عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 25 آب 2015

العراق عصي على اميركا

عمر حلمي الغول

رغم النجاحات، التي حققها التحالف الاميركي الاسرائيلي في العراق الشقيق: من سن دستور يعتمد "الفيدرالية"، وتثبيت حكم ذات طابع طائفي، ونشر الفوضى الدينية والطائفية والمذهبية والاثنية عبر إنشاء "داعش" وغيره من الميليشيات الشيعية"، والدفع بـ"استقلال" كردستان العراق عن النظام المركزي، ونهب ثروات وخيرات وتراث وحضارة العراق العظيمة، وتدمير اقتصاده، إلا ان الشعب العراقي بكل فسيفسائه وتلاوينه، ما زال متمسكا بهويته الام، الهوية القومية العربية الحافظة والحامية اتباع الاثنيات الاخرى، ورافضا خيار التمزيق الديني والطائفي من حيث المبدأ، ومصرا على حماية ركائز الدولة العراقية، وطن العراقيين جميعا: عربا وكردا وتركمان واتباع الديانات والطوائف كلها: الاسلام والمسيحية والصابئة والازيديين... إلخ.

لكن اعداء العراق خاصة الولايات المتحدة الاميركية، تأبى القبول بخيار الشعب العراقي. فمنذ اعلن هنري كيسنجر في اواسط السبعينيات عن تفتيت دول وشعوب الامة العربية مع انطلاق شرارة الحرب الاهلية اللبنانية عام 1975، والادارات الاميركية المتعاقبة، ومراكز صنع القرار العسكرية والامنية عموما والمؤسسات التشريعية والتنفيذية، تعمل جميعها بتناغم وبالتعاون مع دولة التطهير العرقي الاسرائيلية ودول اقليمية اخرى على تمزيق نسيج الشعوب العربية، ولكل اهدافه الخاصة، اضافة للهدف المشترك.

وتعميدا لعملية التفتيت للشعب العراقي، اعلن رئيس هيئة الاركان الاميركي، رايموند اديرانو، عشية إنهاء مهامه، في الثاني عشر من آب الحالي بتصريح، دعا فيه الى "تقسيم العراق"، معتبرا ذلك "افضل حل لما تمر به البلاد من ازمات". ورغم ان وزارة الخارجية الاميركية، تبرأت من التصريح، مؤكدة على لسان جون كيربي، الناطق باسمها "ان ادارة الرئيس اوباما، حريصة على وحدة العراق". إلا ان الحقيقة الماثلة والمعروفة للقاصي والداني، ان الولات المتحدة وفي مقدمتها ادارة اوباما، تعمل بخطى حثيثة على تقسيم العراق على الاقل الى ثلاث دويلات. وهناك خارطة يجري التدريب عليها والتعامل معها على اساس ما يجب ان تكون عليه حدود الدويلات العربية القادمة، بعد نجاح مخططها التفتيتي في الاكاديمية العسكرية لكبار الضباط في البنتاغون (وزارة الدفاع). وبالتالي ما تحدث به رئيس الاركان السابق لم يكن عفويا، او تصريحا طائشا او نتاج تقدير خاص به. بل هو تجسيد للخطة الاستراتيجية الاميركية.

ومن يعود للخلف قليلا، ويستحضر تصريح جو بايدن، نائب الرئيس الاميركي 2006، الذي دعا إلى ما نادى به رايموند، عندما كان نائبا في الكونغرس، وتصريح كوندليزا رايس، وزيرة خارجية اميركا عام 2005، التي قالت فيه "نحن بصدد إنشاء شرق اوسط جديد" يدرك ان تصريح رايموند، لم يأت من فراغ، انما جاء استنادا الى الرؤية الاستراتيجية الاميركية للمنطقة. لأن تقسيمات اتفاقية سايكس بيكو 1916 البريطانية الفرنسة، لا تلبي المصالح الحيوية الاميركية، لاسيما ان وجود دول وطنية جامعة لشعوبها، وعميقة الصلة بقوميتها العربية، رغم ما تركته القطرية من آثار سلبية على مشروع النهضة العربية، غير انها، تحمل في طياتها آفاقا رحبة لنمو واستنهاض المشروع القومي العربي، الذي يهدد المصالح الحيوية الغربية عموما والاميركية خصوصا، وكذا ركيزة الغرب الاستعمارية، دولة إسرائيل، التي وجدت لتعميق تشظي الشعوب العربية، وتهديد الامن القومي العربي، وليس فقط لنكبة وتشريد الشعب العربي الفلسطيني.

مشروع تمزيق العراق لن ينجح، ولن تتمكن اميركا واسرائيل وبعض دول الاقليم من تحقيق ذلك. والعراق العربي سينهض مجددا بهمة وارادة ابنائه من مختلف الوان واتباع الديانات والطوائف والمذاهب والاثنيات والاحزاب والقوى الوطنية والقومية والليبرالية. وبالضرورة بدعم الاشقاء العرب بالقدر الممكن والمتاح. وبمقدار ما ينتصر العراق على مخطط اميركا وحلفائها، بقدر ما تتقدم معركة الحرية والاستقلال الفلسطينية ونهضة الشعوب العربية الاخرى.

[email protected]