قطاع الصناعات البلاستيكية ينمو فلسطينيا ويتراجع إسرائيليا.. فما السر؟
إسرائيل تسعى للتخفيف من الأضرار الصحية والبيئة بالاعتماد على المناطق الفلسطينية

- الصناعات البلاستيكية لها مخلفات تضر بالبيئة والإنسان على المدى البعيد
- الحجم الأكبر من إنتاج المصانع الفلسطينية يذهب إلى السوق الإسرائيلية والعامل الفلسطيني يدفع الفاتورة من صحته
- مدينة الخليل تستحوذ على حصة الأسد من عدد المصانع وتنتج نحو 80% من إنتاج الضفة
- 23 منشأة فقط في قطاع البلاستيكيات تتركز غالبًا في المناطق ذات الكثافة السكانية العربية
- خبراء: آليات الرقابة الفلسطينية ضعيفة على هذا القطاع ما يجعل كثيرين يسيئون استخدام المواد خلال عملية الإنتاج
نابلس - الحياة الجديدة- أمل دويكات - حين تتجول في المناطق الصناعية الرئيسة بين شمال الضفة الغربية وجنوبها، يستوقفك عدد المنشآت المتخصصة في الصناعات البلاستيكية، التي بدأت تزداد يومًا بعد يوم، إذ تنامى قطاع الصناعات البلاستيكية الفلسطينية في السنوات الأخيرة، في الوقت الذي يشهد فيه القطاع نفسه تقلّصًا ملحوظًا في مناطق الاحتلال الإسرائيلي. إلّا أن الازدهار الذي يقابله تراجع إسرائيلي يعزوه كثيرون إلى محاولة إسرائيلية للتخفيف من الأضرار الصحية والبيئية في مناطق الاحتلال من خلال الاعتماد على المناطق الفلسطينية في إنتاج المواد البلاستيكية، والتي من المعروف أنّ لها مخلفات تضر بالبيئة والإنسان على المدى البعيد.
يقول المدير العام للغرفة التجارية في مدينة الخليل، المهندس طارق التميمي، عن أسباب ازدهار قطاع الصناعات البلاستيكية فلسطينيًا إنّ "التطور الحاصل على قطاع البلاستيك ينبع من حاجة السوق الفلسطينية لهذا القطاع، كما أنّ الحجم الأكبر من الإنتاج يذهب إلى السوق الإسرائيلية، أي أن الطلب الإسرائيلي الكبير يدفع المصانع لإنتاج كميات تكفي السوقين الإسرائيلية والفلسطينية كذلك".
وحسب موقع الاتحاد العام للصناعات الفلسطينية فإنه في الضفة وغزة، ومقابل 140 منشأة في العام 2014، هناك 162 منشأة في مجال الصناعات البلاستيكية مسجلة لدى اتحاد الصناعات البلاستيكية الفلسطينية في العام 2017، منها 72 مصنعًا في مدينة الخليل وحدها.
رئيس اتحاد الصناعات البلاستيكية الفلسطينية السابق، أحمد حسونة، يوضح لـ"حياة وسوق" أنّ قطاع الصناعات البلاستيكية ينمو فلسطينيًا بشكل مطرد، وأنّ مدينة الخليل وحدها تستحوذ على قرابة نصف المصانع والشركات في هذا المجال في الضفة، كما أنّ إنتاج مصانع الخليل يشكّل ما بين 75%- 80% من إنتاج الضفة الإجمالي سنويًا.
وحسب الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، بلغ عدد المؤسسات العاملة في أنشطة الصناعة للعام 2015 في فلسطين 18056 مؤسسة، يعمل فيها قرابة 90500 عامل. وبلغ حجم الإنتاج فيها أكثر من 3 مليون و800 ألف دولار.
أما قطاع الصناعات البلاستيكية فهو يشغّل 5000 عامل على الأقل، ويشير المدير العام للغرفة التجارية في الخليل، المهندس طارق التميمي إلى أنّ القطاع يحتاج حاليًا إلى 500 عامل، ما يعني أنّ القطاع يتطور بشكل كبير، ويشغل أيدي عاملة ويخلق فرص عمل في السوق الفلسطينية.
ازدهار هنا وتراجع هناك
عطفًا على المعلومات أعلاه، وبينما يتطور هذا القطاع فلسطينيًا، ويشهد تزايدًا في عدد المنشآت عامًا بعد عام، فإنّ المنشآت الإسرائيلية في قطاع البلاستيكيات بلغت 23 منشأة فقط حتى العام الحالي، وذلك بحسب موقع "إسرائيل سايَنْس آند تكنولوجي" الذي يرصد حجم المنشآت في كافة قطاعات الصناعة.
ومن ملاحظة توزيع المنشآت في المناطق الإسرائيلية نفسها، فإنّها تنتشر في المناطق الصناعية والمدن التطويرية وتتركز غالبًا في المناطق ذات الكثافة السكانية العربية، كالمناطق الشمالية وبعض المستوطنات مثل مستوطنة كريات أربع في مدينة الخليل.
ومن الملاحظات، كما ذكرها أكثر من مصدر، فإنّ المصانع الإسرائيلية بالأصل تشغّل أيدي عاملة عربية، ومن المعروف كذلك أن العمالة العربية أرخص من مثيلتها الإسرائيلية.
وهناك مؤشر آخر على تقليص حجم المنشآت الإسرائيلية، وهو الاعتماد الإسرائيلي الكبير على استيراد المنتجات البلاستيكية من مصانع الضفة الغربية وخاصة مصانع الخليل، كما ذُكر آنفًا.
وبحسب ما ذكر رئيس اتحاد الصناعات البلاستيكية السابق، أحمد حسونة، فإنّ 80% من منتجات قطاع البلاستيك تذهب إلى المناطق الإسرائيلية، يعني إذا تم إنتاج 100 قطعة تُصدر 80 منها إلى مناطق الاحتلال.
ويقول أيمن أبو تبانة، وهو صاحب مصنع للأكياس البلاستيكية في محافظة الخليل، إنّ "أكثر من 90% من إنتاج المصنع يذهب إلى السوق الإسرائيلية".
وفي حديث "حياة وسوق" إلى مصدر تجاري رفض الكشف عن هويته، قال: "منذ عدة سنوات، لاحظت أنّ أحد المصانع الإسرائيلية في الشمال (الخضيرة) يستورد منتجات بكميات كبيرة من مصانع الخليل، إضافة إلى ما لاحظته داخل المصنع من وجود منتجات بلاستيكية مطابقة تمامًا للمنتجات المصنّعة داخل الخليل، ما يعني أنّ هناك خطوط إنتاج فلسطينية بأكملها تذهب خصيصًا إلى المستورد الإسرائيلي".
وتابع المصدر نفسه: "مصدر إسرائيلي ذكر أنّ المخاطر البيئية تدفع المصنّع الإسرائيلي للبحث عن المنتج بأقل أضرار بيئية ممكنة، لأن الصناعات البلاستيكية لها تأثير صحي على الإنسان وتأثير بيئي في البيئة المحيطة على المدى البعيد".
صاحب مصنع البلاستيك، أيمن أبو تبانة، قال في هذا الصدد إنّ مصانع فلسطينية تضع (الليبل) الإسرائيلي على منتجاتها، وأن منها ما يكتب عليه (صنع في إسرائيل) كذلك. وهذا يدل على اعتماد الإسرائيليين الكبير على المصنّع الفلسطيني خاصّة في الصناعات التي تعتبر شاقة كما أوضح أبو تبانة.
مصدر محلي ثانٍ رفض الكشف عن اسمه قال إنّ أحد المصانع الإسرائيلية منذ 10 سنوات على الأقل أغلق أبوابه، وعَهِد إلى أحد المصانع الفلسطينية بتصنيع كافة المنتجات التي يحتاج إليها، بما يشمل وضع العلامة التجارية الخاصة بالمصنع الإسرائيلي على المنتجات التي تخرج من المصنع الفلسطيني".
إسرائيل "تحمي نفسها"
ومن المؤشرات الأخرى على سعي إسرائيل للتخفيف من الأضرار البيئية للمنتجات البلاستيكية تشريع "قانون أكياس البلاستيك في إسرائيل" وسريان مفعوله منذ مطلع العام الحالي. وفيما يلي النقاط الأساسية للقانون:
* يسري مفعول قانون تخفيض استعمال أكياس التسوق أحادية الاستخدام 2016 في 1/1/2017.
* يحذر القانون إعطاء أكياس التسوق أحادية الاستعمال مجانًا.
* تُباع أكياس التسوق أحادية الاستعمال في صندوق الدفع في المتاجر الكبيرة مقابل 10 أغورات على الأقلّ.
* تشجّع وزارة حماية البيئة الجمهور على استعمال أكياس التسوق متعددة الاستعمال.
والبنود الواردة أعلاه نقلًا عن موقع وزارة حماية البيئة الإسرائيلية (النسخة العربية).
وذكر الموقع نفسه بتاريخ 4/10/2017، أنّ هناك نتائج اعتبرها "ملموسة" لتطبيق قانون "أكياس البلاستيك" الذي دخل حيز التنفيذ منذ مطلع العام، ولخّصها فيما يلي: "في الربع الثاني من عام 2017 باعت المحلات التجارية الكبيرة 95 مليون كيس بلاستيك أحادي الاستعمال بما يوفّر حوالي 1800 طن من نفايات البلاستيك.
في الربع الثاني من 2016 اشترت المحلات التجارية الكبيرة 450 مليون كيس أحادي الاستعمال. فبعد سريان القانون، انخفض عدد الأكياس البلاستيكية بحوالي 80%. أي تم توفير 1800 طن بلاستيك.
في الربع الأول تمّ بيع حوالي 78 مليون كيس بلاستيك في المتاجر الكبيرة. أي التخفيض بنسبة 80% مقارنة بالربع الأخير من عام 2016 قبل سريان القانون".
خطورة بيئية
نشر موقع دويتشه فيله بالعربية، مطلع شباط/ فبراير 2017، خبرًا يقول إن نحو 4% من الإمدادات العالمية من النفط الخام تستعمل في تصنيع مواد بلاستيكية. وهذا له خطورة كبيرة على البيئة، حيث أن إنتاج كل كيلوغرام من البلاستيك، يضخ ما يعادل ستة كيلوغرامات من ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي.
ومن المعطيات غير المبشّرة في قطاع الصناعات البلاستيكية، يذكر رئيس اتحاد الصناعات الفلسطينية السابق، أحمد حسونة، أنّ استعمال اللدائن الحيويّة أفضل لأنها تعد أقل خطورة على البيئة، لكن يتم العزوف عنها في التصنيع لارتفاع أسعارها، كما أن المواد الخام المستخدمة في تصنيع أكياس النايلون تخلط بمادة الجير الشبيهة بمادة "البودرة" وهذا يعد غشًا في التصنيع.
ويتابع حسونة أنّ آليات الرقابة الفلسطينية ضعيفة على هذا القطاع، ما يجعل كثيرين يسيئون استخدام المواد خلال عملية الإنتاج، مؤكدًا أن "العملية الإنتاجية الصحيحة، والمادة المناسبة، والاستخدام الأمثل للمواد حتى لحظة إعادة تدويرها، تشكّل جميعًا حلقة متكاملة تقلل من الأضرار الصحية والبيئية الناجمة إلى الحد الأقصى".
أيمن أبو تبانة، قال تعقيبًا على ذلك إنّ "عملية الغش تكمن في استخدام المواد الخام الخاصّة بالـ(ريسايكل) وهي تشكّل 20% من إنتاجنا في المصنع فقط، وهي ذات مواصفات أقل من المواد الخام الأخرى بحيث ننتجها فقط لصناعة أكياس النفايات، ولها آلة خاصة بها أيضًا، أما ما يحدث في بعض المصانع فهو استخدام هذه المواد في صناعة أكياس النفايات وغيرها من الاستخدامات الأخرى، وهو أمر يعود إلى ضمير صاحب المصنع والقائمين عليه".
وأكّد أبو تبانة أنّ "عدم وجود الرقابة يسبّب كل هذه التجاوزات، ولا يوجد أي شكل من أشكال فحص الجودة في الاستيراد أو حتى مراقبة جودة المنتج بعد التصنيع، وفي المقابل حين نصدّر إلى مناطق الاحتلال فإن الإسرائيليين يفحصون كل منتجاتنا بدقة قبل دخولها إلى الأراضي المحتلة، ونحن نصنّع وفق المواصفات والمقاييس الإسرائيلية حتى نضمن جودة المنتج، فهم يشكلون السوق الأكبر لإنتاج مصنعنا والمصانع الأخرى".
دور الجهات الرسميّة
وردًا على ما قاله أكثر من مصدر حول عدم وجود رقابة، ووجود أثر صحي سلبي على العاملين في قطاع الصناعات البلاستيكية، قال مدير عام الصحة السابق في الخليل د. رامي قواسمة إنّ الرقابة موجودة والحكومة تراقب ما يدخل بحسب مواصفات ومقاييس بالطبع، لكن الادعاء بعدم وجود رقابة يعني أنّ هناك طرقًا ملتوية مثل التهريب، للتحايل على الحكومة والمواطنين.
وأضاف الدكتور قواسمة أنّ المواد الخام المستخدمة في الصناعات البلاستيكية بحسب المواصفات الفلسطينية لا تضر بصحة الإنسان، وأنّ هناك إجراءات سلامة ووقاية يجب على العاملين اتباعها لعدم التأثر سلبًا بما يصدر عن تصنيع هذه المواد، مؤكدًا أن الوعي هو ضرورة في كل مجالات العمل وليس فقط في مجال صناعات البلاستيك.
وتابع أنّ التحديثات المستمرة في عمليات التصنيع وإدخال التكنولوجيا المتطورة في هذا المجال تخفف بشكل كبير من الأضرار الصحية والبيئية.
وأشار قواسمة إلى أنّ هناك دائرة متخصصة هي صحة البيئة تابعة لوزارة الصحة تعنى بالمجال التوعوي الصحي والبيئي.
تجارة مغرية رغم الضرر والاستغلال الإسرائيلي
وفق تقديرات الغرفة التجارية في الخليل فإنّ مصنعًا واحدًا من مصانع المنتجات البلاستيكية واللدائن (المصانع الكبرى التي تشغل مئات العمال) ينتج ما يعادل 18 طنًا من المواد يوميًا، وعند الأخذ بالاعتبار أن تكلفة المواد الخام وتكلفة إنتاج الطن الواحد تعادل 5500 شيقل، وأن الربح على كل طن يساوي 1500 شيكل، فإن الطن الواحد يصدّر بمبلغ 7000 شيقل، أي أن مصنعًا واحدًا يبيع يوميًا بما مقداره 126000 شيقل. وإذا قُدّر البيع شهريًا فإنّ المصنع الواحد يبيع بقرابة 3 ملايين و800 ألف شيقل.
وهذه الأرقام التقديرية تزيد وتنقص حسب مجال الإنتاج، وحسب الطلب على المواد المصنوعة خاصة في السوق الإسرائيلية.
وحيث ينأى الإسرائيليون بأنفسهم عن إقامة مصانع جديدة إسرائيلية، ويشغّلون أيدي عاملة عربية في المصانع القائمة، وحيث يقيمون مصانعهم في المناطق الأقرب من الوسط العربي، ويستوردون معظم استهلاكهم من المصانع الفلسطينية للتخفف من الأعباء الناجمة عن الأضرار البيئية والصحية التي تشرع فيها قوانين إسرائيلية صارمة، فإنهم أيضًا يعملون بشكل خفي تحت مظلة مصانع فلسطينية تنتج وتصدر بأسماء مصانع إسرائيلية، أي نقل العبء إلى المناطق المحتلة عام 1967.
وفي حين تنتعش المصانع الفلسطينية وتشغل أيدي عاملة أكثر، وتصدّر بنسبة أكبر إلى السوق الإسرائيلية، فإنها في المقابل قد تدفع أثمانًا على المدى البعيد، من صحّة العامل الفلسطيني والبيئة الفلسطينية، خاصة في ظل معطيات ضعف الرقابة وسوء استخدام البعض للمواد الخام في مثل هذه الصناعات.
مواضيع ذات صلة
أسعار النفط ترتفع مع تجدد التوترات في مضيق هرمز
أعضاء مجلس إدارة سلطة النقد يؤدون اليمين القانونية أمام الرئيس
انخفاض أسعار النفط بأكثر من 7% واستقرار الذهب عالميا
الدولار يهبط مجددا عند أدنى مستوى منذ 1993: تراجع صرفه مقابل الشيقل إلى 2,92
محافظ سلطة النقد يشارك في الاجتماعات السنوية المشتركة للهيئات المالية العربية 2026
الذهب يبدأ بالارتفاع رغم توجهه لتسجيل خسارة أسبوعية
الإحصاء: ارتفاع معدلات البطالة في قطاع غزة والضفة خلال 2025