابين، في رئاسة حزب العمل، شكل الحكومة التالية. هذه الحكومة وقعت على اتفاقات اوسلو.
حكومة شامير لم تسقط في تصويت لحجب الثقة. شامير هو الذي قرب موعد الانتخابات. صحيح أن احزاب اليمين، هتحيا وموليدت، انفصلا عن حكومته على خلفية مشاركته في مؤتمر مدريد (في نظرة الى الوراء – خطوة مغلوطة). حزب يميني آخر، تسومت برئاسة رفائيل ايتان، انسحب قبل ذلك (على خلفية الخلاف حول الانتخاب المباشر لرئيس الوزراء)، لكن احزاب اليمين التي انسحبت تعهدت بدعم حكومة شامير "من الخارج"، من المعارضة، وعدم السماح لليسار بإسقاطها في تصويت لحجب الثقة. ومع ذلك، فضل شامير تقديم موعد الانتخابات، ليس بسبب البروفيسور يوفال نئمان، زعيم هتحيا؛ لا بسبب رحبعام (غاندي) زئيفي، زعيم موليدت، او رفائيل ايتان، زعيم تسومت، بل بسبب المرارات التي اشبعها اياه رفاقه في الليكود، والفساد الذي استشرى في دوائر الحكم، وان كان احدا لم يطرح حتى ولا بالتلميح ان شامير نفسه مصاب بالفساد.
ماذا حصل في الليكود؟ كان سيئا جدا. الوزير اسحق موداعي، وبعض من مقربيه انسحبوا من الليكود واقاموا "كتلة تقدم الفكرة الصهيونية". موداعي نفسه كان مستعدا لان يواصل كونه وزيرا في حكومة شامير فقط اذا ما اودع في يديه ضمانة بنكية بمبلغ 10 ملايين شيقل كي يعين وزيرا للمالية في الحكومة الجديدة. ثلاثة من كبار الحزب، ارئيل شارون، دافيد ليفي واسحق موداعي، ممن ادعوا انهم "مخلصون لبلاد اسرائيل" اكثر من اسحق شامير (الذي لم يعط ميلمترا من الارض للعرب، عارض الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية ورفض كل حياته اقامة دولة فلسطينية)، اقاموا "المطوقين" واتهموا شامير، الى هذا الحد أو ذاك، بخيانة مبادئ وحدة البلاد. الى اين وصل هؤلاء بعد ذلك – نحن نذكر. شارون خرب 25 مستوطنة في فك الارتباط، شق الليكود واقام كاديما. دافيد ليفي انسحب من الليكود واقام جيشر، ولاحقا ارتبط بحزب العمل في قائمة واحدة. بعد ذلك عاد وانشق مرة اخرى. موداعي انسحب من الليكود، اقام "الحزب الليبرالي الجديد" وفشل في انتخابات 1992. نائب وزير الخارجية بنيامين نتنياهو اتصل من مؤتمر مدريد بقادة هتحيا وطلب منهم تطويق شامير، وما فعله شارون بشامير باسم بلاد اسرائيل ومكافحة الارهاب – لم يفعله حتى خصماه بيريس ورابين. استقالة شارون ومحاولة الانقلاب في "ليلة الميكروفونات" كان جديرا بان يحز في ذاكرة الليكود اعمق بكثير من مجرد تقديم موعد الانتخابات بعدة اشهر. لقد وضع الليكود على رأسه لاحقا شارون اياه الذي حطمه، وحطم الاستيطان والامن في غلاف غزة.
لكن نداء المعركة المظفر من خصوم الليكود من اليسار كان "أيها الفاسدون مللناكم". الفساد استشرى بالفعل في احزاب ائتلاف شامير. مراقبة الدولة نشرت قبيل الانتخابات تقريرا خطيرا للغاية تضمن ادعاءات ضد وزراء في الحكومة. وقضية لاقت انتباه الناخب كانت سلوك ليمور لفنات (في حينه لم تكن نائبة بل المديرة العامة لـ "مركز البناء")، التي اقامت مناسبات استعراضية على حساب مركز البناء. في شاس تقدمت تحقيقات زعيم الحزب آريه درعي بتهمة الرشوة، والنائب يئير ليفي من شاس قدم للمحاكمة بتهمة نقل اموال فاسدة من جمعية "الـ همعيان". كما ان الضمانة البنكية التي طلبها موداعي من رئيس الوزراء ساهمت هي الاخرى، وقضايا العميد رامي دوتان في سلاح الجو وتسريع اسهم البنوك اضاف الى الاحساس بان الدولة تغرق في غياهب الفساد.
شامير، الذي شخص جيدا هبوط الليكود في الاستطلاعات، قدر انه سينجح في تقليص الضرر اذا ما قدم موعد الانتخابات. ولكن هذا كان متأخرا جدا. لو كانت جرت الانتخابات في موعدها ("واليمين ما كان اسقط حكومة اليمين")، لكانت نتائج مشابهة. وربما أسوأ.
ان الادعاء الدارج هو ان المسمار الاخير في تابوت حكومة اليمين ضربته احزاب هتحيا، تسومت، موليدت والحاخام لفينغر، والتي لم تتمكن من التغلب على النزاعات الشخصية والاتحاد في كتلة واحدة. رياضيا، هذا صحيح. هتحيا وحزب موشيه لفينغر لم يجتازا نسبة الحسم، وهكذا فقد المعسكر الوطني نحو ثلاثة مقاعد؛ وهو فقدان زائد وأليم. ولكن العمل برئاسة رابين فاز بـ 44 مقعدا، والليكود بـ 32 فقط. وكلف رابين بتشكيل الحكومة. لولا الانشقاق والانقسام لكان ممكنا لليمين أن يعرض نظريا كتلة مانعة من 62 مقعدا. ولكن حتى في مثل هذه الصورة ما كان لاحد ان يضمن في أن ينضم شاس ويهدوت هتوراة بالضرورة الى حكومة اليمين وليس الى حزب العمل مثلما فعلا حقا.
وبالتالي، فان "صدمة" 1992، التي خطت في الذاكرة كخطوة "اسقط فيها اليمين حكومة اليمين"، لم تكن ولم يكن لها اساس. اذا كان هناك درس جدير بان نتعلمه من تلك الايام، فهو خوض حرب ابادة ضد الفساد والتكتل حول زعيم مناسب، مخلص لبلاد اسرائيل ونظيف اليدين.
مواضيع ذات صلة
222 قتيلًا منذ مطلع العام: مقتل شقيقين وإصابة والدهما في الرملة
مئات الآلاف من "الحريديم" يتظاهرون ضد قانون التجنيد في جيش الاحتلال
وزير جيش الاحتلال يقرر منع زيارة ممثلي الصليب الأحمر للمعتقلين
كفر ياسيف: المئات يتظاهرون تنديدًا بجرائم القتل وتواطؤ الشرطة الإسرائيلية
تظاهرة حاشدة في تل أبيب للمطالبة بوقف الحرب على غزة وإبرام صفقة تبادل
مقتل مواطنين في جريمتي إطلاق نار في رهط ودير الأسد