كتلة في الحلق
معاريف - بقلم: النائبة كسانيا سبتلوفا

"تعالوا لزيارة المتحف لتراث غوش قطيف"– الاعلان الذي نشر في عدة محطات اذاعة في الاسابيع الاخيرة سرعان ما أعادتنا في الزمن الى الوراء، الى 21 آب 2005، حين اخليت مستوطنات عتسمونا، غانيه تال وأخرى. وصلت الى عتسمونا الى ما قبل الاخلاء بصفتي المراسلة للشؤون العربية في القناة 9. ومع أن بعضا من السكان المحليين اقترحوا ان ننام في بيوتهم، الا اننا اقمنا مدينة خيام صغيرة على ساحة العشب في وسط المستوطنة حفاظًا على خصوصيتهم في الليلة الاخيرة في بيوتهم. سمعنا الاصوات تصدر عن البيوت، فتيات وفتيان تجولوا كل الليل في ساحة البيت الوحيد الذي عرفوه.
كنت اعرف عتسمونا جيدا. ليس فقط عتسمونا بل معظم المستوطنات في قطاع غوش قطيف. لاول مرة وصلت الى هناك في عام 1992، حين كنت تلميذة الثانوية الدينية للبنات في القدس. قضينا نحو اسبوع في غوش قطيف وعملنا في مزارع المستوطنات في الصباح، سبحنا في البحر في الظهيرة وسمعنا المحاضرات في المساء. وأنا أتذكر جيدا هذه الزيارات – الطريق الى الغوش، حين كان السائق يخفض الانوار ويطلب منا الا نجلس بقرب النوافذ – حين كنا نمر بالضبط من جانب مخيم ما للاجئين الفلسطينيين. مثل كل رفيقاتي، كنت في البلاد لبضعة اشهر. لم نعرف شيئا عن الحياة في المكان وعن الوضع السياسي في دولة اسرائيل. "اليهود يعملون بكد، وهكذا بنينا هذه المستوطنات الجميلة، بينما يفضل العرب التسول والعيش في فقر"، شرحت احدى المرشدات. وفقد بعد نحو عقد من الزمان، حين تجولت كصحافية في مخيمات الفلسطينيين اكتشفت انه يعيش هناك اناس من لحم ودم، بعضهم كانوا اصحاب مهن واصحاب ممتلكات في تلك القرى والمدن التي لم تعد، ووصلوا الى المخيمات في اثناء الحرب في 1948.
في تلك الليلة الحارة التي يتصبب فيها العرق في آب 2005، التقيت بنفسي في غوش قطيف. طفلة ليس اكثر من 15 بأُسم مورية، مع قميص برتقالي، جاءت الى خيمتي للحديث. تحدثت كم نحن محقون وكم هم العرب غير ذلك. إذ ان هذه البلاد كلها هي بلاد الميعاد، وهي لنا، ولنا فقط الى الابد. كان بوسعي أن اسألها عن المخيمات التي في المحيط، عن سكان غزة الذين لم تعرفهم مورية ولن تعرفهم أبدا، عن أشلاء جنودنا المنتشرة في حي الزيتون في غزة، عن عائلة حتوئيل، عن العملية الفظيعة في نتساريم، عن الصواريخ وقذائف الهاون التي اطلقت من غزة في ذاك الوقت، عن ان مجرد مشروع غوش قطيف، مع كل الجمال والوعد، لم ينجح في الثلاثين سنة من وجوده، لا من ناحية اقتصادية ولا من ناحية امنية. ولكني عرفت انه ليس لديها القوة والقدرة في هذه المرحلة على أن تفهم ان العملية الجراحية الاكثر ايلاما وخطورة تكون احيانا ضرورية لانقاذ حياة المريض. بعد أن اخلوا عتسمونا، سافرنا مع فريق التصوير الى مستوطنة اخرى غانيه تال. هبطت العتمة على ما كانت ذات مرة غانيه تال بسرعة البرق وابتلع الظلام ما تبقى. من ناحية شخصية ورمزية فان هذا الغروب الذي بلع ركام غانيه تال، المستوطنة التي عرفتها وصورتها التي ارتسمت في ذاكرتي الى الابد، كانت بين الامور الصادمة التي رأيتها في اثناء عملي الصحفي على مدى 14 سنة.
من ناحيتي، يمثل متحف تراث غوش قطيف المأساة التي في اتخاذ القرارات الخاطئة. لاقامة مستوطنات، لاسكان المناطق التي ليست من مناطق دولة اسرائيل، كل ذلك دون اعطاء الرأي والفكر في الآثار وفي النتائج. والآن، في كل مرة تنظر فيها الحكومة الى الطرف الآخر عندما تقام بؤرة اخرى او تقر "عمونه" اخرى لا افكر فقط بما سيقولونه في العالم بل وأيضا عن الغروب الذي هبط على غانيه تال وعن جزر الخرائب التي تبقيت في مكان عتسمونا وعن مورية التي لم تكن قادرة على ان تسلم بواقع الحياة، الذي يختلف جوهريا عن الرؤيا التي هي وكثيرون آخرون يؤمنون بها حتى اليوم.
مواضيع ذات صلة
مقتل رجل بجريمة إطلاق نار في عرابة البطوف داخل أراضي الـ48
مقتل رجلين في الناصرة وعكا
إسرائيل تعلن بدء هجوم على إيران وفرض حالة طوارئ شاملة
أولمرت: إسرائيل تدعم محاولة عنيفة وإجرامية للتطهير العرقي في الضفة
222 قتيلًا منذ مطلع العام: مقتل شقيقين وإصابة والدهما في الرملة
مئات الآلاف من "الحريديم" يتظاهرون ضد قانون التجنيد في جيش الاحتلال