عاجل

الرئيسية » شؤون اسرائيلية » عناوين الأخبار »
تاريخ النشر: 09 كانون الأول 2017

فن الصفقة

معاريف - الوف بن دافيد

هذا كان اسبوعا مثل مرة اخرى كم نحن كلنا عالقون في الوقفة – يمين أم يسار – ويصعب علينا خوض نقاش موضوعي. فبينما معظم الدولة احتفلت، وعن حق، بالخطوة التاريخية والمؤثرة للرئيس دونالد ترامب، كان هناك من قشروا وشرحوا بادعاء بالمعرفة لماذا لن تجدي الخطوة نفعا أو أن توقيتها مغلوط. يبدو أن عددا كبيرا منا يعرفون أنفسهم من خلال الكراهية للمعسكر الآخر.

خطوة ترامب دراماتيكية وهي ستعطي الاصداء. فقبل سنة بالضبط انتقم منا الرئيس براك اوباما في خطوة احادية الجانب في مجلس الامن، سجلت في كتب التاريخ. أحد لم يحتج في حينه على أن الولايات المتحدة تتخذ خطوة تغير الوضع الراهن. جاء ترامب هذا الاسبوع فعدل الميزان واتخذ هو ايضا خطوة احادية الجانب ستكتب في سجل التاريخ. لن يتجرأ أي رئيس اميركي على إلغاء الاعتراف بالقدس كعاصمتنا، واذا انتقلت السفارة الى هناك فهذا سيكون الى الابد. ستكون ايضا سفارات اخرى تسير في اعقاب الاميركيين.

معظم من كتب في وسائل الاعلام استنفدوا ترسانة التعابير المطلقة الهازئة التي يمكن الصاقها بترامب، لكنه اصلح هذا الاسبوع ظلما تاريخيا يعود الى 69 سنة. منذ نشأنا، ونحن الدولة الوحيدة في العالم التي لا تعترف أي دولة اسرائيل بعاصمتها. وبالمناسبة، فإن الكثير من الدول التي حرصت على شجب تصريح ترامب سبق أن اعترفت في الماضي بالدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس.

شرح محللون كثيرون الخطوة من زاوية نظر اميركية داخلية: ترامب ملتزم بتصريحه الانتخابي ويريد أن يرضي المعسكر اليميني الافنجيلي من ناخبيه. ربما نحن، في اسرائيل اعتدنا منذ سنوات طويلة على زعامة لا تتصرف الا انطلاقا من مثل هذه الاعتبارات، لكن في حالة ترامب هذا تحليل ضحل. ينبغي للمرء ان يكون أعمى كي لا يرى الخطوة التي يطبخها هنا. فليس صدفة انه اطلق الاعلان في ساعة البث الاسرائيلية العليا وليس الاميركية.

منذ انتخب ترامب وهو يفهم ان وحدها خطوة دولية مدوية يمكنها أن تنقذ ولايته واسمه. فقد كان يفرحه ان يصفي الطاغية من كوريا الشمالية، لكن كما يبدو هذا – ليس لديه المعلومات اللازمة لمثل هذه العملية. وعليه، فكاتب كتاب "فن الصفقة" يستثمر في المكان الذي يبدو له انه يمكنه أن ينجح: عقد صفقة بين اسرائيل والفلسطينيين. وبالفعل فهو يبدو مثل الرئيس الاميركي الاول الذي له احتمال في أن ينجح في المكان الذي فشل فيه كل أسلافه. لديه شرق أوسط مختلف تماما عن ذاك الذي كان في الماضي ولديه الطبيعة الملائمة ليقود الطرفين (حتى ولو بالقوة) الى اماكن لم يتجرأا حتى الآن على زيارتها.

في اليوم الذي سبق الاعلان أجرى محادثات مع كل زعماء العالم العربي. نحن لا نعرف كل ما قيل هناك، ولكن ردهم بعد هذه المكالمة الهاتفية كان معتدلا نسبيا. يمكن الافتراض ان ترامب شرح لهم، مثلما شرح لابو مازن أيضا - انه لا يعطي اسرائيل قطعة حلوى مجانية، بل لا بد سيجبي عليها المقابل. والاعتراف بالقدس يبدو كخطوة تأتي لتخفيف حدة ما سيأتي لاحقا، حلوى قبيل القرص المرير الذي سيتعين على اسرائيل أن تبتلعه في مسودة الاتفاق الذي سيعرضها ترامب قريبا.

بعد الاعتراف بالقدس أحد لا يمكنه أن يدعي ان ترامب ليس صديقا حقيقيا لاسرائيل.

 

غاية الصفقة

لا يمكن لنا أن نتجاهل أيضا البعد الشخصي الذي في الخطوة: فقد منح رئيس الوزراء ما يمكن ان يعتبر الانجاز الاهم لبنامين نتنياهو في كل ولاياته الاربع. وهذه الكتف الحميمة اعطاها له ترامب في ساعته الصعبة. فالرئيس الاميركي يعرف على نحو ممتاز ما هو الشعور حين يكون  المرء يخضع للتحقيق.

كان طبيعيا أن يجد نتنياهو صعوبة بكبح الابتسامة، وكان له سبب وجيه للابتسام. ولكن الاعتداد العالي بالنفس لديه يشير منذ الآن بانه لم يتعلم بعد بانه لا توجد حقا وجبات بالمجان. منذ عشرات السنين وهو لا يعيش كشخص عادي، يحمل محفظة في الجيب ويكون مطالبا بأن يدفع لقاء ما يأكله. ان لهدية ترامب الرائعة سيكون ثمن، ونتنياهو، مع كل ميله لنكران الجميل، لن يتمكن من تجاهل البادرة الطيبة التي تلقاها.

كل رجل  أعمال سيقول لكم ان احدى القواعد في الطريق الى الصفقة هي "ان يكون المرء كبيرا في الامور الصغيرة" – اعطاء الكثير من البادرات الطيبة الصغيرة لغرض الحصول على الشيء الكبير. بالنسبة لنا كان الاعلان هدفا هائلا، اما بالنسبة لترامب فهو حتى لم يكن تنازلا: فقد كسب منه المصداقية، وهو ليس الرجل الذي يوزع البادرات الطيبة كهذه بالمجان – والحساب لا بد سيأتي، وترامب عرف كيف يحفظ لديه النصف الجذاب من البادرة الطيبة – نقل السفارة الى القدس.

لقد تحدث ترامب كثيرا في خطابه عن السلام، ولكنه سيسعى الى غاية عملية أكثر "للصفقة": لا السلام ولا بداية صداقة شجاعة بين الاسرائيليين والفلسطينيين؛ اتفاق يفصل بيننا وبينهم، يتطلب توافقات أليمة من الطرفين ويمكن له اليوم، بإسناد من المحور السني الجديد ان يفرض عليهما الاثنين ويلي ذراعيهما مثلما لم يفعل اي رئيس قبله.

لقد بات هذا التصميم واضحا منذ الآن في اثناء الاسبوع. ومثل اسلافه هو أيضا يتعرض لرد فعل العالم العربي في كل مرة يطرح أحد ما اقتراحا في صالح اسرائيل: "الارض ستشتعل"، يحذر الزعماء العرب على نحو تلقائي. وهذه المرة حذروا أيضا، لكن الرئيس الاميركي هذه المرة لم ينذعر. وحقيقة أنه اثبت بانه لا يتردد في مواجهة التحذيرات ستقف في صالحه عندما سيطلب منهم تنازلات في المستقبل.

اما الموقف من الفلسطينيين وكأنهم ولد ما في كل مرة لا يعجبه شيء ما يهدد بالعربدة وعلى الجميع أن يتنازل له، فيجب أن يتوقف. يحتمل ان يكون هناك ثمن لاعلان ترامب بمواجهات مع الجيش الاسرائيلي أو بعمليات للافراد ولكن على الفلسطينيين أن يفهموا انهم هم من سيدفعون اساس الثمن. اذا كان اشتعال – فهم أول من سيحترقون.

والآن، بعد أن تلقينا الاعتراف المتأخر، حان الوقت لان نعترف نحن ايضا بعاصمتنا: فهي من المدن الفقيرة في اسرائيل. اقل من نصف من سكانها الراشدين يعملون، ومعدل التلاميذ فيها ممن يستحقون الثانوية يبلغ نحو الثلث. فيها مخيمات لاجئين لم تطئها قدم اسرائيلي، واحياء اصولية لا يمكن لجندي من الجيش الاسرائيلي أن يقطعها وهو يلبس البزة العسكرية.

أكثر من ثلث سكان القدس هم فلسطينيون. فهل شعفاط وكفر عقب هم جزء من عاصمة الشعب اليهودي؟ هل الاغلبية الصهيونية مستعدة لأن تترك العاصمة لحالها تحت سيطرة اليهودية الاصولية؟ بعد 69 سنة من اعلاننا عنها كعاصمة ومع اعتراف اميركي، حان الوقت الآن ننظر من جديد الى حدود وطبيعة عاصمة اسرائيل.