لعنة بلفور
هآرتس بقلم: عودة بشارات

بسذاجة ظننت أنه في 1948 ثار اليهود ضد الكولونيالية البريطانية، لكن في هذه الايام، ما هذه المفارقة، يحتفلون هنا بفخر كبير بالذكرى المئوية لتصريح بلفور، الذي كان ممثلا لامبريالية البريطانية. توجهت لصديقي الفهمان من اجل فحص هذا اللغز: "ممن تحرر اليهود في 1948، اذا كانوا قد وعدوا بدولة قبل ذلك بثلاثين سنة من قبل نفس البريطانيين الذين كان يجب أن يكونوا مستعبِديهم؟"، "أنت هاذٍ"، أجابني صديقي بشكل فظ: "لقد تحرروا من العرب".
للخجل الشديد لم أفهم معنى اقواله البارعة. "بشكل عام الشعوب تثور ضد من يستعبدونها، مثلما ثار الهنود ضد الانجليز، ومثلما ثار الجزائريون ضد الفرنسيين، وشعب الاندلس ضد العرب. المحتلون يأتون، وفي نهاية الامر، بعد سفك الدماء الكثيرة يغادرون والشعوب تبقى"، قلت، ولكن قبل أن أنهي الجملة قال صديقي: "الوضع هنا معاكس قليلا. فاليهود الذين لم يكونوا هنا جاءوا وتحرروا من العرب الذين كانوا هنا. أليس الامر معقد كثيرا؟".
منطق صديقي بدا لي غير منطقي. ومن اجل احراجه سألت: "هل الفلسطينيون يستطيعون الآن احتلال منهاتن، وبعد فترة يقومون بطرد سكانها ويتحررون منهم؟". صديقي انفجر ضاحكا وقال "لا، يا حبيبي، الوضع هنا مختلف. هل يوجد للفلسطينيين وعد الهي في منهاتن للاجداد؟ هل يوجد لهم تصريح من أي زعيم لامبراطورية محتضرة؟ وبشكل عام هل توجد لهم قوة؟". ورغم أنه أسقط في يدي، فقد سمحت لنفسي أن أقول إنه مع ذلك من الصعب فهم كيف تحول الفلسطينيون بين ليلة وضحاها الى أناس يتحررون منهم. ولكن هنا ايضا كانت مفاجأة لي. "هل هناك شرف أكبر من هذا للفلسطينيين؟ أن الشعب اليهودي يتحرر من نيرهم مثلما يتحررون من نير دولة عظمى سيطرت على العالم.
صديقي الملتصق بأعماق التاريخ، ويتحدث وكأنه في هذا الصباح شرب قهوته مع نابليون، همس في أذني بسر مثير: "كما تعلم (وأنا بالطبع هززت رأسي وكأنني أعرف)، بلفور كان شخصا عنصريا، رأى في السود عرق أدنى ولاساميا، عارض دخول اليهود الذين هربوا من المذابح الى بريطانيا في طريقهم الى اميركا"، "اذا كان بلفور لاساميا فكيف وعدهم بأرض فلسطين؟"، سألت. "لقد كان مستعدا لأن يتعهد لهم بكل شيء، شريطة ألا يدخلوا الى بريطانيا"، أجاب.
لم ينس صديقي ذكر جانب مضيء آخر لبريطانيا: "الامبراطورية في زمن احتضارها تقوم بالبحث عن شعوب اخرى تواصل المشروع الامبريالي. وهنا بتحويله بشكل مفاجئ العرب الى اناس يجب على اليهود التحرر منهم، فإن بلفور منحهم كما يبدو هذه المهمة المطلوبة". "لم لا؟"، أجبت بفخر، "إن العرب قاموا باحتلال الاندلس، وبيقين هم مستعدون لاعادة الوضع كما كان". "هنا رأينا أن الوضع يعود الى سابق عهده على شكل خلافة داعش، الذي كان شعاره السيف والرأس المقطوع"، أجاب صديقي بسخرية، وعندها لخص الامر قائلا: إن تصريح بلفور كان لعنة: "الصهاينة فهموا التصريح بصورة غريبة. فقد ظنوا أنهم بالتحديد هم ورثة الانجليز، ومن اليوم الاول لعبوا دور نفس الامبراطورية".
أنا تعبت وقلت "دعك من الامبراطوريات. هيا نعود الى هنا. اذا كان القصد هو التحرر من العرب فهذا يقلقني، لأنه ما زال يوجد هنا عرب". "ومن قال لك إن حرب التحرير من العرب قد انتهت؟"، قال صديقي، "انظر فقط الى الاحترام الكبير الذي يكنه رئيس الحكومة نتنياهو لرجل الترحيل، رحبعام زئيفي، وستفهم كل شيء". اجل، في يوم ميلاد افنير نتنياهو هنأ زئيفي والده ووالدته وقال "الكثير من الاولاد اليهود والترحيل للعرب". اذا كانت هذه التهنئة المناسبة بدل "السنة القادمة في القدس"، كما اعتادوا على التهنئة في الخارج، فكيف يمكن التشكيك بحقيقة أن حرب التحرير ما زالت مستمرة حتى طرد العربي الأخير؟
ترحيل سعيد، أيها العرب.
مواضيع ذات صلة
222 قتيلًا منذ مطلع العام: مقتل شقيقين وإصابة والدهما في الرملة
مئات الآلاف من "الحريديم" يتظاهرون ضد قانون التجنيد في جيش الاحتلال
وزير جيش الاحتلال يقرر منع زيارة ممثلي الصليب الأحمر للمعتقلين
كفر ياسيف: المئات يتظاهرون تنديدًا بجرائم القتل وتواطؤ الشرطة الإسرائيلية
تظاهرة حاشدة في تل أبيب للمطالبة بوقف الحرب على غزة وإبرام صفقة تبادل
مقتل مواطنين في جريمتي إطلاق نار في رهط ودير الأسد