أيلول أقسى الشهور

نابلس– الحياة الجديدة– بشار دراغمة- اتسعت رقعة الموت في أيلول، ولم يكن مرور الأيام يمنحها سوى مزيد من السواد، بدءًا بالأحداث المؤسفة في الأردن عام 1970، وفي لبنان كان رمادا وموتا وغاب الشهود وتلاشوا خلف أرقام مجردة ومبعثرة ومتصاعدة في محاضر الموت، قُتل الفلسطيني هناك وسجل التاريخ في صفحاته أن مجزرة ارتكبت في صبرا وشاتيلا، ليغرق أيلول بمزيد من الضحايا، عددهم ما زال مجهولا للآن، فلا الأسماء موثقة ولا تفاصيل الموت المرعب حاضرة، يقولون 750 وربما خمسة آلاف وبورصة الأرقام في تأرجح دائم مع ترجيح مستمر للقيمة الأكبر من الأعداد.
صور قليلة وثقت مجزرة صبرا وشاتيلا، جثث ملقاة بين أكوام التراب والنفايات، طفلة ميتة لا زالت تحاول التقاط ما تبقى في رضاعة حليب، امرأة شق ثوبها وقُطع جسدها، عجوز أعياه طول الانتظار فألقى بعكازه جانبا وراح يبحث عن موت جماعي، فهنا ما زلنا نردد "الموت مع الجماعة رحمة"، هؤلاء هم الشهود الحقيقيون على المجزرة، ماتوا جميعا وبقيت أعينهم مفتوحة ينظرون بكل الغضب إلى القتلة، وينتظرون رغم موتهم محاسبة مجرمي الحرب الذين هلك معظمهم قبل تحقق الحد الأدنى من العدالة.
في الشارع الفلسطيني، المعلومات مرعبة، الكل يعرف صبرا وشاتيلا وكثيرون يعلمون أنها مجزرة، لكن نسبة لا بأس بها في الشارع لا تدرك تفاصيل المجزرة ولا زمانها أو مكانها، سألنا عن العدد البعض قال العشرات وفي بورصة الأرقام لم يتجاوز الرقم المئات، تحدثنا معهم عن المكان فقالوا داخل الخط الأخضر ومنهم من قال إنها قرب دير ياسين، ونفر قليل من أشاروا بدقة إلى لبنان ومثلهم من علموا جنسية الأيدي الملطخة مباشرة بالدماء.
ياسمين التي ترحمت على ضحايا المجزرة تقر أنها تفتقد للمعلومات الكاملة مدافعة عن موقفها "إذا كانت الامم المتحدة والصليب الأحمر لا تدري العدد الدقيق لضحايا المجزرة هل مطلوب مني أن أعرف أنا ذلك". مضيفة "كنت سابقا اعتقد ان صبرا وشاتيلا هي قرى فلسطينية داخل الخط الأخضر ولاحقا عرفت الحقيقة وأن مرتكبي المجزرة هم القوات الإنعزالية اللبنانية بتعليمات إسرائيلية".
في الجزء الغربي للعاصمة بيروت يرزح مخيم صبرا وشاتيلا على مسافة لا تتجاوز كيلو متر مربع واحد، أكثر من 12 ألفا يسكنونه اليوم، قلة قليلة منهم هم شهود على المجزرة، ومن بقي على قيد الحياة لا يريد أن يتذكر ما حدث.
منتصف أيلول المثقل بالدماء كان المخيم مطوقا بالكامل من قبل القوات الإنعزالية اللبنانية والجيش الإسرائيلي الذي كان تحت قيادة ارئيل شارون ورفائيل إيتان وقامت القوات الانعزالية بالدخول إلى المخيم وبدأت بدم بارد تنفيذ المجزرة التي هزت العالم ودونما رحمة وبعيدا عن الإعلام وكانت قد استخدمت الأسلحة البيضاء وغيرها في عمليات التصفية لسكان المخيم العُزل، وكانت مهمة الجيش الإسرائيلي محاصرة المخيم وإنارته ليلاً بالقنابل المضيئة، ومنع هرب أي شخص وعزل المخيَّمَيْن عن العالم، وبهذا تسهل إسرائيل المهمة على القوّات اللبنانية، وتقتل الأبرياء الفلسطينيين دون خسارة رصاصة واحدة، وبوحشية لم يشهد العالم نظيرًا لها منذ مئات السنين
كتب وتحقيقات صحفية كثيرة من العربية والأجنبية وحتى الإسرائيلية جمعت روايات شهود المجزرة قبل سنوات، فسلمان الخليل المسؤول عن دفن الموتى يقول "وقعت المجازر يوم الأربعاء، وفي المسـاء أخـذت الجرافـات تـدفن الضـحايا بـدون صلاة ولا تكفين ولا غسيل، ولم يعرف أحد أي شيء عن الجثث، لم يتعرف يومهـا أحـد عـلى جثـة، كان الآباء والأمهات يـأتون إلي منهم لونه أسود وقسم آخر منفوخ بفعل الشمس، دفنــت في يــوم واحــد ١١٣ جثــة في ســبعة خلجــان حفرتهــا الجرافات".
ويتابع "عندما دخلـت إلى المخـيم رأيـت اللحـم ملـزق عـلى الحيطـان وتسـتطيع أن تقول كل أساليب القتل قد استخدمت، السـاطور, البـارودة, الرصـاص, العصــي, كاتم الصوت".
فاطمة شاهدة أخرى وثقت روايتها مجلة اليوم السابع الفلسطينية والتي صدرت عام 1984 تقول" أصـيب زوجـي بشـظايا الحجـارة فحملتـه عـلى ظهـري, وركضـت صـوب مستشـفى غـزة, وبقيـت معـه في المستشفى.. هناك بدأت أفـواج الجرحـى تتوافـد. رأيـت ولـدا صـغيرا جسـمه مـليء بالشظايا, وغيره كثيرون.. خفت على أولادي, فعـدت إلى المنـزل, ومـا أن وصـلت حتى أطلقوا النار (زاروبـة) علي فلـم أصـب, لكنـي سرعـان مـا غـادرت البيـت إلى منزل أهلي فوجدتهم كلهم مقتولين وجيران أهلي وغـيرهم كثـيرين..
تضيف فاطمة "امرأة حامل فتحوا بطنها, وامرأة أخرى في شهرها الرابع قتلوها عـلى بـاب الملجـأ..ناس لبنانيين حاملين أعلاما بيضاء قتلوهم.. نسـوان إخـوتي قتلـوهم.. أخـي الكبـير كان يحمل القتلى والجرحى, ويساعد الناس قتلوه.. أمي كانت تحمل ٧٨ ألف لـيرة قتلوهـا.. نسـوان قطعـوا لهـم أيـاديهم مـن أجـل أسـاور الـذهب وقتلـوهم.. كـانوا مخدرين يأخذون إبر مورفين في عروقهم».
ذلك جزء من روايات الشهود المتواصلة على مجزرة لم تحل حتى اليوم كل رموزها وأسرارها.
مواضيع ذات صلة
قوات الاحتلال تقتحم عدة قرى وبلدات في محافظة نابلس
مستعمرون يحرقون أراضي ومركبات ويعتدون على منازل في جيت شرق قلقيلية
مجدلاني: الاستيطان يتم برعاية وحماية حكومة الاحتلال وجنين تتعرض لحملة استيطانية وعقوبات جماعية
مستعمرون يهاجمون عين عريك غرب رام الله
مستعمرون يعتدون على موظفين في شركة كهرباء محافظة القدس جنوب بيت لحم
فلسطين تشارك بأعمال الدورة الثانية من "حوار ترمذ" في طشقند
دولة فلسطين تجدد إدانتها للهجمات التي استهدفت البنية التحتية والمرافق الحيوية في دولة الإمارات العربية المتحدة الشقيقة