عاجل

الرئيسية » مقالات و آراء »
تاريخ النشر: 25 آب 2015

"وكالة الغوث...؟"

عيسى عبد الحفيظ

عندما تأسست وكالة الغوث الدولية لاغاثة وتشغيل اللاجئين عام 1949، والتي انشئت بقرار دولي لتعويض الشعب الفلسطيني عما لحق به من خسارة الوطن، لم يكن ذاك القرار الا محاولة للتكفير عن الذنب الدولي الذي ساهمت به كل الاطراف التي صوتت لاقامة دولة اسرائيل على حساب نكبة شعب فلسطينيي 1948.

للحقيقة وللانصاف التاريخي، يجب أن نعترف بدور هذه الوكالة في اغاثة الشعب الفلسطيني المنكوب، فكاتب هذه السطور من مواليد النكبة وعايش شخصياً حياة اللجوء والمخيمات وشهد بأم عينه ما قدمته الوكالة من خدمات لمئات الآلاف من الفلسطينيين الذين كانوا لا يزالون تحت صدمة الهجرة القسرية، وخسارة البيت والأرض ومصدر الرزق وسبل الحياة، وبالتالي رميهم على هامش الحياة بل والتاريخ.

لم تكن سبل العيش في تلك الفترة سهلة وهنا عندما نتحدث عن سبل المعيشة والحياة نقصد المأكل والمسكن والطعام والعلاج الطبي والتعليم.

صحيح أن المؤن الشهرية التي كانت توزع على اللاجئين شحيحة، ولكنها مكنت غالبية الناس من البقاء على قيد الحياة. الانسان بطبعه يتكيف مع الظروف، لذا كانت حفنة الرز تلك وكيس الطحين ذلك، وما رافقهما من كمية ضئيلة من الحمص والفول والزيت كافية لحشوها في أفواه الأطفال للبقاء على قيد الحياة.

أيضاً، كان للعيادات الطبية التي أقامتها الوكالة امام كل مخيم دور فعال في الحد من انتشار الأوبئة ومقاومة الامراض الشعبية على الأقل، ومع مرور الوقت تحسنت الخدمات الى حد لا بأس به اذا ما قارناها بالخدمات الطبية الرسمية لبعض الدول العربية.

كان للتعليم وانتشار المدارس في المخيمات، وكان مجانياً بالكامل الى حد توزيع الكتب والقرطاسية على التلاميذ أثره الفعال والواضح في ارتفاع نسبة التعليم في أوساط الفلسطينيين الى حد التربع على المرتبة الاولى في العالم العربي كله.

وللحقيقة نقول انه لولا خدمات الوكالة في هذا المجال، لما تمكن الشعب الفلسطيني من الوصول الى هذه الدرجة الرفيعة في التحصيل العلمي. أيضاً لا ننسى عاملاً مهماً آخر، وهو الاقبال الشعبي الفلسطيني على التعليم، كونه الضمانة الأساس في تأمين المستقبل بعد ضياع الأرض والوطن. وصل الأمر بما يتعلق بالتعليم الى ان الوكالة خصصت منحاً دراسية جامعية للطلبة المتفوقين مال أكثرهم لدراسة الهندسة الطب.

كل ما سبق وأكثر نذكره جيداً، ونسجله لوكالة الغوث الدولية ولكن أهم ما في الأمر هو الجانب السياسي والمعنوي الذي مثلته الوكالة وهي الهيئة الوحيدة التي تم انشاؤها بقرار دولي خاصة بالشعب الفلسطيني. وجود الوكالة يعني بشكل أو آخر ان الشعب الفلسطيني ما زال على قيد التاريخ السياسي العالمي ينتظر حقه في العودة.

الآن، يجري مسح المخيمات في سوريا، وتقليص خدمات الوكالة في لبنان وسوريا والاردن وفلسطين الى حد باتت معه الوكالة غير قادرة على تغطية نفقات التعليم، بالاضافة الى تقليص واضح وخطير في مجالات الطب والاغاثة؟!

بلغ العجز مئة مليون دولار، قامت السعودية مشكورة بدفع ثلث المبلغ وقامت الولايات المتحدة بدفع خمسة عشر مليوناً فقط؟!

نحن كفلسطينيين لا ننظر الى الأمر من زاوية مادية فقط، فتكاليف الحرب على داعش والحوثيين وغيرها من البؤر في ليبيا وسوريا كافية لسد العجز في وكالة الغوث لمدة عشر سنوات وأكثر، ولكن ويبدو أن وراء الاكمة ما وراءها، والمخيم يعني بقاء حق العودة قائماً، ونذكر جيداً كيف عرض على سكان المخيمات في الخمسينيات من جهات دولية أن يتم استبدال أكواخ المخيم الطينية آنذاك بمساكن لائقة وعصرية، وكيف هب سكان المخيمات قاطبة للتظاهر ورفض العرض المغري مادياً والخطير سياسياً، أدركت الناس بسليقتها مكمن الخطر ألا وهو شطب حق العودة. الآن التاريخ يعيد نفسه وان بشكل آخر، فافراغ مخيم اليرموك على سبيل المثال، وتقليص عدد سكانه من أكثر من مئة ألف الى أقل من عشرين ألفاً واضح كل الوضوح، وقس على ذلك في بقية المخيمات سواء على الساحة السورية أو اللبنانية؟!

فهل بدأ العد التنازلي لشطب حق العودة عملياً دون الافصاح عنه رسيماً؟

كل المشكلة ولبها وأسبابها تكمن في حق العودة، والتي دونها لن يكتب لأي حل النجاح أو حتى المرور.