عاجل

الرئيسية » عناوين الأخبار » تقارير خاصة »
تاريخ النشر: 18 آب 2015

بالصور.. كفر راعي تودع ابنها الشهيد أبو عمشه فيما يبقى لغز استشهاده سراً

جنين- الحياة الجديدة- عاطف أبو الرب- شيعت جماهير بلدة كفر راعي والقرى والبلدات المجاورة، اليوم، جثمان الشهيد محمد بسام أبو عمشة، الذي استشهد أمس على حاجز زعترة برصاص الاحتلال، بحجة محاولته طعن أحد الجنود على الحاجز.

وانتظرت كفر راعي العائد إليها على أكتاف أقرانه، بعد ليل طويل انتظرته، تترقب عودتها ملفوفاً بالعلم الفلسطيني. حيث اصطف المئات من أبناء البلدة في أزقتها وشوارعها، يتفيؤون في ظل الجدران هرباً من حرارة الشمس الحارقة.

وانطلق موكب التشييع من مستشفى رفيديا في نابلس، باتجاه البلدة. هذا فيما غص منزل العائلة بمئات النسوة ممن توشحن السواد. وقبيل الظهيرة صدحت مآذن مساجد البلدة بتكبيرات الله أكبر، معلنة وصول الشهيد محمولاً على الأكتاف، ومع الله أكبر خرج الناس من بيوتهم، كما لو أنها ساعة نفير عام، وتوافد الناس باتجاه منزل العائلة، التي كانت على موعد أخير مع ابنها، قبل انتقاله إلى بيت آخر في مقبرة البلدة.

زغاريد النساء، وصرخات حناجر المشيعين اختلطت لتعزف معاً لحن الوداع... دموع المعزيات امتزجت بدموع والدة الشهيد، فهذه امرأة جاءت لتواسي الأم بفقدان ابنها، لم تتماسك أمام دموع الأم التي انهالت بغزارة، فما أن تعانقها امرأة من بلدتها حتى تختلط الدموع. كل شيء مختلط في هذا المشهد، حزن الأهل واحتقان الشباب، وغضب الجميع، وغموض الرواية، تصنع قصة استشهاد محمد بسام أبو عمشة برصاص الاحتلال.

وبعد دقائق قليلة، أجزم أنها غير كافية لإرواء ظمئ أم على ابنها المغادر دنيانا، ولكن هي سنة الحياة، الأم التي لم تنم طوال ليلها، تبكي حالها، تنتظر ابنها العائد ملفوفاً بعلم فلسطيني، اختصرت لقاءها به لدقائق معدودة، شاركتها بها نساء العائلة.

محمد يطوف شوارع بلدته للمرة الأخيرة، وهذه المرة ليست كما جولاته في بلدته، اليوم محمد يزف بموكب صاخب، حيث يحمل فوق الأكتاف، يرفع فوق رؤوس الأحياء، يسمع هتافات الله أكبر، ونبرات الغضب تنطلق من حناجر الجميع، وكما هو المشهد فقد اختلطت كل الأصوات، لم يعد بإمكان محمد أو غيره أن يميز أصوات المشيعين.

دقائق وحل الركب في ساحة مدرسة مسقط في بلدته لإلقاء نظرة الوداع. خلف المشيعين عجوز تلاحق النعش كما أنها تبحث عن صيد بين هذه الجموع، دخلت خلف الجثمان ساحة المدرسة، أصرت على اختراق الصفوف، وتقدمت حتى طبعت قبلة على جبين محمد، وقالت له الله معي يا ستي، إنها جدته التي لم تكتفي بوداعه في البيت، وكأنها حاولت أن تحكي له سراً بعيداً عن نساء البلدة.

شباب البلدة يتدافعون، كل يريد أن يكون له شرف وداع الشهيد، فالوقت يمضي وحرارة الجو تدعو الجميع للاستعجال بنقل محمد إلى تربته ليرتاح من هذه الدنيا الظالم أهلها. وفي هذا المشهد الصاخب يتقدم بسام أبو عمشة، والد الشهيد غير مكترث بصرخات وتدافع الشباب، ليعانق ابنه محمد، ويرتد للخلف ودموعه تغلب صلابته، ويتمتم بكلمات أجزم أن أحداً لا يقدر عن تحليل ما قاله لابنه في لقائه الأخير معه.

وعلى مقربة من المدرسة وبعد صلاة شارك بها جمع غفير من البلدة وروي محمد الثرى، وعاد الجميع، كل يحكي روايته حول ظروف استشهاد محمد، فيما محمد يحتفظ بالحقيقة المطلقة لنفسه، كما اقتنص لقب شهيد لنفسه أيضاً. محمد اليوم شهيد الأمس، راح ضحية الاحتلال، قد يقول البعض إنه حاول تنفيذ هجوم على الاحتلال، ومع هذا فهو ضحية هذا الاحتلال الجاثم على صدورنا قبل أرضنا، فلمحمد الحق في الثورة عليه، ولولا الاحتلال لما كان محمد سيثور. محمد ضحية الاحتلال الذي ينغص على كل محمد في هذا الكون، ويبقي على حواجزه تقطع أوصالنا، وتستفز مشاعرنا.