عاجل

الرئيسية » شؤون اسرائيلية »
تاريخ النشر: 29 تشرين الأول 2017

الوصفة لمكافحة عدم المساواة

هآرتس/ذي ماركر - ايتان افريئيل

 لا يمكن لأحد أن يتهم صندوق النقد الدولي، المنظمة السياسية التي تسيطر عليها النخب والحكومات الغربية، بالنهج الشيوعي او حتى بالاشتراكية الرقيقة. فهذه منظمة توجد في قلب الاجماع الغربي بل واحيانا هي التي تملي السياسة على باقي دول العالم – مثلا كشرط لتلقي القروض من الدول الغنية. وهي ترى العالم عبر نظارات محافظي البنوك المركزية والاقتصاديين الارثوذكسيين: ستانلي فيشر مثلا الذي كان ذات مرة محافظ بنك اسرائيل واليوم نائب المحافظة الأميركية، كان في الماضي الاقتصادي الرئيس في الصندوق.

 لا يمكن اتهام الصندوق في أنه منقطع عن الواقع. فمثل منظمات عديدة في السنوات الأخيرة، شخص الصندوق ايضا بان المشكلة الاقتصادية التي تهدد العالم الغربي هي مسألة عدم المساواة الاقتصادية بين الأقلية – 10 في المئة أو 1 في المئة في كل دولة – وبين كل الباقين. وفضلا عن كوارث حالة الطقس، الربوتات الذكية أو ضربة النيزك للكرة الأرضية، في المنظمات الاقتصادية شخصوا عدم المساواة بأنه المشكلة الاولى في القرن الـ 21، تلك التي لها الامكانية الكامنة الأكبر والأكثر فورية لخلق اضطرابات اجتماعية ذات مغزى – النتيجة التي في أقل تقدير ستمس شديد المساس بمستوى معيشة مواطني العالم.

هكذا ايضا في اسرائيل. فرغم غياب الخطاب الاقتصادي اليقظ - عندنا يفضلون الحديث عن الأمن، العرب، العلمانيين والمتدينين، وليس صدفة – في اسرائيل أيضا الفوارق ستؤثر آجلا أم عاجلا على النمو الاقتصادي، على مستوى المعيشة وعلى جودة الحياة. هناك فوارق ذات مغزى بين اسرائيل وبين باقي الدول المتطورة – لكل دولة قصتها المميزة – ولكن الواضح هو أن عدم المساواة في اسرائيل هو من الأعلى بين الدول الغربية، وان أجزاء واسعة من السكان يجمعون احباطات ومصادر غضب على وضعهم حيال مستوى المعيشة وامكانيات الميسورين. هذا احباط متعاظم، لأن نصف السكان الذين يكسبون أقل من 7 آلاف شيقل في الشهر ينضمون الآن لابناء الطبقة الوسطى الذين يخافون الا يحظى ابناؤهم حتى بمستوى المعيشة الذي تمتعوا به – بسبب اسعار السكن، ومستوى الأجر لمن لا يعمل في التكنولوجيا العليا، ولأن قسما كبيرا من الكعكة الاقتصادية يصل الى جماعات مصلحية ذات علاقات وروافع سياسية.

 لقد سبق أن رأينا الموجة الاولى من نتائج هذا الاحباط. فالاحتجاج الاجتماعي في صيف 2011، الاحتجاج ضد احتكار الغاز وتشكيل سلسلة طويلة من المنظمات الاجتماعية، كانت كلها ولا تزال تتحرك بوقود عدم المساواة، الذي حسب الميول الحالية وتقديرات معظم الاقتصاديين سيواصل الاتساع. ولكن كيف يمكن التصدي لمسألة معقدة وليس بالضبط مركزة مثل الاحباط المتراكم بسبب فوارق عدم المساواة؟ يدعي اقتصاديو صندوق النقد الدولي بأنه ممكن، وفي الأيام الأخيرة اصدروا بحثا اقتصاديا طويلا وشاملا يصف الصورة العالمية ويقترح خطة عملية – نوعا من خطة الطريق – لتقليص عدم المساواة.

 ليس للصندوق صيغة سحرية تؤدي الى النتيجة المرغوب فيها: ميل الانخفاض المتواصل وبعيد المدى في عدم المساواة، الذي يبنى على مدى خمسة عقود – منذ نهاية السبعينيات. كما ليس له خطة واحدة للجميع. فكون القصة الاقتصادية الاجتماعية مختلفة من دولة الى دولة، فان كل دولة تريد أن تخرج في خطوة ضد عدم المساواة ستضطر الى أن تختار من بين الادوات التي يقترحها صندوق النقد تلك التي تناسبها. ففي خطة الصندوق لا يوجد حتى ولا شيء استثنائي – فالأدوات لديه معروفة في معظمها – ولكن البحث الاقتصادية الذي أجراه يتضمن بعض المفاجآت في كل ما يتعلق بالاسعار وبآثار الخطوات، بعضها تماما ضد الافكار الدارجة للعالم. فما هي ادوات الصندوق؟ تتوزع هذه الى ثلاثة اصناف، في كل واحدة منها جملة من البدائل: الضرائب على ذوي القدرة، خطوة واسعة ودراماتيكية لتوزيع الدخل الاساس على كل السكان، واستثمار خاص ومتعدد الوسائل في خدمتين عامتين مركزيتين: التعليم والصحة. هكذا يمكن لهذا ان ينجح.

1 - الضرائب على أصحاب المال وتوزيعها:

 هذه ليست توصية مفاجئة: ضرائب تفاوتية، ولا سيما تنظيمية للتحويلات المالية والدعم الحكومي لقليلي الدخل والقدرات المتدنية، هي اليوم الآلية الأساس التي تقلص عدم المساواة. والأمر موجود في كل دولة: فعدم المساواة واسع بتعابير الدخل غير الصافي، ولكن بعد جباية الضرائب والتحويلات للضعفاء، فان عدم المساواة بتعابير الدخل الشاغر يكون أدنى.

يبين البحث الاقتصادي لصندوق النقد انه في الدول المتطورة، بالمتوسط، فان الضريبة التفاوتية الى جانب التحويلات احادية الجانب الى الضعفاء تقللان عدم المساواة بنحو الثلث. ومنهما، فان التحويلات احادية الجانب تقوم في اساس العمل، نحو ثلاثة ارباع التحسن، في الدول المتطورة. غير أنه في العقود الأخيرة انخفضت جدا الضرائب على الميسورين وعلى الشركات الكبرى، وهذا على ما يبدو هو السبب الاساس – أسباب اخرى طرحت اقل اقناعا – للارتفاع في عدم المساواة.

 حتى هنا التحليل غير مفاجئ، وعليه فان الجديد في هذا البحث هو انه في دول عديدة يمكن، برأي اقتصاديي صندوق النقد، رفيع الضريبة على المداخيل العالية – أي زيادة تفاوت منظومة الضريبة – دون المس بالنمو. هذا استنتاج مفاجئ. فالفلسفة الاقتصادية المركزية لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، مثلا، هي ان تخفيض الضرائب هي الاداة الاساس لتشجيع النمو، الذي يستفيد منه الكل برأيه – بما في ذلك الضعفاء. غير أن بحث صندوق النقد لم يجد أدلة على ذلك: في حالات عديدة، يدعون، عندما لا تكون منظومة الضريبة تفاوتية بالنسبة لدول اخرى، سيكون ممكنا رفع الضريبة على اصحاب المداخيل العليا دون تخفيض آمال النمو. وليس فقط ضريبة الدخل: فالميسورون يتمتعون بضريبة متدنية على أرباح رأس المال وعلى الشركات (التي انخفضت جدا في العقود الاخيرة)، وبقدرات عالية  في تخطيط الضريبة والتملص من الضريبة. وتوصية صندوق النقد – فحص رفع الضريبة على المداخيل العالية – رفع ضرائب ارباح رأس المال والشركات الكبرى، النظر في الضرائب على رأس المال والاملاك ومكافحة المخططات الضريبية.

 مثل هذه الخطوة ستقلص بحد ذاتها عدم المساواة، وبالتوازي تدخل الى الصندوق العام الوسائل لدعم الضعفاء. ونظرة الى تأثير الضريبة والتحويلات على عدم المساواة في الدول المتطورة، حسب مستوى جدول جيني (مستوى صفر هو مساواة مطلقة في المداخيل، مستوى واحد هو حين تكون توجد كل المداخيل في يد شخص واحد) يبين ان اسرائيل توجد في مكان سيء – وعليه فان هذه التوصيات تبدو مناسبة لاسرائيل حتى اكثر من دول عديدة اخرى.

2 - دخل أساس للجميع:

 كما أن الالية لمساعدة الضعفاء تلقى اشكالا وبدائل كثيرة، كل دولة وفقا لاختيارها. مخصصات اولاد، مخصصات شيخوخة، بدل بطالة، نقاط استحقاق وضريبة دخل سلبية – كلها وسائل للمساعدة المباشرة للضعفاء من ميزانية الدولة وهي جد ناجعة في تقليص عدم المساواة. هذه المرة يقترح صندوق النقد بديلا جديا لم يبدأ أحد الحديث فيه الا مؤخرا – دخل أساس للجميع. هذا الاقتراح جاء رغم أنه لم تتبناه بعد أي دولة – ويتمثل بدفعة شهرية ثابتة لعموم الناس.

 يدعي مؤيدو الفكرة بان مثل هذه المساعدة اكثر نجاعة واقل ثمن من الدفعات وفقا لمقاييس الدخل ومستوى المعيشة، كون هذه تتطلب جهازا أكبر واكثر تعقيدا من أجل تطبيقها. اما المعارضون فيقولون ان الدخل للجميع سيصل ايضا للميسورين وبالتالي فان هذا تبذير في سياق الخطة الرامية الى تقليص عدم المساواة، وانه يخلق حافزا سلبيا للخروج الى العمل. ولكن السؤال الكبير هو كيف يمكن تمويل كل هذا، واقتصاديو صندوق النقد أجروا سلسلة طويلة من التجارب لدول مختلفة.

الاستنتاجات.. دخل اساس سيقلص بسرعة عدم المساواة في الدول المتطورة، شريطة الا يضر تمويل الخطة بنفسه بالضعفاء ولكن في الدول المتطورة فان النتيجة بالذات ستضر بهم، وعليه فهناك اولوية لاليات المساعدة الحالية. الدخل الاساس لربع الاجر الاوسط (في اسرائيل: حوالي 1.700 شيقل في الشهر) سيتطلب تمويلا بمعدل 6 – 7 في المئة من الناتج في الدول المتطورة و 3 – 4 في المئة في الدول النامية (في اسرائيل، اذا افترضنا 5 في المئة ناتج، فالحديث يدور عن نحو 60 مليار شيقل، مما سيؤدي الى تخفيض كبير في عدم المساواة. هذا بالطبع الكثير من المال، ونجاح مثل هذه الخطة منوط بطريقة تمويلها، ولكن اقتصاديي الصندوق يفاجئون ويدعون بان الفكرة بالتأكيد ممكنة، جديرة بل وحتى قابلة للتطبيق.

3 - الاستثمار في التعليم والصحة:

 وهذه هي المفاجأة الثالثة لبحث الصندوق الذي يوصي برفع الاستثمار الحكومي في الاجهزة العامة للصحة والتعليم من أجل السكان الضعفاء. في اسرائيل، اذا سُئل الخبراء ما الذي ينبغي عمله من أجل مستقبل الدولة، يكون الجواب مشابها دوما: معالجة التعليم، مشكلة فوارق التعليم والصحة تتعلق قبل كل شيء بالدول النامية ولكن يتبين أنها حادة ايضا في الدول الغنية. لان فجوة مدى الحياة بين اصحاب التعليم المتوسط واصحاب التعليم الاكاديمي تتراوح بين 4 و 14 سنة وهذه الفجوة توجد في حالة تصاعد. وصيغة اقتصاديي الصندوق: من أجل تقليص عدم المساواة يجب تشخيص السكان الضعفاء – والاستثمار اكثر في خدمات التعليم والصحة التي يتلقونها، في خطوة حادة من التمييز التعديلي.

 يمكن التعاطي بتهكم مع بحث صندوق النقد. فليس فيه أي جديد حقا، وبعض الامور مفهومة من تلقاء ذاتها والحلول تتناول الدول المتوسطة ومئات الصفحات تتناول نماذج اقتصادية مبسطة وتجارب محوسبة – وهي لا تعكس دوما الواقع في اسواق يختلف الواحد جدا عن الاخر. ولكن لا يمكن تفادي السطر الاخير: عدم المساواة هو نتيجة سياسة قررها الانسان ويمكنها أن تتسبب بثورات وحروب – ودولة لا تواجهه تعد نفسها آجلا أم عاجلا بمشاكل عويصة.