عاجل

الرئيسية » شؤون اسرائيلية » عناوين الأخبار »
تاريخ النشر: 05 تشرين الثاني 2017

نجاح التكنولوجيا العليا يكلف إسرائيل غاليا

هآرتس/ذي ماركر - ميراف ارلوزوروف

كيف يحتمل ان تكون أمة الاستحداث الاسرائيلية هي تلك التي لها معدلات الفقر الأعلى من بين دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ""OECD. فقد بادر مركز طؤوب لفحص هذه المسألة وعاد مع الجواب الباعث على الاكتئاف والذي يمر كعمود فقري ثان في معظم البحوث الاجتماعية – الاقتصادية عن اسرائيل في العقود الأخيرة: حقيقة ان اسرائيل هي في واقع الأمر دولتان: دولة استحداث ودولة كل ما تبقى.

رغم أن هاتين الدولتين تتقاسمان اللغة ذاتها والثقافة ذاتها، الا انهما عمليا تسيران في كونين متوازيين لا يلتقيان. فيكاد لا يكون هناك تبادل بينهما. هذا يفسر لماذا يكون النجاح الهائل لدولة الاستحداث لا يتسلل الى دولة كل تبقى: هناك حاجة الى جواز سفر للانتقال من الواحدة الى الأخرى، وجواز السفر هذا لا يكتسب بساعة ونصف من الوقوف في الطابور في وزارة الداخلية. بل يكتسب في الفجوة الهائلة في الحياة اليومية بين جماعات العمال المختلفة في الاقتصاد، وكذا في الفجوة الهائلة في التحديث بين اماكن العمل المختلفة في الاقتصاد.

 

الكعكة التي لم تكبر تقريبا

"الاستقطاب في الاقتصاد الاسرائيلي حاد على نحو خاص"، يكتب عن ذلك د. جلعاد براند من مركز طؤوب. ويقصد براند انه في كل العالم يوجد استقطاب في سوق العمل، مع عمال خبراء الى هذا الحد أو ذاك وفي كل العالم انتاجية عمل الصناعة – ولا سيما صناعة التصدير – أعلى من انتاجية عمال التجارة والخدمات. هذا طبيعي، وهذا ايضا هو السبب في أن الأجر في الصناعة بشكل عام أعلى مما في فروع التجارة والخدمات؛ على مدى السنين يفترض بالأجر أن يتكتل مع انتاجية العمل. غير أن ما يحصل في كل العالم بمعدلات طفيفة يتسع في اسرائيل الى عالمين منفصلين.

في اسرائيل يعد مردود أجر العاملين في صناعة التصدير الأعلى في العالم، بفارق واضح مقارنة بالدولة التالية بعدنا (ايرلندا). غير أن هذا فقط نصف القصة. النصف الثاني هو ان مردود الأجر المحلي في اسرائيل هو متوسط بالمقارنة العالمية، ما يؤدي مرة اخرى الى أن الفجوة في مردود الأجر بين العمال في صناعة التصدير وبين العمال في باقي فروع الاقتصاد هي الأعلى في العالم – مرة اخرى، بفارق كبير عن الدولة التالية بعدنا (ايرلندا).

بكلمات اخرى، من المجدي في اسرائيل العمل في صناعات التصدير وجد غير مجد العمل في كل باقي فروع الاقتصاد. الفجوة في الأجر كبيرة لدرجة أنه ينبغي الافتراض انه مع السنين سينتقل الناس للعمل في صناعات التصدير، بحيث ان الأجر في التصدير ينخفض أو الأجر في باقي الاقتصاد يرتفع، وفي كل الأحوال تتقلص الفجوة بينهما.

ولكن هذا لا يحصل. منذ عشرات السنين لا يحصل. فالفجوة تتسع فقط. والرسم البياني الباعث جدا على الاكتئاب والذي وضعه بيرنر هو الذي يجسد حركة العمال في اسرائيل في الأربعين سنة الأخيرة: معدل العمال في التجارة والخدمات تضاعف من 30 في المئة الى 60 في المئة من اجمالي العمال في الاقتصاد. وفي نفس الوقت، معدل العمال في الصناعة كاد ينخفض بالنصف – من 30 في المئة الى 15 في المئة من العمال في الاقتصاد.

المشكلة الخطيرة هي ما يحصل لانتاج اولئك العمال: انتاج عمال الصناعة انخفض قليلا من 22 في المئة الى نحو 18 في المئة من  الانتاج. بمعنى ان معدل العمال في الصناعة انخفض بـ 50 في المئة، ولكن انتاجهم انخفض فقط بـ 20 في المئة – ما يعني أن الانتاج للعامل (انتاجية العمل) تحسنت كما ينبغي، النقيض التام مع ذلك، حصل مع الكتلة الأكبر من العمال الذين انضموا الى فروع التجارة والخدمات: معدل العمال في هذه الفروع في الاقتصاد تضاعف، ولكن انتاجهم لم يرتفع بالاجمال الا بـ 10 في المئة بحيث إن كمية مضاعفة من  العمال تتوزع الكعكة التي لا تكاد اتسعت: ما تبقى إذن لتوزيعها على كل عامل – هو قسم صغير جدا.

 

يفوتون الوسط

هذه خلاصة المأساة الوطنية عندنا: قوة العمل عندنا تنمو بالذات في الفروع التي انتاجية العمل فيها منخفضة، ومثلها ايضا الأجر منخفض. وبدلا من أن ننمو ونزدهر في فروع التكنولوجيا العليا ذات انتاجية العمل الهائلة والاجر العالي، فان الكتلة الكبرى من العمال في اسرائيل تتركز بالذات في الفروع الأدنى وغير المتطورة. فلماذا يحصل هذا؟

يقترح براند عدة تفسيرات. أولا، التصدير الاسرائيلي شاذ في مبناه: يكاد لا تكون لنا صناعات تصدير ليست صناعات تكنولوجيا عليا. والتكنولوجيا العليا الاسرائيلية هي بالطبع نجاح عالمي، ونحن نستنفد هذا النجاح حتى آخره. ولكن بطبيعة الأحوال، قلة بائسة فقط من العمال في الاقتصاد يمكنها أن تنهي لقب جامعي في هندسة البرمجة والانخراط في البحث والتطوير المتطور.

يوجد عدد اكبر من العمال يمكنهم ان ينخرطوا في أعمال مدرة في صناعات التصدير المتطورة التي ليست تكنولوجيا عليا، والتمتع بانتاجية عمل أعلى وأجر أعلى في صناعة ناجحة، غير ان في اسرائيل يكاد لا يكون هناك صناعات كهذه. فلم ننجح في تطوير صناعة وسطى نوعية. فإما اننا نوجد في الطرف العالمي للتكنولوجيا العليا، أو اننا عالقون في صناعة تقليدية متخلفة وبلا حداثة. الوسط، الذي كان بوسعنا فيه أن نوفر عرضا واسعا من أماكن العمل المدرة، فوتناه.

التقدير المقلق لبراند هو انه لعل هذا الواقع القطبي ليس صدفة، وان عمليا النجاح الهائل للتكنولوجيا لعليا يدحر اقدام صناعة التصدير التي ليست تكنولوجيا عليا. هذه الآلية، التي تدحر فيها التكنولوجيا العليا كل باقي الصناعات، يمكن ان نشرحها بوسيلتين. الاولى هي الضغط المتواصل لتعويم الشيقل، بسبب نجاح التكنولوجيا العليا، مما يمس جدا بربحية تصدير الصناعات غير التكنولوجية وعمليا لا يسمح لها بالبقاء. اما الآلية الثانية فهي سياسة حكومية مغلوطة تضع منح كبرى تحت تصرف شركات متعددة الجنسيات (ولا سيما انتل) بينما تتنافس هذه مع صناعات التصدير الأخرى بما في ذلك عبر الطلب على العمال الخبراء وكذا عبر آلية تعويم الشيقل. وهكذا فاننا نبقى مع حفنة من الشركات متعددة الجنسيات المزدهرة  ومع مشهد استحداث متلظي، ولكن من دون صناعات تصدير أقل تطورا، ولكن كتلك التي يمكنها أن تشغل عددا أكبر من العمال.

فنحن ليس فقط فوتنا العرض ذا الصلة لأماكن عمل نوعية بل توجد لنا على ما يبدو مشكلة عسيرة في عرض ذي صلة لعمال نوعيين. ويستخدم بيرنر استطلاع الخبرات لكبار السن، استطلاع الـ  PIAACلفحص فجوات الخبرات للعمال الاسرائيليين العاملين في الفروع المحلية وبين اولئك العاملين في الفروع المصدرة. فالمتوسط في الـ OECD يفيد بوجود فجوة صغيرة بين جودة العمال في التصدير وبين جودة العمال في الفروع المحلية. اما في اسرائيل بالمقابل فتوجد فجوة هائلة – خبرة العمال في فروع التصدير أعلى بلا قياس من خبرة اولئك العاملين في باقي فروع الاقتصاد. وينبع جزء من الفجوة على ما يبدو في تركيز التصدير لدينا. فاذا كان التصدير يتركز كله في التكنولوجيا العليا، واضح جدا بان جودة عاملي التصدير في اسرائيل ستكون أعلى بكثير من كل المهن الأخرى. جزء من الفجوة يعكس ايضا الفجوات الكبرى في داخل المجتمع الاسرائيلي والفشل المتواصل من جانب جهاز التعليم الرسمي لدينا.

في كل حال، فان فجوة الخبرات الهائلة تتسبب في أنه لا تكون هناك على الاطلاق تبادلات بين عاملي التصدير في اسرائيل وبين العاملين في باقي فروع الاقتصاد. فعامل متوسط لا يمكنه أن ينتقل للعمل في التكنولوجيا العليا، إذ ليست لديه الخبرات اللازمة وبالتالي فان رفع الأجر في التكنولوجيا العليا لن يؤثر على أجره.

وهكذا، نجدنا عالقين في عالمين متوازيين: عالم تكنولوجيا التواق للايدي العاملة النوعية والمستعد لان يدفع كل ثمن تقريبا لقاء القليل من العاملين المعروضين عليه – وعالم كل ما يتبقى، الغارق بالعمال المتوسطين مع انتاجية عمل متدنية وأجر متدن، وليس له أفق تطور ذو مغزى ليعرضه على اولئك العمال. لا يلامس هذان العالمان الواحد الآخر ولا يؤثران الواحد على الآخر، ونجاح الواحد لا يتسلل الى الآخر.

 

الحل.. إزالة الحواجز البيروقراطية

ما العمل؟ حسنا، هذا سؤال التريليون دولار. نحسن التعليم، نعالج اجهزة التعليم الفاشلة للاصوليين والعرب، نحسن التأهيل المهني كي نسمح للعمال باكتساب الخبرات الناقصة، نزيد الاستثمار الحكومي في الاقتصاد كي نحسن الانتاجية العامة، نشجع المزيد من الاستثمارات بالذات في الفروع التقليدية على حساب الاستثمارات في فروع التكنولوجيا العليا. فالتكنولوجيا العليا في كل الاحوال تعاني من نقص خطير في العاملين المناسبين، بحيث أن علاوة الاستثمارات في المجال ستزيد اساسا سرقة العمال من شركة الى اخرى، وليس انتاجية العمل أو الانتاج العام.

وشيء هام جدا آخر يشير اليه براند هو وجود الازالة التامة لكل حواجز الاستيراد القائمة في الاقتصاد الاسرائيلي. أي البيروقراطية الحكومية الخانقة التي لا تسمح الا لحفنة من المستوردين الحصريين بالبقاء، لأن حواجز الاستيراد تترجم في نهاية المطاف الى حواجز تصدير. هناك علاقة مباشرة بين حجم الاستيراد وحجم التصدير. وبالتالي كل المطالب المتشددة من معهد المواصفات، وزارة الصحة أو وزارة الاتصالات، والرامية الى خدمة مخاوف الموظفين الذين يخافون التخلي عن صلاحياتهم – تعرقل في نهاية المطاف النمو الاسرائيلي.

لا سبيل لتشجيع المصدرين الصغار والضعفاء ولا سيما ممن لا يعالجون التكنولوجيا العليا، الا بواسطة زادة التجارة الدولية لاسرائيل، وهذا يمنعه موظفونا الحكوميون الأعزاء منذ سنين.